5 ساعات
مفاوضات لبنان وإسرائيل.. نهاية أزمنة الوصاية وتفكيك معادلات “حزب الله” الأمنية
الثلاثاء، 21 أبريل 2026

لا تبدو التحركات الدقيقة والمهمة التي تنخرط فيها الدولة اللبنانية مؤخراً لجهة التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل، ينهي التوترات العسكرية المتسببة فيها ميلشيا “حزب الله” منذ دخل في ما عرُف بـ”حرب الإسناد” مرة بعد حرب غزة، ومرة أخرى إثر مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، أمراً عادياً. بل تشكل المفاوضات الدبلوماسية والمحادثات المباشرة بين الطرفين، برعاية الولايات المتحدة، نقطة تحول لافتة وجذرية في مسار العلاقات السياسية والتاريخية منذ عقود.
ذلك ما يؤشر إلى نهاية أزمنة الوصاية التي فرضت إكراهات ومعايير قسرية تقوض سيادة الدولة اللبنانية، وتصنع لها حدوداً وخطوطاً حمراء في ما يخص مصالحها وأمنها القومي على أسس تعبوية، وتحت وطأة التبعية السياسية أو بالأحرى الارتهان لقوى الأمر الواقع، ومحدداتهم الميدانية والسياسية في لبنان.
المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وإن كانت محاولة جدية لفتح مسار سياسي مواز للتصعيد العسكري، يظل نجاحها مرهوناً بمستقبل سلاح “حزب الله” وقدرة الدولة اللبنانية استعادة سيادتها في حال توافرت لها شروط الدعم الدولي والإقليمي.
هذا الفاصل أو الحاجز، منذ الإعلان عن بدء المفاوضات وسريان قرار وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه، قبل أيام، الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمدة عشرة أيام، يباعد بين مرحلتين؛ مرحلة ترميم السيادة واستعادة الدولة واحتكارها القوة، والقطيعة مع مرحلة خضع فيه لبنان لعدة وصايات تاريخية (مصرية مرة وسورية مرة أخرى وإيرانية مرة ثالثة)، ارتهن فيها قراره السيادي (قرار السلم والحرب، مثلاً) لقوى الأمر الواقع وارتباطاتها الخارجية، حيث حدد القوى الإقليمية السياسات المقبولة والخطاب الذي يمكن تعميمه في مقابل ما يتم نبذه.
ومن هنا، اندلعت الصراعات والحروب التي على أساسها، كان يتم تشكيل معادلات الردع محلياً وإقليمياً، ونجم عن ذلك سيرة القتلة والمقتولين وقد تراكمت الأجساد المتهالكة بداية من القيادي الشيوعي فرج الله الحلو الذي تم تعذيبه وتذويب جسده بالأسيد في فترة الوحدة المصرية السورية وقد كان ذلك زمن الوصاية المصرية على لبنان، مروراً بالمفكر اللبناني حسين مروة على يد ميلشيا “حزب الله” في فترة تدشين الوصاية الإيرانية بالدم، واغتيال الصحافي سمير قصير في ذروة تفلت السلاح غير الشرعي في زمن الوصاية السورية.
ولئن كانت حرب تموز/ يوليو 2006 هي امتداد تلقائي وطبيعي لهذا الارتهان الخارجي بخطابه وسياساته ومصالحه، حيث انخرط “الحزب” الموالي لطهران في عملية غير محسوبة بسلاحه غير الشرعي لصالح تحرير أحد قياداته سمير القنطار من خلال خطف جنود إسرائيليين، وسرعان ما انقلبت الأمور ضد توقعاته، فاندلعت الحرب التي كبدت لبنان خسائر فادحة، وربحت إيران سياسياً واقتصادياً، وتحققت للأخيرة مكاسبها المزدوجة من خلال شرعنة سلاح “حزب الله” وتغلغل نفوذه السياسي وبناء سردية النصر المتوهم بما جعله دولة فوق الدولة.
