في عالم العمل الحديث، لم تعد المنافسة على الوظائف تدور فقط بين الشركات والمرشحين الجدد، بل أصبحت تدور أيضًا داخل المؤسسات نفسها. فمع تسارع التحولات التكنولوجية وظهور مهارات جديدة يفرضها الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، بدأت الشركات تعيد النظر في الطريقة التي تدير بها قواها العاملة.
ولم يعد السؤال الأساسي: من يجب أن نوظف؟ بل أصبح: من داخل الشركة يمكنه أن يتطور ليملأ الدور الجديد؟
هذا التحول في التفكير أدى إلى بروز ظاهرة متنامية في سوق العمل تُعرف باسم "التوظيف الصامت"، وهي استراتيجية تعتمد على تطوير مهارات الموظفين الحاليين وإعادة توزيع أدوارهم بدلًا من البحث عن موظفين جدد من الخارج. وبذلك تتحول المؤسسة إلى سوق عمل داخلي ديناميكي يعيد اكتشاف طاقات موظفيه باستمرار.
تقول ليندا غراتون، الأكاديمية في كلية لندن للأعمال التي تقضي وقتها في تقديم الاستشارات للشركات حول كيفية تنظيم القوى العاملة، إن المفهوم التقليدي للوظائف يتغير بسرعة. فالشركات، بحسب ملاحظتها، لم تعد تنظر إلى الوظائف كمسميات ثابتة، بل كحزمة من المهارات والقدرات المطلوبة.
وتوضح غراتون أن المؤسسات التي تعمل معها باتت تعتمد على ما يشبه “مصفوفة مهارات” بدلاً من قائمة وظائف. فبدلاً من البحث عن شخص يحمل لقبًا وظيفيًا محددًا، تبحث الشركات عن أفراد يمتلكون صفات مثل القدرة على الابتكار، وتجربة أفكار جديدة، والتعامل مع أصحاب مصالح متعددين. وتضيف: لا ينبغي للموظفين أن ينشغلوا كثيرًا بالمسميات الوظيفية، بل عليهم التركيز على المهارات التي تفتح أمامهم فرص التطور.
هذا التغيير في طريقة التفكير لا يأتي من فراغ. فالتقارير الدولية تشير إلى أن سوق العمل يمر بمرحلة تحول عميقة. فبحسب شركة الاستشارات العالمية ماكينزي، قد يضطر واحد من كل ستة عشر موظفًا في العالم إلى تغيير مهنته بحلول عام 2030 بسبب اختفاء بعض الوظائف أو تحولها جذريًا.
كما تشير استطلاعات الرأي إلى أن ما يقرب من تسعة من كل عشرة مديرين تنفيذيين يعتقدون أن شركاتهم ستواجه قريبًا فجوات كبيرة في المهارات. ومع صعوبة العثور على الكفاءات المناسبة في سوق العمل الخارجي، بدأت المؤسسات تتجه إلى خيار أكثر واقعية وأقل تكلفة: الاستثمار في موظفيها الحاليين.
تصف إميلي روز ماكراي، المحللة في شركة غارتنر المتخصصة في أبحاث الموارد البشرية، هذا التوجه بمصطلح “التوظيف الصامت”. وتقوم الفكرة ببساطة على تحديد الموظفين الذين يمتلكون مهارات كامنة أو قابلة للتطوير داخل الشركة، ثم تدريبهم وإعادة توزيع مسؤولياتهم لتلبية احتياجات جديدة.
في ظل سوق عمل ضيق يصعب فيه العثور على الخبرات المناسبة بسرعة، يصبح هذا الأسلوب وسيلة فعالة لسد الفجوات في المهارات. فبدلاً من إطلاق عمليات توظيف طويلة ومكلفة، يمكن للشركات اكتشاف المواهب الموجودة بالفعل ضمن فرقها.
ويؤكد ساندر فان نوردي، الرئيس التنفيذي لشركة “راندستاد” العالمية للموارد البشرية، أن المؤسسات الناجحة في المستقبل ستكون تلك التي لا تنظر فقط إلى سوق التوظيف الخارجي، بل أيضًا إلى قدرات موظفيها الحاليين.
هذا التحول بدأ يظهر بوضوح في عدد من الشركات الكبرى. ففي شركة الإعلانات “أوغلفي” في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، كانت فرق وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين تخدم في السابق قطاعًا محدودًا من العلامات التجارية المتخصصة في مستحضرات التجميل. لكن مع ازدهار اقتصاد المؤثرين، أصبح هذا المجال من أسرع أقسام الشركة نموًا.
ولمواجهة هذا التغيير، تبنت الشركة نموذجًا للتعلم الداخلي يعتمد على تبادل المعرفة بين الموظفين. حيث يتم إقران الموظفين الشباب الذين لديهم خبرة في عالم المؤثرين مع زملائهم العاملين في الإعلانات التقليدية، بحيث يتبادل الطرفان الخبرات والمهارات.
