لم تعد التحذيرات الأوروبية من روسيا تتحدث فقط عن حرب تدور على الأراضي الأوكرانية، بل عن تهديد تقول عواصم أوروبية إنه يمتد إلى ما وراء الجبهات، ليشمل المجال الجوي والبنية التحتية الحيوية والفضاء السيبراني وحتى أعماق البحار.
وفي أحدث هذه التحذيرات، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن التهديد الروسي "الهجين" تجاه فرنسا وأوروبا اشتد خلال الأسابيع الأخيرة، وأعلن إعداد خطة لحماية البنية التحتية الحيوية والمواقع الأكثر حساسية من هجمات محتملة بالطائرات المسيرة والوسائل السيبرانية.
وفي بريطانيا، حذر قائد البحرية الملكية الجنرال غوين جنكينز من تهديدات قال إنها لم تواجهها بلاده منذ الحرب الباردة، متحدثا عن نشاط روسي متزايد في شمال الأطلسي ومحاولات "استكشاف واختبار ورسم خرائط" للبنية التحتية الحيوية تحت البحر، بما في ذلك الكابلات وخطوط الطاقة.
هذه التطورات كانت محور نقاش برنامج "ما وراء الخبر"، الذي طرح سؤالا أساسيا: هل تعكس التحذيرات الفرنسية والبريطانية تحولا في تقدير أوروبا لطبيعة الخطر الروسي وأدواته، وما الذي يمكن أن يعنيه ذلك لعقيدة الردع الأوروبية؟
في المقابل، يرفض الكرملين التصور الأوروبي للخطر الروسي. وكان الرئيس فلاديمير بوتين قد نفى وجود نية لدى موسكو لمهاجمة الدول الأوروبية، واتهم النخب الأوروبية باستخدام ما وصفه بـ"التهديد الروسي الوهمي" لتخويف شعوبها وإطالة الحرب في أوكرانيا.
لكن تيريزا فالون، مدير مركز روسيا وأوروبا وآسيا للدراسات، ترى أن ما يجري يتجاوز التصريحات، وتقول إن هناك تكثيفا لما تصفه بالحرب الهجينة بهدف الضغط على الدول الأوروبية لوقف دعم أوكرانيا وزرع الانقسام داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو). وتحدثت عن هجمات سيبرانية وقطع خطوط اتصال وتهديدات لمسؤولين أوروبيين.
أما أليكسي نعوموف، الخبير في المجلس الروسي للعلاقات الدولية، فيقر بوجود تهديدات، لكنه يضعها في سياق مختلف؛ إذ يرى أن أي قرار أوروبي بإرسال قوات للقتال ضد روسيا سيعني مواجهة مباشرة، محذرا من أن السلاح النووي قد يدخل عندها في الحسابات. كما اعتبر أن الإجراءات الروسية المحتملة تأتي، بحسب رؤيته، ردا على الدعم الأوروبي العسكري لأوكرانيا.
وهنا تبرز مسألة أساسية: ما المقصود أصلا بالحرب الهجينة؟
فالون تشرح أنها عمليات مصممة، في رأيها لتبقى دون مستوى يؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو، وتشمل اختراق الأجواء، والهجمات السيبرانية، والتخريب واستهداف البنية التحتية. وترى أن الهدف هو اختبار قدرة الدول الأوروبية على الرد، وقياس حدود استعدادها للمواجهة.
وتأتي أهمية هذا الطرح من أن البنية التحتية التي يجري الحديث عنها لم تعد مجرد منشآت عسكرية. فقائد البحرية البريطانية حذر من تعرض الكابلات وخطوط الطاقة والمنشآت البحرية للخطر، مؤكدا أن البحر وقاعه أصبحا جزءا من المجال الإستراتيجي للصراع الحديث.
ويرى حسني عبيدي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف، أن المخاوف الأوروبية تستند إلى وقائع تتشاركها عدة دول، معتبرا أن أوروبا أصبحت أكثر انخراطا في دعم أوكرانيا، وأن موسكو، وفق تقديره، تحاول استغلال الأزمات الاقتصادية والسياسية والانتخابات الأوروبية لزرع الخوف والشك وإضعاف استمرار الدعم لكييف.
المسألة، وفق النقاش، لا تتعلق فقط بتشخيص الخطر، وإنما بكيفية الرد عليه.
فالخطاب البريطاني الجديد يذهب باتجاه تعزيز المراقبة البحرية، والحرب المضادة للغواصات، والاستطلاع تحت الماء، ودمج السفن المأهولة بالطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار والأنظمة الذاتية. قائد البحرية البريطانية وصف هذا التوجه بأنه بناء لـ"بحرية هجينة"، هدفها اكتشاف التهديد مبكرا والرد بسرعة وجعل البنية الدفاعية أكثر قدرة على الصمود.
وبذلك يبدو أن مفهوم الردع الأوروبي يتسع تدريجيا: لم يعد قائما فقط على الدبابات والطائرات والصواريخ، بل يشمل حماية الكابلات البحرية، وشبكات الطاقة، والمطارات، والفضاء السيبراني، ومواجهة المسيّرات والتخريب.
لكن نعوموف يقدم قراءة مختلفة؛ فهو يرى أن روسيا لا تعتبر الاتحاد الأوروبي عدوا بحد ذاته، وإنما تنظر إلى توسع الناتو والدعم الغربي لأوكرانيا باعتبارهما مصدر التهديد الأساسي، وأن موسكو تريد، بحسب قوله، تجنب توسيع الحرب إلى أوروبا.
في المقابل، تقول فالون إن روسيا هي التي اختارت غزو أوكرانيا، وإن الحرب الهجينة، من وجهة نظرها، جزء من محاولة التعامل مع الجمود في الجبهة الأوكرانية والضغط على الدول الداعمة لكييف.
ويبقى السؤال الأوسع: هل يمكن أن يؤدي أي تسوية سياسية للحرب في أوكرانيا إلى خفض مستوى التوتر، أم أن المواجهة بين روسيا وأوروبا أصبحت أوسع من الحرب نفسها؟
Loading ads...
فحتى إذا توقفت المعارك في أوكرانيا، فإن المخاوف التي تتحدث عنها العواصم الأوروبية اليوم تتعلق بقدرات وبنى تحتية ومجالات أمنية تمتد إلى ما وراء ساحة القتال. ولهذا تبدو أوروبا أمام معادلة جديدة: كيف ترفع مستوى الردع من دون أن تتحول إجراءات الردع نفسها إلى وقود لمواجهة مباشرة؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