هذا فضلاً عن دخول طهران في عملية إعادة الإعمار التي ضاعفت أرباحها المالية من الحرب، فإن الحرب الأخيرة تمثل نقطة النهاية وطي صفحة الوصايات، تحديداً على مستوى مبدأ السيادة واستعادة الدولة لقراراتها في ما يخص السلم والحرب ومصالحها الخارجية.
إذ إن قرار الدولة اللبنانية بالانخراط في مفاوضات مع إسرائيل، وكذا الاستجابة لمحادثات السلام، لا تأتي بمعزل عن قرارات أخرى لافتة وفي السياق ذاته الذي يدعم سيادة الدولة، ومنها خطوات نزع سلاح “الحزب” بالكلية، فضلاً عن قرار رئيس الحكومة نواف سلام بخصوص نزع أي سلاح غير شرعي من العاصمة بيروت بعد القصف العنيف وغير المسبوق الذي نفذته إسرائيل، إثر وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة مع بدء المفاوضات في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.
ومن هنا، يبدو أن الدولة اللبنانية تسارع في اتخاذ جملة مواقف عملية تراكم بها اعتراضاتها على “حزب الله” وحلحلة أدواره المشبوهة والمعرقلة لفرص السلام، وبعث رسالة للداخل والقوى الإقليمية والدولية مفادها تثبيت الدولة في لبنان كمرجعية تفاوضية.
إذ لم يكن مسار تطور موقع “حزب الله” داخل بنية الدولة اللبنانية حدثاً منفصلاً أو طارئاً، بل امتداداً تراكمياً لتحولات عنيفة طاولت مفهوم السيادة في لبنان منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، بداية من اتفاق القاهرة، الذي شرعن الوجود المسلح الفلسطيني خارج سلطة الدولة داخل المخيمات، الأمر الذي برزت فداحته مع الحرب الأهلية في الفترة بين منتصف السبعينات وحتى مطلع التسعينات، لتتشكل مشهدية مؤلمة تصعد على متنها قوى متعددة بسلاحها المتفلت وغير الشرعي تباينت فيه القوميات والطوائف واختلطت معه الدوافع والأهداف.
ومع اتفاق الطائف عام 1989، أُعيد تأسيس الإطار الدستوري للدولة على قاعدة استعادة المركزية السيادية. غير أن التطبيق العملي جاء في ظل وصاية سورية واسعة النطاق باعتباره “ضامن للاستقرار” بينما أعادت ضبط توازنات الداخل اللبناني وفق اعتبارات أمنية وإقليمية. من ثم، استطاع “حزب الله” في الحفاظ على موقعه الوظيفي العسكريتاري بالجنوب وحلحلة سيادة الدولة ومزايحتها في موقع النفوذ والقوة.
وظل “الحزب” أكثر من مجرد سلاح أو قوة عسكريتارية، بل أحد الفواعل المؤثرة في بنية السلطة داخل لبنان، وجزء أو أحد أكثر المحاور أهمية ومركزية ضمن شبكة إيران الإقليمية، بما ضاعف من تأثيراته المحلية، للدرجة التي سمحت له في خوض الحرب مرتين من دون قرار الدولة اللبنانية وبالخروج عن إرادتها، وسبق ذلك الموقف من الحرب في سوريا.
وليس خافياً حجم الامتعاض والتململ في البيئة الشيعية اللبنانية نتيجة مشاهد عودة جثامين مقاتليهم من جبهات سوريا، كما حالات النزوح والتدمير التي تعرضت لها مناطق لبنانية عديدة بما فيها مناطق نفوذ “الحزب”.
ويمكن القول إن الضامن الوحيد لبقاء “حزب الله” في موقع القدرة والفعالية، رغم هذا الامتعاض والتململ، وبعيداً عن امتلاكه القوة القسرية، هو التآكل المتسارع في تلك الفترة لمؤسسات الدولة اللبنانية، خصوصاً بعد الأزمة المالية عام 2019.
