38 دقائق
ماذا يعني اتهام الحكومة اليمنية الحوثيين باستخدام أسلحة دفاع جوالة؟
الإثنين، 28 سبتمبر 2026
تثير البيانات العسكرية الأخيرة الصادرة عن القوات الحكومية اليمنية باتهام جماعة أنصار الله (الحوثيين) باستخدام منظومات دفاع جوي إيرانية "جوّالة" ذات تقنيات مبتكرة، تساؤلات متزايدة عن تحول إستراتيجي في طبيعة التهديدات الجوية جنوبي البحر الأحمر، لا سيما في ظل استمرار التوتر العسكري والدولي بالمنطقة.
ووفقا للرواية العسكرية اليمنية، فإن هذه المنظومات الجديدة تتمتع بخصائص مختلفة عن وسائل الدفاع الجوي التقليدية، إذ تتضمن صواريخ "جوالة" متسكعة قادرة على التحليق لفترات تصل إلى 25 دقيقة بحثا عن أهداف عبر التتبع الحراري، مما يوسع نطاق الخطر على الحركة الجوية بالقرب من مناطق النزاع.
ويقول البيان الحكومي إن الصاروخ يمكنه البقاء في الجو لمدة تصل إلى 25 دقيقة، منتظرا هدفا محتملا، وإنه يعتمد على باحث حراري قادر على تتبع مصادر الحرارة.
وإذا تأكد هذا الأمر فنيا، فإن طبيعة الخطر ستكون مختلفة عن خطر منظومة دفاع جوي تعمل وفق قواعد اشتباك واضحة وتستند إلى معلومات دقيقة عن الهدف، فالطائرات المدنية والعسكرية تشترك في بعض الخصائص الفيزيائية التي يمكن لمستشعر حراري رصدها، في حين لم يصدر عن جماعة الحوثي أي تعليق بشأن هذا البيان الحكومي.
كما قال بيان المتحدث باسم القوات الحكومية اليمنية إن "هذا التصعيد الخطير يتزامن مع التهديدات التي أطلقها مستشار المرشد الإيراني محمد مخبر، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، باستهداف وتعطيل خدمات الطيران في المنطقة، عقب العقوبات المفروضة على طائرات خطوط الطيران الإيرانية"، وفق بيانه.
وبشأن هذا الإعلان الحكومي قال الخبير العسكري والإستراتيجي اليمني علي الذهب للجزيرة نت إن امتلاك الحوثيين صواريخ أو مقذوفات "هجينة" تجمع بين خصائص الصاروخ والطائرة غير المأهولة، يمكنها التحليق لمدة تصل إلى 20 أو 25 دقيقة، ويمكن أن تحلق على ارتفاعات تصل إلى نحو 25 إلى 30 ألف قدم 25 دقيقة بحثا عن هدف يصدر حرارة، مما يجعل الطائرات المدنية والعسكرية عرضة للاستهداف خلال فترة تحليقها.
وقال الذهب إن الأثر الميداني لهذه المقذوفات يتمثل في خلق "تهديد دائم" لأي جسم متحرك يصدر عنه حرارة في الجو، سواء كان طائرة أو صاروخا أو مقذوفا حراريا، موضحا أن ذلك يمكن أن يحد من النشاط الجوي العسكري في المنطقة، لكنه لا يمنعه بشكل كامل، نظرا إلى إمكانية التعامل معها بوسائل إسقاط مختلفة، سواء من الأرض أو بواسطة الطائرات الحربية.
بدوره، يرى المحلل العسكري والإستراتيجي اليمني، العميد الركن محمد الكميم، في حديثه للجزيرة أن جماعة الحوثي لم تعد تكتفي باستخدام الصواريخ الباليستية الإيرانية والطائرات المسيّرة بل بدأت بتوظيف تقنيات دفاع جوي متطورة تعتمد على صواريخ جوالة "متسكعة".
ويوضح الكميم أن هذه الصواريخ تمتلك القدرة على التحليق والتجوال في الأجواء لمدة تصل إلى 25 دقيقة، باحثة عن أهدافها عبر تتبع الانبعاثات الكهروحرارية ضمن مسار حركتها.
كما رجح الذهب أن يكون لجوء الحوثيين إلى هذا النوع من المقذوفات، بالتعاون مع إيران، مرتبطا بهدفين رئيسيين.
وقال إن هذه المنطقة تمثل نطاقا محتملا لنشاط الحوثيين وتدفق أسلحتهم ومقاتليهم من تعز باتجاه المخا، فيما تُستخدم فيها المدفعية والصواريخ والطائرات التابعة للحكومة اليمنية أو قوات التحالف لتعقب أي تحرك أو نشاط داخل ما يُعرف بـ"صندوق القتل".
وأضاف أن إطلاق الصواريخ أو المقذوفات الهجينة يمكن أن يؤدي دورا في التصدي للوسائط والوسائل النارية المرتبطة بالنشاط داخل هذه المنطقة.
