2 ساعات
نهب الأراضي.. كيف بنى “الحوثيون” إمبراطورية عقارية باسم الوقف؟
الأربعاء، 10 يونيو 2026
فتحت قضية نهب الأراضي في منطقة “عصر” غرب العاصمة صنعاء، واحداً من أكثر الملفات العقارية حساسية في مناطق سيطرة جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، بعد تصاعد الخلافات بين سكان المنطقة وهيئة الأوقاف التابعة للجماعة، حول ملكية مساحات واسعة من الأراضي والعقارات.
وخلال الأسابيع الماضية، أعلن أهالي ووجهاء المنطقة رفضهم قرارات وإجراءات قالت هيئة الأوقاف، إنها تستند إلى وثائق وأسانيد تاريخية تثبت وقفية الأراضي، بينما يؤكد السكان أن الأراضي مملوكة لهم بموجب وثائق ملكية متوارثة عبر أجيال طويلة، وأن أي نزاع بشأنها يجب أن يُحسم عبر القضاء المختص.
ورغم أن الخلاف يبدو في ظاهره نزاعاً عقارياً محلياً، إلا أن قضية “عصر” تندرج ضمن سلسلة واسعة من النزاعات المرتبطة بعمليات الاستيلاء على الأراضي تحت دعاوى الوقف، ظهرت خلال السنوات الماضية في صنعاء وإب والحديدة ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة “الحوثية”.
تقول جماعة “الحوثي” إن الإجراءات التي تنفذها، عبر هيئة الأوقاف، تهدف إلى استعادة أصول وقفية تعرضت للاعتداء خلال العقود الماضية، وحماية ممتلكات مخصصة لمصارف خيرية ودينية وتعليمية.
وفي أكثر من مناسبة، دعا زعيم الجماعة عبد الملك “الحوثي” السكان إلى التعاون مع هيئة الأوقاف، وتسوية أوضاع الأراضي والعقارات التي تعتبرها الهيئة أوقافاً، مؤكداً أن الهدف هو حماية الحقوق الوقفية ومنع الاستيلاء عليها.
كما تشير الهيئة إلى أن جزءاً من النزاعات القائمة، يعود إلى غياب التوثيق الدقيق خلال مراحل تاريخية مختلفة، وإلى عمليات بيع وتصرفات تمت في أراضٍ تقول إنها وقفية، دون سند قانوني صحيح.
غير أن هذه الرواية تواجه اعتراضات واسعة من المواطنين، ويرون أن ما يجري يتجاوز مسألة حماية الوقف، إلى إعادة فتح ملفات ملكية مستقرة منذ عقود طويلة، مستفيدة من اختلال موازين القوة في مناطق سيطرة الجماعة.
ويشير هؤلاء إلى أن تكرار النزاعات ذاتها في محافظات مختلفة، يكشف نمطاً متشابهاً يقوم على الادعاء بوقفية الأراضي، ثم السعي إلى فرض السيطرة عليها عبر أجهزة الدولة الخاضعة للجماعة، أو من خلال إجراءات قضائية مثيرة للجدل.
خلال السنوات الأخيرة، برزت عشرات القضايا المرتبطة بنهب الاراضي، في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرة “الحوثيين”. ففي صنعاء، أثارت قرارات وإجراءات مرتبطة بأراضِ وعقارات في مناطق مختلفة موجة من الشكاوى والنزاعات القضائية، كما تحدث ملاك ومستثمرون عن مطالبات مفاجئة بأراضِ قيل إنها تابعة للأوقاف، رغم امتلاكهم عقوداً ووثائق ملكية.
وفي محافظة إب، وثقت تقارير محلية، احتجاجات وشكاوى مرتبطة بأراضِ وعقارات قالت سلطات الجماعة “الحوثية” إنها أوقاف، بينما أكد أصحابها امتلاكهم وثائق تثبت ملكيتهم الخاصة.
أما في الحديدة وتهامة، فقد اتخذ الملف أبعاداً أكثر تعقيداً، مع ظهور مطالبات واسعة بأراضِ زراعية شاسعة، استناداً إلى وثائق وروايات تاريخية تعود إلى عصور سابقة، وهو ما أثار مخاوف السكان من فقدان أراضِ توارثوها منذ عقود طويلة.
وفي سياق الانتقادات الموجهة لسياسات هيئة الأوقاف “الحوثية”، يرى سفير اليمن لدى اليونسكو والكاتب محمد جميح، أن جماعة “الحوثي” تستخدم ملف الأوقاف كأداة للسيطرة على الأراضي في محيط العاصمة صنعاء والمناطق الأخرى، معتبراً أن إعادة تصنيف الأراضي باعتبارها أوقافاً، تمثل وسيلة لمصادرة الملكيات وإعادة توزيعها لصالح الموالين للجماعة.
وحذر جميح في مقال منشور، من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة العقارية والديموغرافية في بعض المناطق، عبر توظيف روايات تاريخية وأيديولوجية للطعن في ملكيات مستقرة منذ أجيال.