وترى فيونا غوردون، الرئيسة التنفيذية لشركة أوغلفي في بريطانيا، أن هذا النهج يفتح أمام الموظفين فرصًا جديدة داخل المؤسسة نفسها، كما يمنح الشركات قدرة أكبر على مواكبة الاتجاهات الناشئة. لكنها تشير أيضًا إلى أن الأمر يتطلب أحيانًا قدرًا من الجرأة والاستثمار في أفكار قد لا تكون نتائجها مؤكدة.
تقول ماكراي إن هذا الأسلوب يتطلب من المديرين التفكير بطريقة مختلفة، إذ يجب أن يكونوا في “وضع حل المشكلات” بدلًا من مجرد ملء الوظائف الشاغرة. فعلى سبيل المثال، إذا لم تمتلك الشركة قاعدة بيانات دقيقة لمهارات موظفيها، يمكنها محاولة رسم خريطة لهذه المهارات من خلال تتبع استخدام البرامج أو المشاريع التي شارك فيها كل موظف.
وقد بدأت بعض الشركات بالفعل تنفيذ برامج تدريب واسعة النطاق. فقد قامت شركة “أكسنتشر” للخدمات المهنية بتدريب نحو 600 ألف موظف على أساسيات الذكاء الاصطناعي، كما دربت 250 ألف موظف على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وفي شركة “جيه إل إل” العقارية، تلقى نحو 30 ألف موظف تدريبًا على ممارسات العقارات المستدامة.
لكن رغم هذه المبادرات، لا تزال كثير من الشركات مترددة في الاستثمار في تطوير مهارات موظفيها. إذ تشير ليزي كراولي، مستشارة سياسات المهارات في معهد تشارترد للأفراد والتنمية المهنية، إلى أن العديد من الشركات الخاصة تفضل شراء المواهب من السوق بدلًا من بناء المهارات داخليًا.
وترى أن هذا النهج يعكس غياب رؤية استراتيجية طويلة المدى لدى بعض المؤسسات. فبدلاً من التفكير في احتياجاتها المستقبلية من المهارات، تركز هذه الشركات على الحلول السريعة.
وتدعم الأرقام هذه المخاوف. فقد انخفضت استثمارات الشركات البريطانية في تدريب الموظفين بنسبة 28% لكل موظف منذ عام 2005، وفقًا لمعهد التعلم والعمل.
ويحذر سيباستيان ديتميرز، الرئيس التنفيذي لشركة “ستيب ستون” العالمية للتوظيف، من أن معظم الشركات لا تبذل جهودًا كافية في هذا المجال. فالتحدي الحقيقي، بحسب رأيه، يتمثل في فهم المهارات التي سيحتاجها الموظفون في المستقبل والاستثمار فيها منذ الآن، حتى في أوقات تباطؤ الاقتصاد أو ارتفاع أسعار الفائدة.
في شركة “سيسكو”، يرى تشينتان باتيل، المدير التقني للشركة في بريطانيا وأيرلندا، أن المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أصبحت في صدارة الأولويات. ويشير إلى أن مجالات مثل حوكمة البيانات، ووضع استراتيجيات الذكاء الاصطناعي، وإدارة البنية التحتية الرقمية التي تدعم هذه الأنظمة ستشهد طلبًا متزايدًا.
كما يؤكد أن مهارات أساسية مثل الأمن الرقمي والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا أصبحت ضرورية أيضًا. فالتحدي الأكبر الذي يواجه الشركات اليوم لا يتعلق فقط بتطوير التكنولوجيا، بل بالعثور على الأشخاص القادرين على استخدامها بفاعلية.
من جانبها، ترى سعاديا زاهدي، المديرة الإدارية في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن مهارات بشرية عميقة مثل التفكير التحليلي والقيادة والمرونة ستصبح أكثر أهمية في السنوات المقبلة، إلى جانب المهارات التقنية والبيئية.
ومع توسع استخدام الأتمتة والذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن تختفي بعض الوظائف بينما تظهر وظائف جديدة. فقد أبلغ أربعة من كل خمسة أرباب عمل المنتدى الاقتصادي العالمي أنهم سيعملون على تسريع أتمتة بعض المهام بالتوازي مع الاستثمار في تدريب الموظفين.
هذا يعني أن سوق العمل سيشهد في الوقت نفسه ثلاث عمليات متزامنة: اختفاء بعض الوظائف، وتطور وظائف أخرى، وظهور أدوار جديدة بالكامل.
Loading ads...
لكن إدارة هذه التحولات تتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر. فالإعلان المبكر عن إلغاء وظائف مستقبلية قد يرضي المستثمرين، لكنه قد يؤثر سلبًا على معنويات الموظفين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






