38 دقائق
حين يُصدر خبير الأمن فتوى في اللاهوت.. عن استحالة الظلم الإلهي في الاعتقاد الإسلامي
السبت، 19 سبتمبر 2026
قال سيباستيان غوركا، نائب مساعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن "الله في لاهوت الإسلام يستطيع أن يُقرر غدا أن القتل عدل " وأردف المستشار الأمني البريطاني المجري الأمريكي قائلا "إلهنا (كمسيحيين) لا يستطيع ذلك. في لاهوت الإسلام يُعدّ هذا هرطقة. لا يمكن أن تكون هناك حدود على الله، ولذلك يمكن أن يكون له موقف متقلب من الأخلاق. "
والمشكلة أن هذه المقولة تختزل تعددية لاهوتية إسلامية في علوم الكلام والفلسفة والاعتقاد الإسلامية عمرها أكثر من ألف عام في مذهب واحد لم يسمه حتى، ثم تُلصقه بـ "الإسلام " ككتلة واحدة؛ وهي تُسيء فهم ذلك المذهب نفسه حين تتفحصه عن قرب؛ وهي -للمفارقة أيضا- تمنح المسيحية نقاء لا تملكه، إذ تتغافل عن أن أسماء مركزية في اللاهوت المسيحي القروسطي والحديث قالت بالضبط ما يصفه غوركا بأنه "هرطقة إسلامية ".
يشغل غوركا، المولود في لندن عام 1970، منصب نائب مساعد الرئيس الأمريكي ومدير مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض منذ يناير/كانون الثاني 2025. حصل على بكالوريوس في الفلسفة واللاهوت من كلية هيثروب بجامعة لندن، ثم دكتوراه من جامعة كوروينوس في بودابست.
لكن هذا المسار الأكاديمي لم يشفع له عند باحثين متخصصين في دراسات الشرق الأوسط ومكافحة الإرهاب، الذين طالما شككوا في تأهيله لمقاربة قضايا إسلامية بهذا العمق.
من بين هؤلاء مشرفه نفسه على الدكتوراه، أستاذ العلوم السياسية المتقاعد بجامعة أوكلاهوما ستيفن سلون، الذي قال لشبكة "سي إن إن " عام 2017 إنه "لن يصفه بالخبير في الإرهاب "، مضيفا أن "مستوى خبرته لا يتناسب مع المكانة التي يشغلها في البيت الأبيض ".
المسألة التي يلامسها غوركا اسمها في علم الكلام "الحُسن والقُبح " وخلاصتها هل الأفعال حسنة أو قبيحة بذاتها، يدركها العقل مستقلا عن الوحي، أم أنها كذلك فقط لأن الشرع حكم عليها؟ وهي مسألة لم يُجمع عليها المسلمون على مذهب واحد قط.
وذهب المعتزلة إلى أن العدل حسن لذاته والظلم قبيح لذاته، يدركهما العقل قبل نزول أي نص، وجعلوا "العدل " أحد أصولهم الخمسة التي تُبنى عليها العقيدة كلها، وعلى هذا الأساس، فالله عندهم عادل بالضرورة العقلية، ولا يُتصوَّر أن يأمر بظلم لا يستحقه أحد.
أما الأشاعرة، الذين صاروا منذ القرن الثاني عشر تقريبا المذهب الغالب في أهل السنة، فقالوا إن الأفعال في ذاتها لا حسنة ولا قبيحة، وإن الشرع هو من يمنحها هذه الصفة؛ وقد نُسب إلى أبي الحسن الأشعري المتوفى عام 936 قوله إن الكذب ما قبح إلا لأن الله حكم بقبحه.
وبين الفريقين وقف الماتريدية، نسبة إلى أبي منصور الماتريدي المتوفى عام 944 في سمرقند، فقالوا إن العقل يدرك حسن بعض الأفعال وقبحها استقلالا، إلا أن الحاكم النهائي الذي ينصب الثواب والعقاب هو الله وحده.
وهذا المذهب، وهو التمثيل الكلامي للمذهب الحنفي، لا يزال مذهب مئات ملايين المسلمين في تركيا وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، وإن ظل قليل الحضور في الدرس الأكاديمي الغربي حتى العقد الأخير.
لكن حتى لو ضيّق غوركا فكرته عن الإسلام وقصرها على اعتقاد الأشعرية وحدها، فإن وصفها بـ "التقلب " يبقى تسرعا.
صحيح أن الأشاعرة يقولون، كما كتب الغزالي في "الاقتصاد في الاعتقاد "، إنه "لا يجب على الله شيء "، وإنه ليس فوقه قانون خارجي يُلزمه بشيء، غير أن هذا لا يساوي نزوة عبثية قد تنقلب غدا على عقبها.
فالأشاعرة أنفسهم يقررون أن الظلم مستحيل في حق الله، لا لأن قانونا يمنعه، بل لأن الظلم تعريفا هو التصرف في ملك الغير، والله مالك كل شيء فلا يُتصوَّر منه ظلم؛ وهو امتناع عقلي يليق بكماله، لا عجز ينقص منه.
والمرجع هنا حديث قدسي مشهور رواه مسلم، يقول فيه الله: "يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا "، وتسنده آيات مثل "إن الله لا يظلم مثقال ذرة " في سورة النساء، و "وما ربك بظلّامٍ للعبيد " في سورة فصّلت.