وبالتالي، كانت مؤسسات “حزب الله” المالية قبل أن يلحق بها التدمير في “حرب الإسناد”، تمنح الأخير قدرة على الاستمرار وتوفير بدائل عملية وبراغماتية. وقد تعرضت المؤسسة المالية “للحزب” المسماة بـ”القرض الحسن” إلى استهدافاتها إسرائيلية في “حرب الإسناد” الأولى.
وعليه، فإن موقع “حزب الله” الراهن لا يمكن قراءته خارج هذا المسار التاريخي الممتد، الذي بدأ مع تفكك احتكار الدولة للسلاح في نهاية الستينيات، مروراً بإعادة توزيع السلطة خلال الحرب والوصاية السورية، وصولاً إلى التحول الإقليمي الراهن الذي جعل من لبنان ساحة تداخل بين معادلات داخلية هشة وصراعات إقليمية مفتوحة. وهو مسار يُظهر أن معضلة السلاح في لبنان لا تعدو كونها مجرد حدث سياسي عرضي أو مؤقت، بل بنية تاريخية متراكمة ومعقدة أعادت تشكيل مفهوم الدولة ذاته على مدى أكثر من نصف قرن.
بالتالي، تكشف طبيعة التحرك الدبلوماسي الراهن، أن الأطراف المعنية لا تتحرك نحو تسوية نهائية بقدر ما تختبر حدود الممكن السياسي في ظل استمرار الفعل العسكري. فلبنان، المتخم بانقساماته الداخلية وتعقيدات البنية الأمنية غير مكتملة السيادة، يسجل نقاطاً جديدة خلال هذه المرحلة للحفاظ على موقع الدفاع عن الحد الأدنى من الاستقرار والسيادة.
وفي المقابل، لا تتوانى إسرائيل عن تسجيل تفوقها العسكري والميداني لتوسيع شروطها في مرحلة ما بعد الحرب، وهز تلك البنية القديمة لزلزلة الأرض تحت أقدام “حزب الله”، وكأنما تُعنى بعملية إجهاض “الحزب” من رحم الدولة أو تدشين ولادة قسرية لا تجد فيها الدولة اللبنانية ذراعاً خارجياً يهيمن على باقي جسدها ويحدد أو يحد حركتها.
كما تسعى الولايات المتحدة تحويل هذه اللحظة العسكرية بتوتراتها، على مستوى الإقليم والأمن العالمي، إلى فرصة سياسية منضبطة الإيقاع. من ثم، توليد صيغة انتقالية هادئة مرنة تتفادى الانفجار الشامل في بيئة سياسية محلية شديدة التعقيد على مستوى مكوناتها الاجتماعية والسياسية الطائفية. فتميل واشنطن إلى إدارة الصراع عبر الاحتواء أكثر منه الحل والتسوية النهائية، أو بمعنى آخر، إعادة تعريف سياسي لكل طرف في منظومة الدولة وموقعه وترميم سيادة الدولة قبل التسوية الشاملة.
عليه، فإن جوهر المرحلة الراهنة لا يكمن في احتمالات الاتفاق بحد ذاته مع إسرائيل، بل في طبيعة النموذج الذي يجري اختباره، وهو نموذج تكون فيه الدولة اللبنانية هي مرجعية التفاوض ومكتملة السيادة. إذ تُعاد صياغة موازين القوى قبل تثبيت أي تسوية يترتب عليها إعادة تعريف مستقبل الحدود اللبنانية الإسرائيلية خارج منطق الحسم أو النزاع العسكري.
وليس مفاجئاً، والحال كذلك، أن تشير عدة تقديرات إلى أن اللقاء الذي ضم سفير إسرائيل ولبنان في الولايات المتحدة بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، قبل أيام، بينما استمر نحو ساعتين ويعد الأعلى مستوى بين الطرفين منذ أكثر من ثلاثة عقود، قد استهدف وضع أسس لمرحلة جديدة تقوم على تكثيف الضغوط لعزل “حزب الله”، الدفع نحو نزع سلاحه، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية بهدف ترسيخ سيادتها.