وقال إن هذه الوسيلة تمثل، من وجهة نظره، أداة مضادة في منطقة حساسة لحركة النقل الجوي المدني في البحر الأحمر، حيث تعبر الطائرات بين آسيا وأفريقيا عبر البحر الأحمر، كما تنطلق طائرات من جنوب البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي عبر خليج عدن والبحر الأحمر باتجاه الدول الواقعة على ضفتيه.
وكان المتحدث باسم القوات الحكومية اليمنية قد أوضح أن الحوثيين يستخدمون هذه الأسلحة الإيرانية التي حُوّلت إلى صواريخ "جوّالة" تُطلق من محافظة الحديدة باتجاه مسارات الطيران جنوب البحر الأحمر، مشيرا إلى أنها تهدد سلامة الطائرات المدنية والمنظمات الإنسانية.
وتكتسب محافظة الحديدة أهمية استثنائية بسبب موقعها على الساحل الغربي لليمن، بالقرب من أحد أكثر الممرات البحرية والجغرافية حساسية في المنطقة.
وإذا ثبت أن منظومات الدفاع الجوي المشار إليها تعمل من مناطق ساحلية في الحديدة وتصل قدراتها إلى مساحات قريبة من الممرات الجوية الدولية، فإن نطاق التهديد المحتمل لن يبقى محصورا في العمليات العسكرية داخل اليمن.
ولإثبات هذا الاستنتاج يلزم توفر معلومات إضافية حول مواقع الإطلاق، ومسارات الصواريخ، والأهداف التي جرى الاشتباك معها، والحوادث المسجلة، وقدرات السلاح الفعلية.
بدوره، يؤكد العميد محمد الكميم، في حديثه للجزيرة، أن دخول هذه الأسلحة الجديدة وغير التقليدية يضاف إلى مسرح العمليات العسكرية جنوبي البحر الأحمر.
وشدد الخبير العسكري على أن هذا التطور يشكل تهديدا مباشرا ولحظيا لسلامة الطيران المدني في منطقة جنوب البحر الأحمر، التي تُعد مجالا نشطا لكبرى شركات الطيران العالمية، لكون هذه الصواريخ تفتقر إلى تقنيات التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، مما يجعل أي طائرة تعبر منطقة الاستهداف عرضة للخطر.
واختتم الكميم تصريحه بالإشارة إلى أن هذه التحركات تأتي في إطار تنفيذ إستراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى ممارسة ضغط إقليمي ودولي، عبر محاولة فرض "خنق جوي" في المنطقة، بالتوازي مع الخنق الاقتصادي المستهدف لسلاسل إمداد الطاقة ونقل النفط.
يرى خبراء أن لجوء الحوثيين إلى تكتيك الصواريخ الجوالة يرتبط برغبة تكتيكية لتعويض غياب شبكات الرادار الأرضية وسهولة استهدافها.
كما يستهدف هذا التحرك إستراتيجيا فرض "خنق جوي" يوسع نطاق التهديد إلى جانب السعي التكتيكي إلى تعطيل طائرات الخصم أو مسيّراته التي ترصد خطوط إمداد الجماعة، والضغط بورقة مخاطر الطيران الأممي والإنساني لانتزاع مكاسب تفاوضية وسياسية.
وإجمالا، تشير المعطيات التي أعلنتها القوات المسلحة اليمنية إلى تطور محتمل في قدرات الدفاع الجوي لدى الحوثيين، يتمثل في استخدام منظومات قالت إنها خضعت لتعديلات تسمح لها بالتحليق لفترات أطول والبحث عن أهداف باستخدام التتبع الحراري.
ويحمل هذا التطور أهمية عسكرية داخل اليمن، خصوصا في مواجهة الطائرات المسيّرة والاستطلاع الجوي، لكنه يصبح أكثر حساسية إذا ثبت أن هذه المنظومات قادرة على العمل بالقرب من الممرات الجوية الدولية جنوب البحر الأحمر.
وعليه، فإن التوصيف الأدق في المرحلة الحالية هو أن ظهور هذه المنظومات، إذا تأكدت خصائصها المعلنة، يمثل تطورا في بيئة التهديد الجوي حول اليمن والبحر الأحمر، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود إستراتيجية متعمدة لاستهداف الطيران المدني الدولي بالنظر إلى إعلان الجماعة عدم استهداف الملاحة في مضيق باب المندب عدا "السفن السعودية" وفق إعلاناتهم.
Loading ads...
وتبقى سلامة الطيران المدني مرتبطة بقدرة الجهات الدولية والإقليمية المختصة على الحصول على معلومات دقيقة حول هذه المنظومات، وتقييم مناطق الخطر، وتبادل التحذيرات الملاحية، بما يقلل احتمالات وقوع حادث جوي في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





