لم يهدأ الشارع الفرنسي خلال الأسابيع الماضية. فالاحتجاجات التي بدأت في صورة حراك طالبي واسع قادَه طلاب المدارس اعتراضاً على ظروف الدراسة، سرعان ما اتسعت رقعتها وتحوّلت إلى تظاهرات عارمة احتجاجاً على غلاء المعيشة والسياسات الاقتصادية، إلا أن ما رافقها من أعمال عنف أشعل فتيل الاتهامات بين أطراف عدة.
وبين اتساع رقعة الاحتجاجات ورقعة الاتهامات، أذكى خطاب اليمين المتطرّف الجدل، وأعاد هواجس الانتماء وصراع الهوية إلى الواجهة، ومع انتشار واسع لمقاطع التخريب وأعمال السلب والنهب في مواقع التواصل الاجتماعي، وُجّهت أصابع الاتهام إلى العرب والأفارقة بشكل خاص.
"حشد من البرابرة المغاربيين والأفارقة"، هكذا وصف زعيم حزب "الاسترداد" اليميني المتطرف، إيريك زمور، المشاركين في أعمال العنف والتخريب، خلال مداخلة له على قناة " LCI" الفرنسية، رابطاً بين أعمال الشغب في سياق نظرية "الاستبدال الكبير".
لكن هذه الاتهامات وإن بدت لكثيرين غير عادلة، لم تكن حكراً على اليمين المتطرف وأنصاره في داخل فرنسا وحول العالم، بل تشاركت أصوات عربية بارزة في فرنسا وخارجها الرأي ذاته مع زمور، حسبما عبّرت عبر حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي.
خلال الأسابيع الأخيرة، عبّر عدد من الشخصيات العامة والمدونين والمستخدمين العرب - بعضهم لديه مواقف وتصريحات عنصرية سابقة - على السوشال ميديا مواقف تدعم وجهة نظر اليمين المتطرّف، معتبرين أن اليسار كان السبب الأول في تأجيج الأوضاع في فرنسا وفي أوروبا عموماً. ورأى بعض هؤلاء أن أعمال الشغب والتخريب قام بها المهاجرون العرب والأفارقة، فيما وصف آخرون الاشتراكيين والإسلاميين بأنهم من دمّروا الشرق الأوسط، وأن الدور يأتي اليوم على أوروبا.
في حين دوّن السياسي اللبناني ورئيس حزب التوحيد العربي، وئام وهاب، في حسابه على إكس، موقفه من المهاجرين من آسيا وإفريقيا حيث وصفهم بـ"الهمج"، مؤيداً رأي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومؤكداً أن الحل الوحيد يتمثّل في صعود اليمين للحكم.
وفي السياق نفسه، جزم عدد من المدونين العرب أن الشعوب الأوروبية شعوب متحضرة لا تقوم بأعمال شغب، وأن من يقومون بذلك هم حتماً مهاجرون أفارقة وعرب، وعزوا السبب إلى فشل سياسات الاندماج، على عكس دول أخرى مثل كندا وأستراليا، كما ورد في عدة تدوينات رصدها رصيف22.
"ما يحدث في فرنسا وإيطاليا ما هو إلا تدمير لأوروبا من المهاجرين من أصول عربية وإفريقية"، هكذا كتب الموسيقار المصري عادل حقي في منشور على فيسبوك، معتبراً أن معظم من هاجروا في الآونة الأخيرة بطرق غير نظامية "لا فائدة منهم"، وأن الإقامة والجنسية لا ينبغي أن تُمنحا إلا لمن يكون "ذا فائدة للدولة"، داعياً إلى إسقاط الجنسيات وإلغاء الإقامات، دون أن يقدّم أي دليل على اتهاماته وادعاءاته.
انتشرت مقاطع فيديو وصور توثق أعمال الشغب والتخريب في فرنسا، يُظهر معظمها فئة من الأشخاص غطّوا وجوههم حتى لا يُعرفوا.
ومع انتشار هذه الصور، تداولت المنصات مقاطع مفبركة لتوجيه الرأي العام نحو التحريض على المهاجرين العرب؛ فقد تم تداول فيديو لامرأة ترتدي الحجاب وهي تحرق العلم الفرنسي، تبيّن أنه قديم ومصوّر في طنجة لا في فرنسا، وفق تحقّق أجرته وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة.
