شهر واحد
إحياء خط النفط العراقي–السوري.. هل يقلل الاعتماد على الإمدادات الروسية؟
الأربعاء، 18 فبراير 2026

عادت خطوط أنابيب النفط العابرة للحدود بين العراق وسوريا إلى واجهة النقاش من جديد، بعد سنوات من التوقف، في ظل معادلة جيوسياسية مختلفة في هذه المرة.
فبينما تسعى دمشق إلى تأمين إمدادات نفطية مستقرة بعيدًا عن التعقيدات المرتبطة بالاستيراد عبر البحر، تبحث بغداد عن منافذ تصدير بديلة تخفف من اعتمادها المفرط على مضيق هرمز، الذي بات يشهد توترات متصاعدة.
تساؤلات استراتيجية
في إطار ذلك تبرز تساؤلات تفرض نفسها على صناع القرار والمراقبين على حد سواء منها، هل يمكن لهذا الخط أن يحرر سوريا من هيمنة الإمدادات الروسية، ويعيد تشكيل خريطة التحالفات الطاقوية في المنطقة؟.
تاريخيًا، مثّلت سوريا ممرًا حيويًا للنفط العراقي منذ خمسينيات القرن الماضي، عبر خط كركوك-بانياس الذي ظل يعمل لعقود قبل أن توقفه الحرب العراقية–الإيرانية، ثم يعود للعمل مجددًا، ليتوقف نهائيًا عام 2003 إثر الغزو الأميركي للعراق وأعمال التخريب التي لحقت به.
واليوم، تعود الأحاديث عن إعادة تأهيل هذا الخط بطاقة تصميمية تصل إلى 1.5 مليون برميل يوميًا، في مشروع مزدوج ينقل النفط الخام الخفيف والثقيل إلى ميناء بانياس المطل على المتوسط، مع إمكانية تمديده إلى لبنان.
الواقع البنيوي المتدهور
غير أن الصورة الميدانية أكثر تعقيدًا مما توحي به التصريحات الرسمية، فبحسب تحليل نشرته “شركة كرم شعّار للاستشارات”، فإن شبكة خطوط الأنابيب السورية تعاني دمارًا كارثيًا بعد سنوات النزاع.
سلط التحليل الضوء على تصريح الرئيس التنفيذي لشركة النفط السورية، يوسف قابالاوي، الذي أشار خلاله إلى أن أكثر من ألف كيلومتر من الخطوط في الشمال الشرقي تحتاج إلى استبدال كامل، وأن محطات الضخ الرئيسية تعرضت لقصف صاروخي، فيما تراكمت الرواسب الكيميائية والأملاح داخل الأنابيب بسبب الإهمال الممتد.
وتشير تقديرات أولية إلى أن إعادة التأهيل قد تتكلف أكثر من 4.5 مليار دولار وتستغرق نحو 36 شهرًا، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى 8 مليارات دولار لرفع الطاقة إلى 700 ألف برميل يوميًا.
تحديات أمنية تؤجل التنفيذ
رأى التحليل أن العقبات لا تقتصر على الجانب الفني، مشيرًا إلى أنه في منتصف شباط/ فبراير 2026، أعلن هشام العلوي، وكيل وزارة الخارجية العراقية، أن العمل في خط كركوك-بانياس ما زال معلقًا “بسبب الوضع الأمني في سوريا، الذي يمنعنا من اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه” .
وأفاد بأن هذا التأكيد الرسمي يعيد الملف إلى مربع المفاوضات، ويكشف عن هوة بين الزخم السياسي الذي رافق اللقاءات الوزارية في الأشهر الماضية، وبين الواقع على الأرض الذي لا يزال يعيق أي تحرك جاد.
كما نوه إلى أن ما يثير الانتباه أن المحادثات بين الجانبين شهدت تقدمًا ملحوظًا في النصف الثاني من عام 2025، حيث اجتمع مسؤولون عراقيون وسوريون رفيعو المستوى، وصولًا إلى الاتفاق على تعيين خبير استشاري دولي لتقييم البنية التحتية.
وأشار إلى أن هذا الحراك جاء بعد سيطرة القوات الحكومية السورية على حقول النفط والغاز في شمال شرق البلاد بموجب اتفاق مع “قسد” في كانون الثاني/ يناير 2026، ما وحد لأول مرة منذ أكثر من عقد السيطرة على معظم الأصول الهيدروكربونية تحت إدارة مركزية واحدة، مما يسهل منح التراخيص وتنفيذ العقود مع الشركات الدولية.
تخفيف الاعتماد الروسي
بيّن التحليل أن من وجهة نظر دمشق، فإن استيراد النفط العراقي عبر خط الأنابيب يمثل شريان حياة حقيقيًا، مشيرًا إلى أنه وفقًا للبيانات الميدانية، تستهلك مناطق سيطرة الحكومة نحو 120 ألف برميل يوميًا، بينما لا يتجاوز إنتاجها 8 آلاف برميل، إضافة إلى نحو 34 ألف برميل من الحقول المستعادة حديثًا.
رأى أن هذا يعني أن الاعتماد على الواردات الروسية، التي تصل عبر ناقلات تخضع لعقوبات وتُشغل ضمن أساطيل غير رسمية، لا يزال مهيمنًا، ويعرض سوريا لمخاطر عقوبات ثانوية وتكاليف نقل باهظة، مضيفًا أن في المقابل، فإن وصول النفط العراقي براً سيلغي مخاطر العقوبات، ويخفض التكاليف، بل ويمكن أن يحول سوريا إلى معبر عبور يدر عائدات سنوية تقدر بنحو 200 مليون دولار.
وقال إن بالنسبة لبغداد، فإن المشروع يكتسب أهمية استراتيجية متزايدة بعد المخاوف التي أثارها النزاع الإسرائيلي–الإيراني في حزيران/ يونيو 2025، وما رافقه من تهديدات محتملة لإغلاق مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن وزير النفط العراقي حيان عبد الغني أكد أن إعادة تأهيل الخط تمثل “مشروعًا استراتيجيًا كبيرًا” لفتح منافذ تصدير جديدة وتنويع الخيارات في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
تقليص نفوذ موسكو
أشار التحليل إلى أن اللافت في المشهد أن موسكو، التي كانت حتى وقت قريب المورد الرئيسي للنفط لسوريا، تبدو ممسكة بورقة ضغط مؤثرة، موضحًا أن إلى جانب دورها في تأمين الإمدادات، فإنها تحتفظ بقواعد عسكرية في حميميم وطرطوس، كما أن هناك حديثًا عن مشاركتها المحتملة في إصدار العملة السورية الجديدة، ما يجعل بعض المراقبين يرون في إحياء خط الأنابيب وسيلة غير مباشرة لتقليص النفوذ الروسي، دون الدخول في مواجهة مكشوفة.
وأكد التحليل أنه بخلاف أن الطريق إلى المشروع لا يزال محفوفًا بالتحديات، فإلى جانب المطالبات المحتملة من حكومة إقليم كردستان بشأن نفط كركوك، هناك حاجة إلى أطر قانونية جديدة تنظم المسؤولية البيئية، وتقاسم تكاليف الأمن، وبروتوكولات التفتيش الدولية، وآليات تسوية المنازعات.
Loading ads...
كما أضاف أن استمرار حالة عدم الاستقرار في سوريا، كما أقرّ به المسؤولون العراقيون أنفسهم، يبقي مصير المشروع معلقًا بين الرغبة السياسية والإمكانية التنفيذية .
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





