ساعة واحدة
ملف الركام والنفايات في سوريا.. بين تعقيدات الملكية وتحديات الاستثمار
الأربعاء، 6 مايو 2026
تواجه سوريا مرحلة مفصلية تفرض إعادة بناء شاملة لمنظومة الخدمات العامة، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، في ظل إرث ثقيل خلفه النظام المخلوع على مستوى البنية التحتية والإدارة والمؤسسات. تضع وزارة الإدارة المحلية والبيئة نفسها في قلب هذا التحول، عبر مقاربة تربط بين معالجة ملف الملكيات، وإدارة الركام، وتنظيم قطاع النفايات، واستعادة ثقة المواطنين، بوصفها عناصر مترابطة في مسار التعافي.
وتكشف مقابلة مدير العلاقات العامة في الوزارة، علي الحمد، مع موقع تلفزيون سوريا، عن صورة معقدة لواقع الخدمات، تبدأ من تراكم الركام الناتج عن سنوات الحرب، وتمتد إلى أزمة النفايات، مرورا بتحديات الاستثمار وضعف الإمكانات، وصولا إلى فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، في وقت تحاول فيه الحكومة إعادة بناء هذا القطاع تدريجيا.
يرفض الحمد التعامل مع ملف الركام بوصفه مسألة تقنية فقط، ويربطه مباشرة بحقوق الملكية. يؤكد أن الركام يعد ملكا خاصا، ولا يحق لأي جهة التدخل فيه دون إذن قانوني، ما يجعل هذا الملف مرتبطا بحسم قضايا الملكية قبل أي تدخل تنفيذي.
يوضح أن التأخر في إزالة الركام في عدد من المناطق يعود إلى غياب أصحاب الملكيات، سواء بسبب التهجير أو الفقدان، ما يعقد عملية اتخاذ القرار. تشدد الوزارة على ضرورة ضمان حقوق جميع المالكين، وتعتمد الوثائق الرسمية الصادرة عن المصالح العقارية كمرجع أساسي، وفي حال غيابها تلجأ إلى لجان قانونية ومعايير دولية لإثبات الحقوق. وتشير البيانات إلى نجاح هذه الآلية في توثيق 82% من ملكيات مدينة "داريا" عبر شهادات محلية كخطوة أولية.
يشير الحمد إلى أن هذه الإشكالية تمثل عائقا استراتيجيا أمام دخول الشركات، لأن أي استثمار يرتبط بوضوح الوضع القانوني للأراضي والعقارات. ويقول الحمد في هذا الشأن: "ملف إعادة ترحيل الركام فيه حقوق خاصة، ولا يحق لأي جهة التدخل في هذا الموضوع إلا بإذن قانوني.. الركام يعتبر ملكا خاصا حتى يثبت العكس".
يعرض الحمد حالة حي القابون في دمشق كنموذج واضح، حيث فقد الركام قيمته الاستثمارية بعد أن قام النظام المخلوع بإزالة المعادن والحديد منه. أدى ذلك إلى فقدان الجدوى الاقتصادية لإعادة التدوير، ما دفع الدولة إلى تحمل كلفة إزالة الركام بشكل كامل.
يوضح في هذا السياق الفرق بين ترحيل الركام وإعادة تدويره، إذ تتولى وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث عمليات الترحيل، ولا توجد عقود مع شركات أجنبية في هذا المجال، في حين تطرح إعادة التدوير كفرصة استثمارية للشركات المحلية والإقليمية والدولية، ضمن دفتر شروط محدد.
يشير الحمد أيضا إلى تحديات إضافية، أبرزها مخلفات الحرب والألغام، ما يجعل العمل في هذا القطاع حساسا ويتطلب تنسيقا بين عدة وزارات وجهات، منها وزارة الطوارئ، والوحدات الإدارية، ومجالس البلديات، والمحافظات.
يكشف الحمد، لموقع تلفزيون سوريا، عن اهتمام شركات من نحو 30 دولة بالدخول إلى السوق السورية، لكنه يؤكد أن الوزارة تفرض معايير صارمة، إضافة إلى شرط أساسي يتمثل في قبول المجتمع المحلي.
ويقول: "لا نريد التعامل مع أي شركة لا يوجد لديها تاريخ أو ملاءة مالية.. ونتبع فكرة التجزئة، فلا نمنح شركة واحدة أكثر من محافظة لتقليل المخاطر".
يقدم الحمد أمثلة مباشرة على تعثر المشاريع رغم الجاهزية، حيث بدأت شركة تركية العمل في منطقة الحيدرية في حلب بعد إجراء دراسة ميدانية، "لكن المشروع توقف نتيجة اعتراض الأهالي"، كما أجرت شركة عُمانية دراسة في حمص، وزارت شركة سعودية دير الزور ضمن اتفاق أولي، من دون أن ينتقل أي من هذه المشاريع إلى التنفيذ الفعلي حتى الآن.
