ساعة واحدة
مرسم عتيق في "حارة اليهود".. حكايات التعافي بريشة نور خوري
الجمعة، 8 مايو 2026
لا يبدو "المكان" عاملاً ثانوياً بالنسبة إلى الفنان، بل ربما يصير سبباً في صقل موهبته وتجلّي أفضل ما لديه من أفكار وخيال. في دمشق القديمة بما تحمله من "حميمية" ومكانة تاريخية وعاطفية بالنسبة للسوريين، لا يكون المكان سبباً لنجاح عمل فني وحسب، بل يصير دافعاً لعيش حالة شعورية وإبداعية لا يمكن تكرارها في مكانٍ آخر.
في بيت عربيّ قديم، في حارة اليهود الملاصقة لباب شرقي، اتخذت الفنانة نور خوري منذ 14 عاماً هذا المكان مرسماً لها، ليتجاوز كونه مساحةً للعمل إلى "صومعة" -كما تصفها خوري- يُعاد فيها تكوين المشاعر والتخيلات لتتجلى على الورق والأقمشة تسامياً على الواقع والأحداث اليومية.
يتخذ أصحاب الأعمال الإبداعية عادةً مكاناً يطلقون فيه العنان لمخيلاتهم ويعيشون فيه حالات شعورية تتناسب مع طبيعة العمل الذي ينتجونه أو يصنعونه، قد يكون مكاناً مشتركاً مع آخرين لكنه غالباً ما يكون خاصاً أو منعزلاً.
في حديثها لموقع تلفزيون سوريا، تؤكد الفنانة نور خوري، أن هذه الزاوية الخاصة للفنان هي ضرورة وليست ترفاً أو رفاهية. تقول "كل فنان يحتاج إلى مساحة خاصة لا تتحمل فقط تكدّس المواد والألوان واللوحات، بل تحتوي أيضاً ضجيج أفكاره وتقلّب انفعالاته".
أما عن اختيارها المكان بين الحارات في دمشق القديمة، فتذكر خوري أن ذلك منحها شيئاً من الراحة النفسية والارتياح ولا سيما مع الطبيعة "الحميمية" التي تتركها البيوت العتيقة في النفس والذاكرة.
تلتقط عين الفنان كل زاوية قابلة للمعالجة حتى تصير فكرةً لافتة كما تلتقط يده كل مادة قابلة للاستعمال والتوظيف في عمل فنيّ خارج عن المألوف. تتحدث خوري عن تجربتها في "الكولاج" الذي يجمع مواد مختلفة قد تكون غير متجانسة في قالب واحد إبداعي.
تقول خوري "أنتبه أحياناً للأكياس الورقية للفواكه، أو جزء من نافذة مكسورة مرمية، أو قطع قماشية بالية فألتقطها وأستخدمها في لوحاتي. في مفهوم الفنان كل ما يمكن إعادة تدويره قد يصير عملاً أو جزء من عمل فني يمنحه جمالية وقيمة مضافة".
يؤدي الفن دوراً مزدوجاً بالنسبة إلى الفنان؛ فهو من ناحية طريقة لتفريغ الانفعالات اليومية والأفكار الصاخبة، ومن ناحية ثانية هو تحويل لكل النزعات السلبية إلى أعمال ذات قيمة جمالية أو إنسانية في شكل من أشكال "التسامي" كما تسمى في التحليل النفسي.
تذكر خوري لموقع تلفزيون سوريا تجربتها في العمل مع فئات مختلفة من المجتمع السوري خلال السنوات الماضية، بينهم الناجيات من التعنيف الأسري والزوجة، والناجيات من مناطق النزاع؛ لمساعدتهم في إخراج ما يكتنف ذواتهم عبر لوحات تعبيرية بسيطة.