ورأى البعض أن الشعارات المرفوعة في الاحتجاجات، وأشهرها "باسم الله هي الظلمات"، لم تكن حكراً على العرب والمسلمين، وإنما رفعها أيضا الفرنسيون الأصليون، في إطار المطالبة بحقوق جماعية لا تفرّق بين دين أو بلد.
ومن زاوية أخرى، لم يكن العنف المرصود في الاحتجاجات الفرنسية الأخيرة غير مسبوق، وفقاً لقراءات مغايرة.
فقد سجّلت منظمة ACLED، المتخصصة في رصد النزاعات والاحتجاجات، خلال السنوات الخمس الماضية متوسط 20.5 تظاهرة يومياً في فرنسا، وقفز هذا الرقم خلال موجة الاحتجاجات الحالية إلى نحو 66 تظاهرة يومياً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المعدل المعتاد. وتستمر دورات الاحتجاج عادة نحو 20 يوماً، أو 36 يوماً للحركات الكبرى، بينما كانت هذه الموجة قد بلغت يومها الـ45.
ونشرت وكالة "أسوشيتد برس" في 21 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، تحقيقاً خَلُصت فيه إلى أن السلطات الفرنسية، بمن فيهم الشرطة، لم تنسب أعمال الشغب إلى المهاجرين بل ولم تحدّد أي فئة منهم على وجه الخصوص.
من جهتها، نشرت السلطات الفرنسية بيانات عن أعداد المشاركين في الاحتجاجات منذ مطلع أكتوبر/ تشرين الأول، وكذلك الموقوفين حيث أودع 217 شخصاً السجن من بين 2700 شخص وُضعوا قيد التوقيف الاحتياطي، وذلك خلال عطلة نهاية الأسبوع يومَي 17 و18 تشرين الأول/ أكتوبر، بحسب ما أعلنه وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، الذي اعتبر أن هذا الإجراء يمثل "رداً حازماً للغاية لا مثيل له"، واكتفى بتوضيح أن نصف من سُجنوا لا سوابق قضائية لديهم دون الكشف عن هوية الأشخاص المعنيين أو جنسياتهم إن لم يكونوا فرنسيين أو يحملون جنسيات دول أخرى.
وهذا الإجراء متفهّم في ظل القيود القانونية الفرنسية المتعلّقة بحماية البيانات الشخصية، وعدم جمع بيانات عرقية أو دينية بصورة منهجية، فضلاً عن الضوابط التي تحكم الكشف عن هويات الموقوفين. كما تؤكد وكالة "أسوشيتد برس" في تقريرها السالف الذكر أن السلطات الفرنسية أوقفت مشتبهاً فيه في حريق بلدية ليموج ووصفته بأنه "ناشط من أقصى اليسار".
لكن الباحث سيباستيان روشيه، وهو أستاذ في معهد العلوم السياسية في غرونوبل ومتخصّص في عمل الشرطة، يرى أن "أقصى اليسار" أصغر من أن يفسّر عنفاً بهذا الحجم، وأن "النهب تحديداً عمل مجرمين استغلّوا الفوضى".
وفي تعليقه على هذه الأحداث، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال خطابه على إثر الاحتجاجات، عن محاسبة كل من خربوا وقاموا بأعمال عنف دون اتهام المهاجرين أو أي فئة أخرى بشكل صريح.
وخلال زيارته أخيراً قطر، رد ماكرون على من زعموا أن فرنسا تعرّضت إلى غزو من "جحافل المهاجرين والإسلاميين"، بأنه أمر "خاطئ تماماً". وأشار إلى تلاعب خارجي بالمعلومات وإلى صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي لمشاهد لم تحدث.
كل هذه المعطيات تُظهر المسافة الواسعة بين ما تثبته الوقائع وما كتبه معلقون عرب وآخرون مناهضون للهجرة، لكن يبقى السؤال: ما الذي يدفعهم إلى هذه القراءة العنصرية والمشوهة؟
يفسّر المؤرخ والناشط السياسي عادل اللطيفي، لرصيف22، استدعاء المهاجرين كلما اتسع الاحتجاج الاجتماعي بالخلط بين أمرين: الأول هو الخلط بين هذا الحراك وبين احتجاجات سابقة اندلعت إثر وفاة شاب من الضواحي على أيدي الشرطة عام 2023، حين اعتُبرت تجاوزات الشرطة عنصرية تستهدف الشباب من أصول مهاجرة.
