ساعة واحدة
بلاغ وزارة الداخلية.. تنظيم للتظاهر أم إعادة إنتاج لمنطق المنع؟
الأربعاء، 6 مايو 2026
أثار البلاغ الصادر عن وزارة الداخلية حول تنظيم المظاهرات السلمية نقاشاً، ليس بسبب مضمونه فحسب، بل بسبب الطريقة التي صيغ بها، وما حمله من دلالات على فهم السلطة لطبيعة الحق في التجمع السلمي. فالبلاغ إضافة إلى لغته القانونية الضعيفة، فهو يكشف عن إشكاليات تتعلق بتراتبية القواعد القانونية، وبحدود صلاحيات الإدارة، وبالفلسفة التي تحكم العلاقة بين الدولة والمواطن حين يتعلق الأمر بحقوق أساسية كحرية التعبير والتظاهر والتجمع.
أول ما يلفت الانتباه هو أن البلاغ يبدو وكأنه محاولة لإعادة صياغة أحكام موجودة أصلاً في قانون منع التظاهر رقم 54 لعام 2011، الذي أصدره بشار الأسد الفار من وجه العدالة. فالإدارة/ الوزارة لا تملك أصلاً عن طريق إصدار بلاغ إداري صلاحية تنظيم حق دستوري. لأن تنظيم الحقوق والحريات يتم عبر قوانين صادرة عن السلطة التشريعية، وليس عبر بلاغات صادرة عن وزارة، مهما كانت أهميتها.
لماذا هذا التعقيد في الإجراءات؟ ولماذا لا يتم تحديد اللجنة من الآن ويقدم الطلب إليها مباشرة؟ هذه الاجراءات تمنح الإدارة سلطة تقديرية واسعة، ويجعل من التعقيد وسيلة لتقييد الحق بدل تنظيمه..
الإشكالية الثانية تتعلق بطبيعة الإجراء نفسه. فالبلاغ يتعامل مع التظاهر بوصفه نشاطاً يحتاج إلى موافقة مسبقة من السلطة التنفيذية، بينما المبدأ المستقر في الدول التي تحترم حرية التعبير هو أن التظاهر يُنظَّم عبر الإخطار وليس الترخيص. الإخطار هو إعلام للسلطة بموعد التجمع ومساره وهدفه، وليس طلباً للحصول على إذن أو الترخيص. أما تحويل الحق إلى "موافقة" تمنحها الإدارة، فهو يعكس فلسفة ترى أن الأصل هو المنع، وأن السماح استثناء. وهذا يتناقض مع جوهر الحق في التجمع السلمي كما ورد في الإعلان الدستوري نفسه.
من الناحية الإجرائية، يكشف البلاغ عن نموذج معقد وغير مبرر في تنظيم طلبات التظاهر، إذ يشترط أن يُقدَّم الطلب إلى المحافظة من دون أن يحدد الجهة المختصة داخلها: هل هو مكتب المحافظ، أم أمانة السر، أم دائرة إدارية محددة؟ ثم يضيف البلاغ خطوة أخرى تتمثل بقيام المحافظة خلال 24 ساعة بإحالة الطلب مع التوصيات إلى "اللجنة المختصة"، من دون أن يبيّن من هي هذه اللجنة، وما هي صفتها القانونية، ومن يعيّن أعضاءها، وأين يقع مقرّها، وما هي معايير عملها؟ وبعد ذلك، يحدد البلاغ مهلة خمسة أيام لتتخذ اللجنة قرارها. واذا رفضت، فإن قرارها قابل للطعن أمام القضاء الإدراي الذي يجب أن يتخذ قراره خلال سبعة أيام..
لماذا هذا التعقيد في الإجراءات؟ ولماذا لا يتم تحديد اللجنة من الآن ويقدم الطلب إليها مباشرة؟ هذه الاجراءات تمنح الإدارة سلطة تقديرية واسعة، ويجعل من التعقيد وسيلة لتقييد الحق بدل تنظيمه، في حين أن الأصل في الأنظمة الإدارية الحديثة هو الجهة الواحدة الواضحة التي تستقبل الطلب وتبتّ فيه مباشرة، لا تعدد الجهات واللجان. وهكذا يصبح التعقيد عبئاً يثقل الحق ويجعل ممارسته صعبة وغير مضمونة.
