بدأ شغفي بعالم الصناعة منذ نحو أربعين عامًا، حين استقلتُ من وظيفتي معيدًا بكلية الهندسة لألتحق مصممًا للأجزاء العسكرية بمصنع الصواريخ التابع للهيئة العربية للتصنيع.
وهناك، طبقتُ فنون التصميم التي تعلمتها في الكلية، وحرصتُ -كشأن زملائي- على التنفيذ بجودة فائقة؛ حيث كان “الميكرون” (واحد من الألف من المليمتر) هو وحدة القياس المعتمدة للأجزاء المعدنية الدقيقة.
من تلك المحطة، انطلقتُ مستشارًا للمشروع الكندي لدعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة حتى قبيل الألفية؛ حيث تركَّز عملي في تشخيص المصانع الصغيرة والمتوسطة، ثم وضع خطة العلاج وتنفيذ ما يلزم لحل مشكلاتها ومساعدتها على الوصول إلى العالمية؛ حيث تعاملنا مع المصانع من خلال ثلاث مراحل:
1. استكشاف الجاهزية وإرادة التغيير:
أي “ما قبل التشخيص”، وهي مرحلة استكشافية تهدف لتقديم قراءة أولية للمصنع وقياس مدى استعداد أصحابه للتطوير؛ وذلك بفحص 17 عنصرًا محوريًا تتوزع على أربعة مجالات رئيسة: القيادة الاستراتيجية، والقدرة على التغيير، ومواجهة التحديات، والرؤية المستقبلية.
وتعتمد هذه المنهجية على نظام نقاط دقيق يحدد مسار المصنع؛ فبينما يشير المجموع المرتفع (41-51) إلى استعداد تام، تنذر النتائج المنخفضة (17-28) بمخاطر تتطلب إعادة بناء بيئة العمل بالكامل.
2. تشخيص المجالات الثمانية:
تهدف إلى رصد وتحليل المشكلات الجوهرية داخل المصنع؛ من خلال فحص هيكلي دقيق لثمانية مجالات حيوية؛ هي: التخطيط الاستراتيجي، الإنتاج والعمليات، ضبط الجودة، التسويق والمبيعات، المالية والمحاسبة، الموارد البشرية، الإدارة البيئية، ونظم المعلومات.
تمنح هذه المرحلة الإدارة رؤية بانورامية، تمكنها من تحديد نقاط الخلل، وتوجيه الجهود الإصلاحية بدقة نحو المناطق المتضررة.
تعتمد عملية التقييم الشاملة على تحليل هذه المجالات الوظيفية؛ حيث يبدأ التخطيط الاستراتيجي بتقييم آليات التنفيذ، بينما يركز قطاع الإنتاج والعمليات على إدارة الموارد والصيانة والابتكار. ويأتي ضمان الجودة ليضمن رضا العميل، في حين يربط قطاع الموارد البشرية بين كافة المجالات عبر تقييم الثقافة المؤسسية. كما تغطي الدراسة الجوانب المالية والبيئية ونظم المعلومات لضمان سرعة ودقة اتخاذ القرار.
يعمل نظام التقييم بالنقاط على مقياس من (0) إلى (5)، ويتم حساب وزن نسبي للوصول إلى نسبة مئوية؛ حيث تُعد المجالات التي تحقق أقل من 60 % “مناطق حرجة” تستوجب التدخل الفوري.
وقد سمح لنا هذا النظام برسم مخطط بياني يوضح أداء الشركة الشامل، واقتراح خطة العلاج، وإقناع الإدارة بضرورة تنفيذها. وقد وثقتُ ذلك تفصيليًا لعشرات النماذج في كتابي: “أفكار ذهبية لأفضل الشركات العربية”.
نحو ريادة تكنولوجية واقتصاد معرفي
إن رحلتي أثبتت لي أن الفارق بين المنشأة المتعثرة والرائدة لا يكمن فقط في الإمكانيات، بل في دقة التشخيص وشجاعة التنفيذ. إن ما قدمته هو حصاد عقود من ملامسة الواقع في قلاعنا الصناعية، ونموذج استرشادي لتحويل “المناطق الحرجة” إلى نقاط قوة تنافسية.
إن أملي اليوم؛ هو أن يتبنى جيل المهندسين والمستثمرين الجدد هذه المنهجيات الابتكارية. لننتقل بصناعتنا إلى “الريادة التكنولوجية”. مساهمين في بناء اقتصاد معرفي متين يعيد للأمة العربية أمجادها وريادتها في ركب الحضارة الحديثة.
Loading ads...
الرابط المختصر :
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