أما الثاني، فهو تجاهل طبيعة الحراك الحالي؛ فمعظم الطلبة الذين تظاهروا يحملون الجنسية الفرنسية، لكن اليمين المتطرِّف، يُقحم مسألة الهجرة لتحميل المسؤولية لأقصى اليسار، في سياق انتخابي من شأنه أن يؤجّج الأوضاع.
ويرى اللطيفي أن "موقع العربي الذي ينتقد هذه التصرفات يختلف بحسب مكان وجوده. فمن يتابع المشاهد من خارج أوروبا يقرأها من زاوية مختلفة، ويقع في خلط بين العرب المهاجرين والفرنسيين من أصول مهاجرة. وحتى إن كانت نيته الخوف على الصورة الجماعية للعربي، فمثل هذه التعليقات قد تضر المهاجرين العرب في أوروبا أكثر مهما كانت صفتهم، وأن تعزّز الرواية المناهضة للعرب، خصوصاً في ظل وضع سياسي حسّاس تمرّ به فرنسا".
ومن منظور علم النفس السياسي، يرى الكاتب والباحث عامر صالح، في مقال له، ربط الاضطرابات بالمهاجرين بوصفه تفاعلاً بين البحث عن كبش فداء، والخوف على الهوية الجماعية، والإحباط الاجتماعي، واستثمار المخاوف في المنافسة السياسية. فالاحتجاج على أزمة اجتماعية، في رأيه، لا يقود بالضرورة إلى فهم أسبابها البنيوية، وقد تبحث قوى سياسية عن فئة واضحة تحمّلها المسؤولية حتى حين تكون الأسباب أكثر تعقيداً.
ويتوقّف صالح عند "الانحياز التأكيدي"، شارحاً أن المرء يميل إلى البحث عن الوقائع التي تؤكد معتقداته وتجاهل ما يناقضها، فيضخّم المحلّل مشاهد العنف ويقلّل من أهمية المطالب التي دفعت مئات الآلاف إلى الشوارع.
كما يشير إلى "ازدواجية المعايير"، حين توصف احتجاجات في بلد بأنها "ثورة مشروعة"، واحتجاجات ترفع المطالب عينها في بلد آخر بأنها "فوضى وتخريب"، تبعاً للموقف السياسي لا للوقائع.
يختلف المشهد قليلاً حين يتعلّق برؤية المعنيين بالأمر. فرائد الشايبي، الفرنسي التونسي المولود في فرنسا قبل نحو 40 عاماً، ورئيس جمعية النهوض بالتعاون والصداقة بين فرنسا وتونس، يقول لرصيف22 إنه لم يشهد عنفاً كهذا في أي أزمة اجتماعية عاشها في فرنسا، حتى في أثناء احتجاجات السترات الصفراء.
ويضيف الشايبي الذي ينشط في الحياة السياسية الفرنسية منذ 20 عاماً بلهجة تونسية: "أول مرة، أول مرة، نحس روحي متحيّر". لكن ما يقلقه أكثر من العنف نفسه هو أن أبناء المهاجرين تحوّلوا، بحسب تعبيره، إلى "كيس ملاكمة لجزء من الطبقة السياسية، يتقدّمه اليمين المتطرف، ويستخدمه أيضاً جزء من أقصى اليسار"، مستدركاً "نحن كالكرة يتقاذفونها".
ويختم الشايبي بأن من يربطون أعمال التخريب بالمهاجرين يستندون إلى أمرين، أولهما المظهر الجسدي، وثانيهما الأسماء التي تتسرّب إلى الإعلام عن الموقوفين بوصفها "أسماء عربية". لكنه يتساءل هل اهتم أي ممن يتهمون المهاجرين العرب إن كانوا سألوا عن هويات المتهمين للتحقق أولاً من الأمر، ويُردف: "من يكسر محلاً يغطي وجهه بوشاح ويضع قبعة على رأسه، ولا أحد يستطيع أن يعرف أصله".
إلى ذلك، لم ينتهِ هذا الحراك بعد، فقد تواصل السبت 24 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، كما أعلنت تنسيقية "السترات الصفراء" أن التعبئة ستتواصل السبت المقبل الموافق 31 من الشهر الجاري، فيما دعت خمس نقابات إلى إضراب وتعبئة وطنية في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر.
Loading ads...
ومع كل يوم احتجاج جديد، ستتكرّر الاتهامات والأوصاف العنصرية، ويعود السؤال نفسه: هل يُقرأ ما يجري في شوارع فرنسا بمطالب من خرجوا إليها، أم بملامح وأسماء من يظهرون في الصور؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





