7 أشهر
جوبر المهدّمة تُباع من جديد: عقارات فوق الركام بـ 25 ألف دولار!
الأحد، 30 نوفمبر 2025

في وقت ما تزال فيه شوارع حي جوبر غارقة تحت الأنقاض، ومنازله المدمّرة شاهدة على واحدة من أعنف جولات الحرب في دمشق، تتصاعد في الآونة الأخيرة وتيرة العروض العقارية لبيع أراضٍ ومقاسم مهدمة داخل الحي، بأسعار تتراوح بين 15 و30 ألف دولار، وسط إقبال “افتراضي” واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، رغم غياب أي إعمار فعلي أو رؤية تنظيمية واضحة حتى الآن.
من إعلان عابر على “فيسبوك” إلى عشرات التعليقات المتحمسة، تتحول أراضِ جوبر المدمرة إلى “فرص استثمارية” تُعرض للبيع فوق الركام مباشرة، في مشهد يختصر تناقضاً صارخاً بين واقع الدمار الكامل على الأرض، وحركة بيع نشطة على الشاشات. سوق عقاري نشط في منطقة منكوبة، بلا بنى تحتية، بلا سكان، وبلا جدول زمني واضح للإعمار، لكن مع أمل يباع ويشترى بالدولار.
بائعون ومشترون فوق الركام
مع تصاعد الإعلانات لبيع المقاسم والأراض في حي جوبر المهدّم، برزت حركة بيع وشراء نشطة على الرغم من استمرار الدمار وغياب أي إعمار فعلي. البائعون يسعون لتأمين سيولة عاجلة، بينما يتحمل المشترون مخاطرة الاستثمار في منطقة لم يُحدد مخططها التنظيمي بعد، لتصبح الصفقة فوق الركام واقعاً يومياً يعبّر عن التناقض بين الحاجة والأمل.
مباني مدمرة في حي جوبر بدمشق – انترنت
خالد عميرة، أحد أصحاب المقاسم في جوبر، يقول لـ “الحل نت”، إنه اضطر لعرض أرضه للبيع بعد سنوات من الانتظار، بينما لم يتبين إلى الآن ما هو مصير الحي.
“أنا صار لي أكتر من عشر سنين ناطر أرجع على بيتي، لا إعمار ولا تعويض ولا أي شي واضح، اليوم أجاني عرض بـ22 ألف دولار، قلت خليني بيع، يمكن بكرا يتغيّر شي ونخسر كل شي، الركام ما عم يطعمي خبز.”
خالد عميرة، أحد أصحاب المقاسم في جوبر
ويضيف عميرة أن معظم البائعين اليوم “ناس محتاجة”، وليسوا مضاربين، موضحا أن “الناس باعت لأنها تعبت، مو لأنها بدها تتاجر، بس للأسف في سماسرة عم يستغلوا الوضع، وعم يلمّوا الأراضي برخص.”
في المقابل، يقول سامر الحلاق، وهو شاب من سكان دمشق اشترى مقسماً مهدّماً في جوبر مؤخراً بقيمة 15 ألف دولار: “أنا بعرف إنو ما في إعمار، وبعرف إنو ممكن يطلع تنظيم جديد يغير كل شي، بس شو البديل؟ شقة صغيرة بالإيجار صارت تحتاج راتب عمر كامل، شراء أرض مهدمة صار أهون طريق حتى لو كان فيه مجازفة.”
ويضيف الحلاق لـ “الحل نت” أنهُ لم يشترِ بيتاً، “بل اشترى احتمال، احتمال يكون الي بيت بعد عشر سنين، يمكن أربح ويمكن أخسر، بس على الأقل حاولت.”
بيع جوبر بـ “التقسيط”
عمليات البيع والشراء تجري بينما يراقب أهالي حي جوبر ما يحدث باستياء، لكنهم غير قادرين على منع من يرغب بالبيع في ظل عدم وجود جدول زمني لإعادة الإعمار وخطط واضحة من قبل الحكومة السورية.
أم محمد أسامي، من أهالي حي جوبر “الأصليين” وفق وصفها، اعتبرت في حديث لـ “الحل نت” أن “جوبر تُباع قطعة قطعة” وأن ما يجري اليوم يشبه بيع الحي “بالتقسيط”.