يربط الحمد هذه الاعتراضات بشكل رئيسي بملف الملكيات، موضحا أن المواطنين يسعون إلى استعادة حقوقهم السكنية، لكن بعض المطالب تصطدم بآليات إعادة البناء ومعاييرها. يشير إلى أن بعض السكان الذين غادروا مناطقهم منذ سنوات عادوا ليجدوا تغيرا في واقعهم العائلي، ما يدفعهم إلى المطالبة بتعويضات أكبر، مثل طلب عدة شقق بدلا من شقة واحدة.
يوضح أن هذه المطالب تعكس وجهة نظر أصحابها، لكنها لا تنسجم دائما مع المعايير المعتمدة. ويؤكد أن حق المواطن في السكن محفوظ بضمانة حكومية، لكن التعويض يخضع لضوابط فنية واقتصادية ترتبط بمساحة العقار الأصلية، والتنظيم العمراني الجديد، وعدد الطوابق المسموح بها، ونسب البناء المعتمدة.
يشدد الحمد على أن إعادة البناء لا تقوم على مبدأ الاستبدال العددي المباشر، بل على تقييم شامل يوازن بين حقوق الأفراد ومتطلبات التخطيط الحضري. ويضيف أن هذه المعايير لا تزال قيد الدراسة، وتختلف من منطقة إلى أخرى، ما يزيد من تعقيد الملف ويؤخر التوافق بين الجهات المنفذة والسكان.
ويؤكد أن "الشركات تأتي من أجل الربح، لكن مصلحتنا هي إرضاء المواطنين أولا".
ينتقل الحمد إلى ملف النفايات، ويصفه بأنه من أكثر الملفات إلحاحا، نظرا لتأثيره المباشر على الحياة اليومية والصحة العامة. يعزو تفاقم الأزمة إلى عدة عوامل، أبرزها عودة السكان والمهجرين إلى المدن، وزيادة الاستهلاك، وتحسن جزئي في توفر المواد.
في المقابل، لم تتطور البنية الخدمية بالوتيرة نفسها، ما أدى إلى تراكم القمامة في عدة مناطق. ويوضح أن أساطيل النظافة تعاني من تقادم المعدات وضعف الإمكانيات، ما يحد من قدرتها على الاستجابة، رغم سعي الوزارة إلى دعم البلديات بآليات جديدة وزيادة الكوادر.
يؤكد الحمد أن ملف النفايات يبقى "الأكثر إلحاحا" لارتباطه المباشر بالصحة العامة، كاشفا عن إرث ثقيل من اقتصاد الظل، إذ يقول: "ملف النباشين كان تابعا للفرقة الرابعة في نظام الأسد المخلوع، التي كانت تدير مستودعات كاملة لهم في مناطق مختلفة من سوريا"، مضيفا أن العمل جار حاليا على تفكيك هذه الشبكات أو تنظيمها ضمن إطار قانوني.
يوضح أن النباشين يقومون باستخراج المواد القابلة للبيع من الحاويات، مثل البلاستيك والمعادن، قبل وصولها إلى مراكز المعالجة، ما يؤدي إلى انتشار القمامة حول الحاويات، وإبطاء عمل فرق النظافة، وتقليل جدوى إعادة التدوير.
ويشير إلى أن تفريغ الحاويات من المواد ذات القيمة يضعف جدوى معامل الفرز، قائلا: "الشركات التي تأتي للاستثمار تطلب بيانات واقعية، وعمليا إعادة التدوير في المناطق المنبوشة تصبح أقل جدوى".
يشير الحمد إلى أن الوزارة اطلعت على تجارب دولية، خاصة في تركيا وأوروبا، في مجال إدارة النفايات، لكنه يؤكد أن نقل هذه التجارب يتطلب تكييفها مع الواقع السوري من حيث البنية التحتية والإدارة والتمويل.
يطرح مثال آلات إعادة تدوير البلاستيك مقابل نقاط، ويوضح التحديات المرتبطة بتطبيقها، مثل ضعف التيار الكهربائي والحاجة إلى إدارة مستمرة وتشغيل فعال.
يلفت أيضا إلى مبادرات محلية، من بينها مشروع "صفر نفايات" في تلدو بحمص، إذ عمل المجتمع المحلي على فرز النفايات وتشجير محيط السد بنحو 3500 غرسة، في نموذج تسعى الوزارة إلى تعميمه في حال نجاحه.