وفق شكاوى متكررة من مواطنين، تعتمد هيئة الأوقاف “الحوثية” على مجموعة من الآليات لفرض مطالباتها العقارية، تبدأ بإعادة توصيف الأراضي باعتبارها أوقافاً، استناداً إلى وثائق أو روايات تاريخية قديمة، ثم الانتقال إلى المطالبة القانونية أو الإدارية بها، وفي بعض الحالات الاستعانة بالأجهزة الأمنية لفرض إجراءات ميدانية، أو منع الملاك من التصرف بأراضيهم وممتلكاتهم.
ويقول منتقدو الجماعة “الحوثية”، إن هذه الممارسات خلقت حالة واسعة من القلق في سوق العقارات، وأعادت الشكوك إلى ملكيات ظلت مستقرة لعقود طويلة، الأمر الذي انعكس على الاستثمار وحركة البيع والشراء في عدد من المناطق.
يعد الساحل التهامي في اليمن، واحداً من أكثر المناطق التي شهدت نزاعات مرتبطة بالأوقاف، خلال السنوات الأخيرة.
وتحدثت تقارير صحفية وحقوقية عن عمليات بسط واستيلاء على أراضِ زراعية وعقارات في عدد من المديريات، بينها بيت الفقيه والمنيرة والدريهمي وغيرها، تحت مبررات تتعلق بملكية الأوقاف التاريخية.
وفي المقابل، يؤكد سكان محليون لـ”الحل نت”، أن كثيراً من هذه المطالبات تهدد ملكيات مستقرة منذ عقود طويلة، وأن بعضها رافقته ضغوط أمنية وملاحقات ونزاعات اجتماعية واسعة.
يمثل التحول الأبرز بهذه القضية، عندما انشأت جماعة “الحوثي” الهيئة العامة للأوقاف مطلع عام 2021، وهي خطوة قالت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، حينها، إنها هدفت إلى إحكام السيطرة على أصول وعقارات الوقف، وتوسيع النفوذ الاقتصادي للجماعة.
وبحسب تقارير صادرة عن وسائل إعلام يمنية وباحثين متخصصين، أصبحت الهيئة تدير شبكة واسعة من الأراضي والعقارات والاستثمارات والإيجارات، بما يجعلها واحدة من أكبر المؤسسات الاقتصادية في مناطق سيطرة “الحوثيين”.
ويرى منتقدو جماعة “الحوثي” أن خطورة الهيئة لا تكمن فقط في حجم الأصول التي تديرها، وإنما في جمعها بين سلطة الادعاء بملكية الأرض، وسلطة إدارتها والاستفادة من عائداتها.
وبمجرد تصنيف أي أرض أو عقار باعتباره وقفاً، تصبح الهيئة طرفاً في النزاع وصاحبة مصلحة مباشرة في نتيجته، وهو ما يثير تساؤلات بشأن تضارب المصالح، وضعف الضمانات الكفيلة بحماية الملكية الخاصة.
ويتحدث الباحث اليمني همدان العليي في كتابه “الجريمة المركبة.. أصول التجويع العنصري في اليمن” عن توسع نفوذ الهيئة خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن ملف الأوقاف تحول إلى أداة لإعادة توزيع الموارد والنفوذ، داخل البنية الاقتصادية والاجتماعية الخاضعة لجماعة “الحوثي”.
لا ينظر كثير من الباحثين إلى ملف الأوقاف باعتباره قضية عقارية فحسب، ففي بلد يعيش حرباً طويلة وانهياراً اقتصادياً واسعاً، تمثل الأرض أحد أهم مصادر الثروة والنفوذ والاستقرار الاجتماعي.
ولذلك يرى مختصون أن السيطرة على الأراضي والعقارات تمنح أي سلطة قدرة كبيرة على إعادة تشكيل شبكات المصالح والولاءات عبر الاستثمار والتأجير ومنح الامتيازات وإعادة توزيع الموارد.
ومن هذا المنظور، تبدو معركة الأراضي الدائرة في مناطق سيطرة “الحوثيين” جزءاً من الصراع على الثروة والنفوذ، وإعادة رسم موازين القوة داخل المجتمع المحلي.
ومع كل قضية سطو جديدة، تٌعاد تحت عنوان “الوقف”، تتسع مخاوف المواطنين من فقدان ممتلكات استقرت ملكيتها لعقود طويلة، بينما تتعزز سيطرة جماعة “الحوثي” على واحد من أهم مصادر القوة الاقتصادية والاجتماعية في اليمن.
Loading ads...
وبينما تتمسك جماعة “الحوثي” بروايتها القائمة على استعادة حقوق وقفية تاريخية، يرى منتقدوها من اليمنيين أن ما يجري يمثل عملية نهب واسعة للأراضي وإعادة تشكيل لخريطة الملكية والنفوذ والثروة، تتجاوز بكثير حدود أي نزاع عقاري تقليدي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

