ساعة واحدة
أوامر إخلاء وعمليات هدم ممنهجة.. كيف تسعى إسرائيل إلى إفراغ جنوب لبنان من سكانه؟
الإثنين، 11 مايو 2026

تواصل إسرائيل عمليات الهدم والتجريف وإصدار أوامر الإخلاء في قرى جنوب لبنان، بعد أشهر من القصف والتهجير الذي بدأ مع اندلاع المواجهات في 8 تشرين الاول/أكتوبر 2023، واستمر حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
ومع اندلاع الحرب مرة أخرى في 2 اذار/مارس 2026، ثم دخول اتفاق وقف إطلاق النار الجديد حيز التنفيذ في 17 نيسان/أبريل، كثف الجيش الإسرائيلي عمليات النسف والتفجير وهدم الأبنية في المنطقة الحدودية، بمشاركة جرّافات ومقاولين يعملون على تسوية أحياء وقرى كاملة بالأرض، ما يثير تساؤلات حول الأسباب التي تدفع الدولة العبرية إلى العمل على إفراغ جنوب لبنان من سكانه.
الجواب الأكثر وضوحا جاء على لسان مسؤول إسرائيلي كبير، بحسب ما نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إذ كشف بشكل مباشر طبيعة الأهداف الإسرائيلية في جنوب لبنان، قائلا: "إذا كان هناك في نهاية المطاف وقف لإطلاق النار مثل الذي كان قائما قبل بدء الحرب، وبقينا في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، فهذه نتيجة جيدة جدا بالنسبة لنا، وسيكون وضعنا قد تحسن".
ويشير هذا التصريح إلى أن تل أبيب تنظر إلى العمليات الجارية باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت وجود أمني طويل الأمد داخل الشريط الحدودي، بما يسمح لها بفرض منطقة عازلة فعلية داخل الأراضي اللبنانية، تمنح الجيش الإسرائيلي هامشا أوسع للتحرك والسيطرة الميدانية.
كما تكشف التصريحات الإسرائيلية أن الدولة العبرية لا تتعامل مع القرى الحدودية باعتبارها مناطق يُفترض أن تعود إلى طبيعتها بعد انتهاء الحرب، بل كمساحات تريد إعادة تشكيلها بالكامل بما يخدم التصوّر الأمني الإسرائيلي الجديد للحدود الشمالية.
وأضاف المسؤول الإسرائيلي: "لقد أنشأنا أيضا منطقة أمنية وفكّكنا جميع القرى الشيعية في الخط الأول، وسوّينا المنازل بالأرض، وهي كلها بنى تحتية لحزب الله".
ويكشف هذا الكلام أن عمليات الهدم لم تعد مجرّد نتيجة للمعارك أو للقصف، بل تحوّلت إلى سياسة ميدانية قائمة على إزالة القرى الحدودية بشكل واسع ومنهجي، بما يمنع إعادة ترميمها أو عودة سكانها بسهولة في المستقبل القريب.
وتتقاطع هذه التصريحات مع ما أعلنه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 24 اذار/مارس 2026، حين قال إن الجيش الإسرائيلي يعتزم إقامة "منطقة أمنية" تمتد حتى نهر الليطاني، مع السيطرة على الجسور المتبقية فوق النهر.
ووصف كاتس المنطقة العازلة التي تسعى الدولة العبرية إلى فرضها بأنها شبيهة بالنموذج الذي طبقه الجيش الإسرائيلي في رفح وبيت حانون بقطاع غزة، حيث جرى إنشاء أحزمة ومناطق عازلة عبر إزالة المباني القريبة من الحدود وتسوية مساحات واسعة بالأرض.
كما قال الوزير إن مئات آلاف اللبنانيين الذين نزحوا من جنوب البلاد لن يتمكنوا من العودة إلى منازلهم قبل ما وصفه بـ"ضمان الأمن" لسكان شمال إسرائيل.
خلال الأشهر الماضية، تعرّضت عشرات البلدات والقرى الجنوبية لعمليات تدمير واسعة طالت المنازل والأحياء السكنية والمحال التجارية والمرافق العامة ودور العبادة.
وفي عدد كبير من القرى الحدودية، لم يعد الدمار مقتصرا على الأبنية المتضررة بفعل الغارات، بل امتد إلى عمليات نسف متعمّد للمنازل المتبقية، ترافقت مع أعمال تجريف وإزالة للركام وتسوية للأحياء بالأرض.
كما ظهرت جرافات وآليات ثقيلة تعمل لساعات طويلة داخل القرى المدمّرة، إلى جانب مشاركة مقاولين وفرق هندسية في إزالة الأبنية وفتح الطرقات العسكرية وإعادة تأهيل مسارات تستخدمها القوات الإسرائيلية داخل المناطق الحدودية.