ويشير إلى أن معظم الشركات العاملة حاليا في سوريا هي شركات محلية يقودها سوريون عادوا من الخارج، وأن الوزارة تستفيد من خبراتهم في مجال إعادة التدوير لتطبيقها محليا، في ظل غياب عقود مع شركات دولية كبرى في هذا القطاع.
ومع ذلك، يقر الحمد بأن التحدي الأكبر يتمثل في "ضعف الوعي المجتمعي"، موضحا أن الوصول إلى نموذج "صفر نفايات" يتطلب تغييرا في سلوك المواطن اليومي، وهو ما تعمل عليه الوزارة عبر حملات توعوية ومبادرات وطنية مستمرة.
يرى الحمد أن أحد جذور الأزمة يكمن في تقادم القوانين وضعف صلاحيات البلديات. تعمل الوزارة حاليا على مجموعة من المسارات الإصلاحية تشمل:
تشير الخطط إلى التوجه نحو السماح للبلديات بالاحتفاظ بإيراداتها، بما يسهم في تحسين قدرتها على تقديم الخدمات ورفع كفاءتها التشغيلية.
يوضح الحمد أن البلديات فقدت دورها الخدمي خلال فترة النظام المخلوع، وتحولت إلى أدوات ذات طابع أمني، ما أدى إلى تراجع الكفاءات والخبرات. وتسعى الحكومة اليوم إلى إعادة بناء هذا الدور بشكل تدريجي.
ويقود الوزير المهندس محمد عنجراني حراكا تشريعيا لإعادة تعريف دور البلديات، يشمل تعديل القانون 107 بهدف ترسيخ اللامركزية، ومراجعة القانون 35 لعام 2007 لتعزيز الاستقلال المالي للوحدات الإدارية، إضافة إلى إعادة هيكلة الوزارة، وتفويض المحافظين بصلاحيات أوسع في إدارة الإنفاق والمشاريع.
يؤكد الحمد أن فقدان الثقة الموروث بين المواطن والدولة يمثل التحدي المركزي الذي ينعكس على مختلف الملفات. يشير إلى أن تجارب سابقة، مثل مشروع "ماروتا سيتي"، عمّقت هذه الفجوة نتيجة لشعور المواطنين بعدم العدالة في توزيع الحقوق، موضحا أن هذا العامل يؤثر بشكل مباشر على مشاريع إعادة البناء، وإدارة النفايات، وتنفيذ الاستثمارات.
يوضح أن هذه الفجوة تؤدي أحيانا إلى تعطيل المشاريع بسبب اعتراضات السكان. ويستشهد بحي القرابيص مثالا، إذ يبين سبب إيقاف مشروع "بوليفارد النصر"، قائلا: "استجبنا لاعتراض الأهالي وأوقفنا المشروع لحين النظر في طلباتهم.. مصلحتنا هي مصلحة المواطن، ولن يكون هناك مشروع جبري".
يعترف الحمد بوجود أزمة ثقة عميقة، ويقول: "النظام البائد أفقد الثقة بين المواطن والحكومة.. في مشروع ماروتا سيتي، أخذ النظام أفضل المناطق وأعطى الناس الفتات".
يشدد على أن الوزارة تعمل على استعادة هذه الثقة عبر الشفافية، وتعزيز التواصل مع المجتمع، وتنفيذ مشاريع تدريجية تتيح للمواطنين ملاحظة نتائج ملموسة على الأرض، مؤكدا أن بوصلة الوزارة هي "المواطن".
تمثل تجربة حي القرابيص في حمص نموذجا عمليا لنهج "المشاركة المجتمعية كشرط للإعمار"، إذ أكدت الجهات المعنية أن تنفيذ المشاريع لن يتم من دون موافقة السكان، مع منحهم الوقت الكافي للتشاور، وطرح خيارات تنظيمية متعددة.
يهدف هذا التوجه إلى تقليص فجوة الثقة، من خلال الشفافية في عرض المخططات، ومناقشة التعويضات بوضوح، والاستجابة لمطالب السكان، بما يحقق توازنا بين متطلبات إعادة البناء واستقرار المجتمعات المحلية.
ويبقى نجاح هذه الجهود مرهونا بقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين الحقوق الفردية ومتطلبات التخطيط العمراني، وعلى بناء إدارة فعالة تستجيب لاحتياجات السكان، وتستعيد ثقتهم تدريجيا.
Loading ads...
وفي هذا السياق، يلخص علي الحمد مقاربة الوزارة بالقول: "ليس كل ما يبدو حديثا يصلح فورا للواقع السوري"، في إشارة إلى اعتماد نهج واقعي يقوم على التدرج، ويوازن بين الطموح والإمكانات، ضمن مسار طويل لإعادة بناء الخدمات والمجتمع معا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





