5 ساعات
حرف قديمة تصمد في وجه الحداثة.. سوق باب الجابية ملاذٌ اقتصادي وذاكرة حيّة
الأحد، 19 أبريل 2026
في زوايا الأسواق الشعبية بدمشق، حيث تتجاور المحال الصغيرة وتضيق الممرات، ما تزال هذه الأماكن تمثّل ملاذًا لا غنى عنه لشريحة واسعة من الناس، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة، فهنا لا يبحث الزبائن فقط عن خدمات التصليح، بل عن أسعار تتناسب مع قدرتهم الشرائية، ما يجعل هذه الأسواق خيارًا يوميًا لا بديل عنه للكثيرين.
يستذكر أحمد بقدونس، صاحب محل لتصليح الأحذية، بدايات سوق الجابية حين كانت مهنة "السمكرية العمود الفقري للمكان"، موضحًا لموقع تلفزيون سوريا أن هذه الحرفة تعود إلى عقود طويلة، وكانت يومًا ما جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية.
ويشير إلى أن عمر هذه المحال يكاد يوازي عمر الجامع القريب، في دلالة واضحة على عمقها التاريخي.
ويضيف أن هذه المهنة شكلت مركزًا حيويًا لصناعة وتصليح الأدوات المنزلية المصنوعة من الصفائح المعدنية، مثل أوعية المياه وبيدونات الوقود والبوابير، وهي مستلزمات كانت لا تخلو منها أي أسرة، ولكن مع تطور الزمن تراجعت هذه الحرفة بشكل ملحوظ، نتيجة لتغيّر أنماط الاستهلاك واختفاء الكثير من الأدوات التقليدية، إلى جانب دخول مواد بديلة كالبلاستيك، ما قلّص الحاجة إلى هذه الصناعات.
في حين ظهرت مهن أخرى كبديل وحافظت على حضورها، مثل مهنة "السكافي"، التي ما تزال تستقطب الزبائن الراغبين بإصلاح أحذيتهم في محاولة لتخفيف الأعباء المعيشية.
يقول ياسين الأسود أحد زبائن السوق "رغم كل الحداثة والتقنية للأسواق الشعبية دورها وأهميتها لا تختفي، كثيرون يعتمدون عليها كمصدر أساسي للخدمات بأسعار منخفضة، فتصليح الحذاء أو الحقيبة أو حتى الأدوات المنزلية البسيطة، اليوم خيار اقتصادي يسبق فكرة الاستبدال، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة".
كما يؤكد أن السوق ما يزال يحتفظ بطابعه الشعبي، ويستقطب زبائن من مختلف المناطق، بعضهم يقصده تحديدًا لما يقدّمه من خدمات بأسعار مقبولة، كما أن وجوده ضمن منطقة ذات طابع تاريخي يمنحه بعدًا سياحيًا، يساهم في استمرار الحركة، وإن بوتيرة أقل مما كانت عليه في السابق.
ورغم التحديات من بنية تحتية قديمة وصعوبة الوصول أحيانًا يواصل الحرفيون تمسكهم بهذه المهن، مع محاولات متواضعة لمواكبة التطور، وبين الماضي والحاضر تبقى هذه الأسواق شاهدًا حيًا على تاريخٍ مهنيّ عريق، وفي الوقت ذاته ركيزة اقتصادية يعتمد عليها المواطن في مواجهة ضغوط الحياة اليومية.
"يعد هذا المحل واحدًا من أقدم معالم المنطقة، عمره ما بين 700 و800 عام"، وفق ما يرويه أبو عبدو، صاحب أحد المحال والعامل في مهنة تصليح الأحذية والحقائب، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا.
ويشير أبو عبدو إلى أن المكان كان في الأصل إسطبلًا للخيول في زمنٍ كانت فيه الخيول الوسيلة الأساسية للتنقّل، ومع دخول السيارات وتراجع دورها، فقد الإسطبل وظيفته تدريجيًا، ليُعاد توظيفه كمحل تجاري ضمن السوق الشعبي، ويصبح لاحقًا حاضنًا لعدد من المهن التقليدية التي لبّت احتياجات السكان اليومية.
ويضيف أن هذه المحال ما تزال تحتفظ بالطابع الشعبي، رغم التراجع الملحوظ لبعض الحرف أمام زحف الصناعات الحديثة والمواد البديلة، ومع ذلك تبقى هذه الأمكنة شاهدًا حيًا على مرحلة تاريخية اعتمد فيها الناس على العمل اليدوي والخبرة الحرفية في تسيير شؤون حياتهم.
ورغم التحولات الكبيرة التي طرأت على السوق، لا يزال هذا المحل يحتفظ بقيمته التراثية، بوصفه نموذجًا لتحوّل المكان من وظيفة خدمية قديمة إلى فضاء يحافظ على ذاكرة الحِرف التقليدية.