كما أكدت الولايات المتحدة دعمها لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات “حزب الله”، مشددة على أن أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم حصريا بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، وبرعاية أميركية، من دون أي مسارات موازية.
وبحسب ما طُرح خلال الاجتماع، يبحث الطرفان إطاراً أوسع يتجاوز التهدئة المؤقتة، ليشمل ترسيم الحدود بين البلدين، التوصل إلى ترتيبات أمنية مستدامة، ثم الوصول في نهاية المطاف إلى اتفاق سلام شامل.
غير أن المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وإن كانت محاولة جدية لفتح مسار سياسي مواز للتصعيد العسكري، يظل نجاحها مرهوناً بمستقبل سلاح “حزب الله” وقدرة الدولة اللبنانية استعادة سيادتها في حال توافرت لها شروط الدعم الدولي والإقليمي. فلا يمكن أن يتخطى هذا الوضع كونه بداية مسار أو إطار تفاوضي محدود في أثره القريب والمباشر، بل محاولة تتشكل تحت ضغط الحرب وتوازنات إقليمية متشابكة.
في جميع الأحوال، لبنان بات في قلب معادلة معقدة، ولا يمكن استثناء أو استبعاد الدور والموقف الإيراني، في المقابل، وقد هدد مستشار المرشد الإيراني للشؤون السياسية علي أكبر ولايتي من أن تجاوز دور “المقاومة” على حد توصيفه سيعرض لبنان لمخاطر أمنية غير مسبوقة، مشدداً على أن استقرار البلاد يقوم على التوازن بين الدولة و”حزب الله”، أي الإبقاء على المعادلة القديمة. كما رفض بالتبعية الأمين العام “للحزب” نعيم قاسم المشاركة في أي مفاوضات، معتبراً أنها تستهدف نزع سلاح “الحزب” وإعادة صياغة موازين القوة في لبنان.
الأكثر ترجيحاً، حتى اللحظة، هو استمرار دائرة المفاوضات التي ستكون بحاجة إلى دعم الدولة اللبنانية أو بالأحرى دعم سيادتها ومؤسساتها الأمنية والعسكرية لفرض نفوذها بالكامل وتقوية وإسناد دورها.
وفي المقابل ستواصل إسرائيل اعتماد مقاربتها الأمنية التي تقوم على إنشاء مناطق عازلة، مع فرض قيود على الحركة العسكرية والمجال الحدودي، الأمر الذي تكرر في غزة وسوريا.
فالمعضلة الرئيسية التي تواجه لبنان، تتمثل في غياب القدرة العملية للدولة والجيش على فرض احتكار السلاح بالقوة، ليس فقط بسبب قوة “حزب الله” العسكرية، إنما كذلك نتيجة الوضع الطائفي وتقسيماته المعقدة في بنية وشرائح المجتمع وشكل الاصطفافات الداخلية التي يمكن أن تذهب إلى حافة نزاع أهلي دموي.
ولذلك، حدد “معهد واشنطن” مجموعة حلول تبدو أكثر عملية وواقعية في ظل هذه التعقيدات، بينما أشار إلى أن الحل لا يتمثل في اتفاق سلام شامل أو نزع سلاح فوري، بل في صيغة انتقالية تدريجية تقوم على تهدئة مؤقتة أو تقييد العمليات العسكرية بدلاً من وقف إطلاق النار بالكامل، ثم ربط أي خفض للتصعيد بتقدم ميداني للجيش اللبناني في مناطق محددة، فضلاً عن إعادة تنظيم الانتشار الأمني الداخلي بدءًا من بيروت قبل الجنوب، وأخيراً تعزيز آلية إشراف أميركية لمتابعة التنفيذ ميدانياً.
Loading ads...
ويهدف هذا التصور إلى اختبار قدرة الدولة اللبنانية على استعادة وظائفها الأمنية تدريجياً، عوضاً عن تحميلها التزامات فورية تفوق قدراتها المؤسسية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