وتضيف: “كل يوم منشوف إعلان أرض للبيع، مقسم للبيع، بيت للبيع وكأنو جوبر تحوّلت لبورصة عقارات، بينما أهلها الأصليين مو قادرين يرجعوا ولا حتى يوقفوا عند بيوتهم.”
“نحن بين نارين يا منبيع أرضنا لنقدر نعيش، يا منخسرها بعدين بالتنظيم والقوانين الجديدة، لا أمان قانوني ولا أفق واضح، وكل شي معلّق.”
أم محمد أسامي
محافظة دمشق عقدت اجتماعاً خاصاً بإعادة إعمار حي جوبر بحضور محافظ دمشق ماهر إدلبـي وعدد من المهندسين المختصين وممثلين عن أهالي الحي، إذ جرى خلال الاجتماع عرض المراحل التحضيرية لعملية الإعمار، والتي تتضمن إزالة الأنقاض ومخلفات الحرب، والكشف عن الذخائر غير المنفجرة، والبدء بتوثيق الملكيات العقارية وحصر الأضرار. كما تم التأكيد على إعداد مخطط تنظيمي جديد للحي يتناسب مع الواقع العمراني الحالي، على أن يتم إشراك الأهالي في تقديم المقترحات.
وأوضح المحافظ أن العودة السكنية ستبقى مشروطة باستكمال إجراءات السلامة وتثبيت الملكيات واعتماد المخطط التنظيمي رسمياً، دون الإعلان عن جدول زمني محدد لبدء أعمال البناء أو عن مصادر التمويل.
ورغم هذا الطرح الرسمي، الذي بقي في إطار “التحضير” دون مواعيد واضحة أو تمويل معلن، تشهد منصات التواصل الاجتماعي عشرات الإعلانات اليومية لبيع مقاسم وأراضٍ في جوبر، ما يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول الجهة التي تتحكم فعلياً بمستقبل المنطقة: الحكومة بخططها المؤجلة، أم السوق بمغامراته السريعة؟
السوق يسبق الدولة والمخاطرة عالية
مع تصاعد عمليات البيع والشراء في حي جوبر المهدّم، يقدم الخبير الاقتصادي قراءة حول المخاطر المالية والاقتصادية لهذه الصفقات، مؤكداً أن المضاربة على الأراضي في منطقة منكوبة قد تحمل خسائر كبيرة للمواطنين أكثر من أرباح محتملة.
صورة جوية تظهر الدمار في حي جوبر بدمشق – انترنت
يقول خبير في الشأن العقاري والتنظيم العمراني، فضل عدم ذكر اسمه، إن ما يحدث في جوبر هو “سوق مضاربة عالية المخاطر”، لا تستند إلى أي قاعدة تنظيمية واضحة:
“نحن أمام منطقة منكوبة غير منظّمة، لم يصدر مخططها التنظيمي النهائي بعد، ومع ذلك لدينا حركة بيع نشطة، هذا أخطر أنواع الاستثمار العقاري، لأن المشتري لا يعرف ما إذا كان المتر الذي اشتراه سيبقى ملكاً خاصاً أم سيدخل ضمن طرق أو حدائق أو استملاكات.”
خبير في الشأن العقاري والتنظيم العمراني
ويضيف أن غياب الجدول الزمني والتمويل الرسمي يجعل أي حديث عن “فرص استثمار” سابقاً لأوانه. وأوضح أن “السوق اليوم يسبق الدولة، والمواطن يدفع ثمن هذا السباق، البائع يبيع بسبب الحاجة والخوف، والمشتري يشتري تحت ضغط الأمل وغلاء السكن، كلاهما يتحرك في منطقة رمادية قانونياً.”
واعتبر أنه “دون إعلان رسمي واضح عن المخطط التنفيذي، التعويضات، وآليات تثبيت الملكية، فإن كل عملية بيع في جوبر اليوم هي مقامرة.”
Loading ads...
بين إعلان رسمي يتحدث عن إزالة أنقاض وإعداد مخطط دون سقف زمني واضح، وسوق عقاري يضج بالإعلانات والمشترين، تبقى جوبر معلّقة بين وعد الإعمار وضباب المستقبل، حيث يُباع العقار قبل أن يُبنى، وتُسعَّر الأحلام بالدولار، بينما يبقى الإعمار مجرد وعد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