ويؤكد أبو عبدو أن الإقبال على هذه المحال لم ينقطع، مضيفًا: “محلاتنا ما بتهدى من الناس، أي حدا ما بيقدر يلاقي حل لغرضه بالسوق العادي بيجي لعنا هون بيعرفوا إنو كل شي إلو حل، بحكم الخبرة القديمة، نحنا ما مندور بس على الربح، مندور نكسب الناسي ونشتغل برزقة من الله".
رغم أن المحلات التقليدية في الأسواق الشعبية ما تزال تُشكّل مرجعًا أساسيًا لشريحة واسعة من الناس، فإن حضورها يشهد تراجعًا ملحوظًا مقارنة بالماضي، ويقدّر بعض أصحاب المهن أن ما تبقى من هذه المحلات لا يتجاوز 30% مما كانت عليه سابقًا، في ظل تحولات كبيرة في السوق وأنماط الاستهلاك.
كما يشير العاملون في هذه المهن إلى أن هذه الأسواق كانت في السابق مقصدًا رئيسيًا للناس، ليس فقط لتوفرها، بل لكونها مركزًا للجودة والحِرفية، حيث كان الزبائن يقصدونها بحثًا عن الإتقان والخبرة، أما اليوم، فقد تبدّل هذا الدور تدريجيًا، لتصبح هذه المحلات خيارًا اقتصاديًا بالدرجة الأولى.
وفي هذا السياق، يوضح طارق معراتي لموقع تلفزيون سوريا أن الإقبال الحالي على هذه الأسواق بات مرتبطًا بشكل كبير بالقدرة المادية، إذ يقصدها اليوم بشكل أساسي من يبحث عن الأسعار الأرخص، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
في المقابل تتجه فئات أخرى إلى أسواق مختلفة، تتناسب مع قدرتها الشرائية، ما يعكس تغيرًا واضحًا في طبيعة الزبائن ووظيفة السوق.
ويعزو الحرفيون هذا التحول إلى عدة عوامل، من بينها انتشار المنتجات الجاهزة وتطور الصناعات الحديثة، إضافة إلى تغيّر اهتمامات الأجيال الجديدة التي لم تعد تتجه نحو الحِرف التقليدية كما في السابق.
ورغم هذا التراجع ما تزال بعض المحلات تحافظ على حضورها، مستندة إلى خبرة أصحابها وارتباطها بالذاكرة الشعبية، في محاولة للاستمرار ضمن واقع اقتصادي واجتماعي متغير، حيث تحوّلت من عنوانٍ للجودة إلى ملاذٍ للضرورة.
وبحسب مؤشر قاسيون للظروف المعيشية، ما تزال الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة في سوريا عند مستويات مرتفعة، إذ تغطي الأجور نسبة محدودة فقط من الحد الأدنى اللازم للإنفاق الشهري، ما يدفع شريحة واسعة من المواطنين إلى البحث عن بدائل أقل كلفة لتلبية احتياجاتهم اليومية.
وفي هذا الشأن تصبح الأسواق الشعبية خيارًا شبه إجباري للكثيرين، سواء لتصليح المقتنيات بدل استبدالها أو للحصول على خدمات بأسعار تتناسب مع واقعهم الاقتصادي.
يواصل أبو عدنان، البالغ من العمر 46 عامًا، عمله في مهنة تقليدية هي "سنّ السكاكين"، داخل محلٍ بسيط يخلو من أي لافتة أو اسم يميّزه، ورغم ذلك يبقى المكان معروفًا بين الناس ليس بعنوانه، بل بالحِرفة التي تُمارس فيه منذ سنوات طويلة.
ويقول أبو عدنان لموقع تلفزيون سوريا إن دخوله هذا المجال لم يكن صدفة، بل امتدادًا لمسار عائلي، إذ ورث المهنة عن والده وجده، مدفوعًا بحبٍ لها وارتباطٍ بها منذ الصغر.
ينتمي أبو عدنان إلى عائلة "العسلي"، التي عُرفت تاريخيًا بمزاولة هذه الحِرفة، في نموذج يعكس طبيعة المهن التقليدية التي تنتقل داخل العائلات، وتحافظ على استمراريتها رغم تغيّر الزمن وتبدّل الأسواق.
ويجسّد هذا المحل صورة حيّة للحِرف التي ما تزال قائمة على الخبرة المتوارثة، أكثر من اعتمادها على الأسماء التجارية أو المظاهر الحديثة، في سوقٍ تتسارع فيه التحولات في حين تبقى بعض المهن صامدة بصمت.
داخل أحد المحلات القديمة التي يُقدّر عمرها بنحو 200 عام، يواصل الحرفيون عملهم في مهنٍ تقليدية استطاعت أن تتطوّر مع الزمن بما يتناسب مع متطلبات السوق الحديثة، ورغم صغر مساحة المحل نتيجة لموقعه داخل السوق، إلا أن العمل لا يقتصر عليه بل يمتد إلى ورشات أخرى تُنجز فيها أعمال متكاملة.