تقول "لم يكن العلاج بالفن أمراً حديثاً أو طارئاً، بل هو طريقة متبعة في مدارس مختلفة من مدارس العلاج النفسي. إحدى النساء اللواتي عملت معهنّ على هذه الفكرة كانت ناجية من ريف دمشق وكانت "البندورة" منجاةً لها ولابنها من الموت جوعاً، وهو ما جعلها ترسم ذلك في لوحاتها؛ ففي كل لوحة رسمت "بندورة" لكن كل مرة بخيال مختلف عن الآخر".
أما على الصعيد الشخصي، فتوضح خوري كيف تحوّل الألم الذي عايشته بعد فقدانها والدها إلى رمزية في لوحاتها بتكرار صور معينة متمثلة بالتابوت والرجل المسجّى، أما وجوه النساء فهي دلالة، كما تقول خوري، على قيمة المرأة وقداسة الأم تحديداً.
لا يؤدي الفن في حالات كهذه مهمة التفريغ والخلاص من "وساوس وهلاوس" كما تصفها خوري، بل أيضا يسهم في الإقلاع عن رغبات وتجاوز أزمات كشكل من أشكال التعافي.
تحمل لوحات بعض الفنانين طابعاً يميزها عن سواها، فيدرك المشاهد أنها تعود لفنان معين حتى من دون النظر إلى التوقيع في زاوية اللوحة. في حديثها لموقع تلفزيون سوريا، تذكر خوري أن هذه البصمة قد تستغرق من الفنان عمره ومسيرته.
تقول خوري "كل لوحة نترك فيها من ذاتنا شيئاً، في الحقيقة نحن نرسم أنفسنا.. وهو ما يجعل هذه اللوحات صورةً لنا وانعكاس أمام الآخرين، وليست فقط أوراق وأقمشة عادية".
وتشير خوري في كلامها إلى انتشار نمط من اللوحات في السوق يوصف بأنه "تجاري" لأنه يأخذ أنماطا مكررة يتعامل معها الفنان من دون مجهود إبداعي أو قيمة مضافة. هذه اللوحات تستخدم فيها مواد رديئة وفي بعض المرات تُرسم على عجل، مثل "الدمشقيات" غير المتقنة التي تباع لتعلّق في المقاهي والمحلات.
تترك نور بصمتها حتى في اللوحات ذات النمط المكرر أو القالب الثابت، وذلك بكسر نمطيتها لونياً أو بإدخال أشكال أو باستخدام "الكولاج". تقول خوري "يضصر بعض الفنانين إلى رسم هذا النوع من اللوحات الذي يباع بسعر رخيص، من أجل خبز يومهم. يعجز الفن أحياناً عن إعالة أصحابه".
لا تبدو الأمور "وردية" بالنسبة إلى الفنانين اليوم؛ فإلى جانب غلاء المواد وقلّة المعارض وتراجع اهتمام السوريين خلال السنوات الماضية بالفنون على اختلاف أعمالها بوصفها حالة من "الرفاهية"، تظهر مشكلة جديدة في قبول بعض أنواع الفنون أو تقنياتها.
وكانت كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق قد أصدرت قراراً في آب/ أغسطس 2025 قراراً بعدم السماح "بتشكيل أعمال تتعلق بالمودل العاري في أعمال النحت والتصوير والحفر". وهو ما أثار حالة من الاستياء في أوساط الطلاب والفنانين آنذاك، في حين بررت عمادة الكلية القرار في تصريحات صحفية بأنه مُطبّق سابقاً ويستند إلى قرارات سابقة.
Loading ads...
تتحدث خوري لموقع تلفزيون سوريا عن مآلات وضع قيود أو فرض قوالب ثابتة على الفنانين وكيف سيؤخر ذلك الفن في سوريا. تقول "كل قيد على مخيلة الفنان أو منع في أدواته سينعكس سلباً على مسار تطور الفن، للبيئة بكل ما فيها من حدود وحرية ومقومات أثر عظيم في إنجاح الفنون وصقلها. نأمل بإقامة معارض قريبة في دمشق ونتفاءل خيراً بالقادم للفن ولسوريا".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