وناقش الباحث شرمان جاكسون، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة جنوب كاليفورنيا، هذه النقطة تحديدا في محاضرة بجامعة ستانفورد عام 2025 بعنوان "الأخلاق الأشعرية والعلماني الإسلامي "، حيث أعاد النظر في الرأي القياسي الذي ساد الأكاديميا الغربية طويلا، والقائل إن الأشاعرة يرون العقل عاجزا عن معرفة الحسن والقبح دون وحي.
وخلص جاكسون، الذي فصّل الفكرة نفسها قبل ذلك في دراسته "كيمياء الهيمنة؟ بعض الردود الأشعرية على أخلاق المعتزلة " المنشورة في مجلة الدراسات الشرق أوسطية الدولية، إلى أن إدراك العقل للحسن والقبح لم يكن موقفا أشعريا خالصا على الإطلاق، بل وافق عليه الماتريدية، بل وأهل الحديث أنفسهم في جوهر الأمر.
فالمسافة شاسعة بين قول فلسفي دقيق مفاده أن الخير ما أمر الله به لأنه لا يأمر إلا بما يوافق حكمته، وبين صورة متخيّلة يروجها الخبير الأمني عن "إله متقلب " قد يجعل القتل فضيلة في الغد.
كما أن مقولة غوركا تفترض للمسيحية حصانة من هذا الإشكال بالذات، بينما الإشكال نفسه معضلة أفلاطونية عامة سبقت الأديان التوحيدية جميعا، تُعرف بمعضلة يوثيفرو، ومفادها "هل الفعل خير لأن الإله يريده، أم يريده الإله لأنه خير في ذاته؟ ".
وقد جادلت المسيحية هذه المعضلة نفسها قرونا، وتبنّى بعض أعمدتها الشقّ الذي يرفضه غوركا بحماسة، فمثلا المفكر اللاهوتي الإنجليزي الكبير ويليام الأوكامي (المتوفى عام 1347) ميّز بين قدرة إلهية مطلقة وأخرى مقيدة بالنظام القائم، وكتب في "أعماله اللاهوتية " أن أفعالا كالبغض والسرقة والزنا لا تنطوي على شر من حيث ذاتها، وأن الله قادر على أن يأمر بها فتصير مأجورة لو وقعت تحت أمره.
بل ناقش الأوكامي في تعليقه على "السنن " إمكان أن يأمر الله عبده ببغضه هو نفسه، وإن أوضح الباحث بونر أن هذا عنده إمكان منطقي مجرد لا أخلاقي فعلي.
وتبقى هذه القراءة "الإرادية القصوى " لأوكام محل خلاف بين الباحثين؛ فبعضهم يرى أن الأوكامي أبقى القدرة الإلهية مقيدة بمبدأ عدم التناقض وبطبيعة الله الأخلاقية، وأن تمييزه بين القدرتين منطقي محض لا يعني قدرتين حقيقيتين متعارضتين.
ومضى الفيلسوف اللاهوتي الأسكتلندي دنس سكوتس (المتوفى عام 1308) في الاتجاه نفسه، حين أعلى مرتبة الإرادة الإلهية على العقل في تأسيس كثير من الأحكام الأخلاقية. أما ديكارت فذهب أبعد من ذلك كله، حين كتب في رسالته إلى مرسين عام 1630 أن الله كان حرا في أن يجعل أنصاف أقطار الدائرة غير متساوية، بالحرية نفسها التي كان بها حرا في ألا يخلق العالم من الأساس، فمدّ سلطان المشيئة الإلهية حتى إلى الرياضيات والمنطق، في موقف إرادي أشد تطرفا من أي شيء يُنسب لمتكلم مسلم.
وكتب كالفن في "أصول الدين المسيحي " أن إرادة الله هي أعلى قاعدة للعدل، وأن كل ما يريده يُعدّ عادلا بمجرد أنه أراده، وأنه حين يُسأل لماذا فعل الرب هذا، فالجواب الوحيد هو لأنه شاء. أما كيركغور، فقدّم في "خوف ورعدة " قصة إبراهيم وابنه أنموذجا لتعليق الأمر الأخلاقي العام كله أمام أمر إلهي مباشر، في تعبير مسيحي وجودي صريح عن أولوية الإرادة الإلهية على الأخلاق المعتادة.
في المقابل، الأنموذج المسيحي الوحيد الذي يسند دعوى غوركا نسبيا هو التوماوية، نسبة إلى توما الأكويني، الذي رسّخ الأخلاق في العقل الإلهي والقانون الطبيعي المدرك بالعقل البشري، ورفض نظرية الأمر الإلهي المحض.
Loading ads...
والمفارقة أن هذا الأنموذج هو النظير المسيحي الدقيق للمعتزلة والماتريدية العقلانيتين، لا استثناء يميز المسيحية عن الإسلام كما يتوهم غوركا. وحتى في اللاهوت المعاصر، يجيب كبار منظّري نظرية الأمر الإلهي، مثل روبرت آدمز وويليام لين كريغ نفسه، عن معضلة يوثيفرو بأن الأخلاق راسخة في طبيعة الله لا في مشيئته المجردة وحدها؛ وهو الجواب عينه الذي يقدمه المتكلمون المسلمون حين يُتهم "إلههم " بالتقلب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