لكن الإشكالية الأخطر تظهر في الفقرة التي تلزم اللجنة المنظمة بـ "منع أي قول أو فعل يتعارض مع مضمون الترخيص". هذه العبارة، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل دلالة قانونية خطيرة. فهي تفترض أن الترخيص سيحدّد مسبقاً "مضمون" المظاهرة: شعاراتها، ولافتاتها، ورسائلها، وربما حتى طريقة التعبير داخلها. وهذا يعني عملياً فرض رقابة مسبقة على التعبير السياسي، وهو أمر يتعارض مع أبسط مبادئ حرية التعبير. فكيف يمكن للجنة أن تمنع "قولاً لم يرد في الترخيص؟ وهل ستتحول المظاهرة إلى حدث مُعدّ مسبقاً بمحتوى مصادق عليه إدارياً؟
بهذه الصياغة، يصبح أي شعار خارج النص المكتوب في الترخيص مخالفة، ويصبح تقييم "المضمون" جزءاً من عمل الشرطة، وهو ما لا يستقيم مع أي معيار قانوني حديث.
إن تنظيم الحق في التظاهر لا يكون ببلاغات، ولا عبر إعادة صياغة قوانين قائمة، بل عبر مراجعة تشريعية جادة تعيد الاعتبار لمبدأ أساسي: أن حرية التعبير والتجمع ليست منحة من السلطة، بل حق أصيل للمواطن، والدولة دورها تنظيمه وحمايته، لا التحكم به أو تقييده.
في المحصلة، البلاغ لا يقدّم تنظيماً حقيقياً لحق التظاهر، بل يعيد إنتاج منطق المنع عبر أدوات إدارية. فهو لا يخفف من القيود على التظاهرات بل نسخها من القانون 54 الذي سبق أن أصدره النظام المخلوع عام 2011، والذي سماه السوريون تهكماً بقانون منع التظاهر لما تضمن من تعقيدات إجرائية، ومنح الإدارة سلطة تقديرية واسعة، وفتح الباب أمام الرقابة على مضمون حرية التعبير. كما هو الحال في البلاغ.
وإلى من يقول إن البلاغ يشبه ماهو مطبق في ألمانيا وفرنسا وهذا غير دقيق قانونياً. ففي ألمانيا وفرنسا لا يوجد ترخيص ولا لجان ولا إحالات ولا مهلة خمسة أيام للبتّ ولا سبعة أيام للطعن. هناك فقط إخطار بسيط يوضح فيه مكان التظاهرة وسببها، يقدم إلى الجهة المعنية التي ترد بتأكيد منها على استلام الإخطار تبين فيه الشروط التنظيمة الواجب الالتزام بها في مكان التظاهرة لكي تقوم الشرطة بتنظيم المرور وحماية المشاركين، دون أي سلطة لتقييم مضمون التظاهرة أو منح الموافقة.
من حق الناس الشفافية ليست هدية تُمنح بعد عشر سنوات، بل حق فوري للمجتمع. أي عملية سياسية أو قضائية تُدار خلف الأبواب المغلقة تفقد مشروعيتها منذ اللحظة الأولى. السوريون لا يطالبون بالمستحيل، بل بأبسط قواعد الحكم الرشيد: أن يعرفوا ماذا يُفعل باسمهم، وكيف تُدار شؤونهم، ومن يُحاسَب على ما ارتُكب بحقهم.
Loading ads...
البعض يقول أن الشفافية ليست مطلوبة في سورية في هذا المرحلة، بل بعد 5 أو10 سنوات. الشفافية هي حق فوري لجميع الناس حتى في القضايا الأمنية. فالمجتمع له الحق في معرفة كيف تُدار شؤون الدولة، وما هي حدود السلطة، ومن يُحاسَب وكيف إذا حصل تجاوز. الشفافية لا تعني كشف معلومات حساسة، بل تعني وجود قواعد واضحة ورقابة تمنع الانتهاكات. غياب الشفافية هو الذي يهدد الأمن، لا حضورها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