يؤكد طلال وهو شاب ما زال يعمل في مهنة السمكرة التي ورثها عن عائلته، أنهم لا يقتصرون على أعمال جزئية، بل ينفذون عمليات ترميم كاملة تبدأ من الأساس وصولًا إلى أدق التفاصيل، بما يشمل ترميم الأراكيل والمشربيات، إلى جانب أعمال الخشب والمعادن، في محاولة للحفاظ على الطابع التراثي وإحيائه.
وفي حديثه عن تاريخ المهنة، يوضح أن هذا السوق كان في الأصل قائمًا على مهنة السمكرية، ولكن مع تغيّر طبيعة المكان، اتجه الحرفيون نحو مجالات أخرى مرتبطة بأساس مهنتهم، مثل العمل في الأراكيل، سواء من حيث التصليح أو التصنيع، وهو ما فرضته طبيعة المنطقة وانتشار هذه الحرفة بين المحلات المجاورة.
ويشير طلال إلى أن جوهر هذه المهنة قائم على مهارات اللحام وتشكيل المعادن، وهي خبرة متوارثة عن الأجداد، تعلمها بدوره من والده، وواصل تطويرها خلال سنوات دراسته، قبل أن يعتمد عليها بشكل كامل كمصدر للرزق، خاصة خلال سنوات الحرب.
ويضيف أن هذه المحلات ما تزال تحظى بثقة شريحة واسعة من الناس، موضحًا أن "كثير من الزبائن باتوا يعتمدون علينا بشكل أساسي، لأنهم يعرفون أن هنا يوجد حل لأي مشكلة، بخبرة متراكمة وحرص على الحفاظ على القطع بدل استبدالها، إضافة إلى المصداقية والأسعار المناسبة".
وتعكس هذه التجربة قدرة الحِرف التقليدية على التكيّف مع مختلف الظروف، من خلال الحفاظ على جوهرها المهني، والانفتاح في الوقت ذاته على مجالات جديدة تضمن استمراريتها في سوقٍ دائم التغيّر.
على الرغم من التراجع العام في الاعتماد على المحلات التقليدية، ما تزال هذه المهن تحتفظ بمكانتها لدى شريحة من الزبائن الذين يقدّرون جودة العمل اليدوي وخبرة الحرفيين.
يؤكد سالم بعير، أحد المتعاملين الدائمين مع هذه المحلات، أنه يعتمد عليها منذ سنوات طويلة، لما يلمسه من صدق في التعامل وإتقان في التنفيذ، مشيرًا إلى أن العلاقة مع الحرفيين في هذه الأسواق تتجاوز كونها خدمة عابرة، لتقوم على الثقة المتبادلة، حيث يحرص أصحاب المهن على الأمانة، ما يعزز مصداقيتهم لدى الزبائن.
ويضيف أن الأعمال اليدوية رغم بساطتها، غالبًا ما تتميز بدقة وجودة تفوق المنتجات الجاهزة أو العمل الآلي، خاصة من حيث المتانة والاهتمام بالتفاصيل.
في السياق ذاته، توضح شيماء هيكل، القادمة من لبنان، في حديثها لموقع تلفزيون سوريا خلال تواجدها في السوق، أنها تعتمد على هذه المحلات بشكل مستمر، قائلة: "نحن زبائن لهذه الأسواق، وجودة العمل هنا تتفوق كثيرًا على ما يقدمه السوق الحديث، خاصة من حيث الصدق والاهتمام بالتفاصيل حتى أننا نؤجل بعض التصليحات إلى حين قدومنا إلى سوريا". وتضيف أن الحرفي في هذه المحلات لا يكتفي بإصلاح القطعة، بل ينجز عمله بإتقان واهتمام واضح، ما يضمن نتيجة جيدة، خلافًا لبعض المحلات الأخرى التي قد تبالغ في التكاليف من دون تقديم نفس المستوى من الجودة. كما تشير إلى أن الأسعار تبقى عاملاً مهمًا في استمرار الإقبال، إذ تُعد هذه المحلات أكثر عدالة مقارنة بغيرها، موضحة أن كلفة بعض الأعمال، كتصليح الأرجيلة، تكون أقل من مثيلاتها في أماكن أخرى، ما يجعلها خيارًا اقتصاديًا منطقيًا.
ورغم بساطة هذه المحلات وصغر مساحتها، إلا أن قيمتها الحقيقية تكمن في الحرفيين أنفسهم، الذين يعتمدون على خبراتهم المتوارثة ومهاراتهم الشخصية.
Loading ads...
كما يؤكد الزبائن أن طريقة التعامل، القائمة على الاحترام والاحترافية، إلى جانب الحرص على إنجاز العمل بشكل متقن، تجعل هذه المحلات خيارًا موثوقًا، يجنّبهم تكرار المشكلة أو الحاجة للعودة مجددًا لنفس العطل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