ويشير اتساع استخدام المعدات الهندسية والمقاولين إلى أن العمليات الجارية تجاوزت مرحلة القصف العسكري التقليدي، وانتقلت إلى مرحلة إعادة تشكيل المشهد الحدودي بشكل منظم ومستمر، عبر إزالة البنية العمرانية التي قامت عليها القرى لعقود.
وتزامنت هذه العمليات مع توسيع أوامر الإخلاء تدريجيا لتشمل بلدات أبعد عن الخط الحدودي المباشر، ما يعكس سعيا إسرائيليا لتوسيع المساحة التي تريد إبقاءها تحت السيطرة العسكرية أو خالية من السكان.
وفي بعض المناطق، لم تعد القرى مجرد بلدات متضررة من الحرب، بل تحولت إلى مساحات مدمرة بالكامل، اختفت منها الشوارع والأحياء والمعالم الأساسية، في مشهد يعكس حجم التحول الذي تشهده المنطقة الحدودية منذ أشهر.
بالتوازي مع عمليات تدمير القرى، استهدفت إسرائيل البنية التحتية التي تربط منطقة الجنوب ببقية الأراضي اللبنانية، في خطوة ساهمت في زيادة عزلة هذه المنطقة وصعوبة الوصول إليها.
وخلال الحرب التي اندلعت في اذار/مارس 2026، قصف الجيش الإسرائيلي عددا من الجسور الحيوية والطرقات الرئيسية، بينها جسور أساسية على نهر الليطاني، ما أدى إلى تعطيل حركة المدنيين وعمليات النقل والإمداد بين قرى الجنوب والأراضي اللبنانية الأخرى.
وكان كاتس قد أعلن خلال الحرب أن الجيش الإسرائيلي دمر عددا من الجسور فوق الليطاني بدعوى استخدام حزب الله لها في نقل الأسلحة والمقاتلين، مضيفا أن قواته تسعى للسيطرة على الجسور المتبقية ضمن خطتها لتوسيع المنطقة الأمنية.
ويشير استهداف هذه الجسور إلى أن العمليات العسكرية لم تقتصر على استهداف مواقع ميدانية، بل شملت أيضا ضرب البنية التحتية التي تسمح باستمرار الحياة الطبيعية وربط الجنوب بمحيطه اللبناني.
كما تعرضت مدارس ومستشفيات ومراكز صحية ومرافق خدمية للقصف أو التدمير، ما أدى إلى خروج عدد كبير منها عن الخدمة، خصوصا في البلدات القريبة من الحدود.
ومع تضرر شبكات المياه والكهرباء والاتصالات والطرقات، أصبحت عودة السكان إلى العديد من القرى مسألة شديدة التعقيد، في ظل غياب الخدمات الأساسية والبنية التحتية الضرورية للحياة اليومية.
ويعني ذلك أن آثار العمليات الإسرائيلية لا تتوقف عند الدمار المباشر، بل تمتد إلى خلق واقع يجعل بقاء السكان أو عودتهم لاحقا أمرا بالغ الصعوبة من الناحية العملية.
وتتقاطع هذه الوقائع مع ما قاله المسؤول الإسرائيلي بشأن استمرار العمليات رغم وقف إطلاق النار، إذ أكد قائلا: "في ظل وقف إطلاق النار، نقوم بإخلاء مناطق القرى. حزب الله يتعرض لضغط كبير بسبب ذلك، لأنه يدرك أنه إذا أزيلت هذه القرى فلن يتمكن من العودة إليها".
ويعكس هذا التصريح أن الدولة العبرية تعتبر إفراغ القرى الحدودية جزءا من أدوات الضغط العسكري، انطلاقا من قناعة بأن تدمير المناطق القريبة من الحدود سيمنع عودة أي وجود تعتبره تهديدا مستقبليا.
كما قال المسؤول الإسرائيلي: "هناك بالفعل وقف لإطلاق النار، لكنه لا يعمل لأن حزب الله غير مستعد له، إذ إننا نواصل نشاطنا. نحن نوسع تدريجيا حرية عملنا".
وتكشف هذه التصريحات أن إسرائيل تتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره فرصة لمواصلة تثبيت وقائع جديدة على الأرض، عبر الاستمرار في التدمير والتجريف وفرض معادلة ميدانية جديدة داخل جنوب لبنان.
Loading ads...
وفي ظل اتساع عمليات النسف وأوامر الإخلاء، لا يبدو أن إسرائيل تكتفي بإبعاد حزب الله عن الحدود، بل تعمل على إعادة رسم الشريط الحدودي نفسه، عبر تحويل قرى كاملة إلى مناطق مدمرة وخالية من السكان، بما يفرض واقعا جديدا قد يستمر لسنوات حتى بعد انتهاء الحرب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





