24 دقائق
تحليل: شي يعود إلى واشنطن بعد 9 سنوات.. وبكين في موقع أقوى
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

تحليل بقلم سيمون مكارثي من شبكة CNN.
(CNN)-- عندما يزور الزعيم الصيني شي جينبينغ واشنطن هذا الأسبوع، سيجلس إلى طاولة المفاوضات مع الرئيس دونالد ترامب من موقع مختلف تمامًا عن ذلك الذي كان عليه عندما التقى الرجلان وجهًا لوجه في الولايات المتحدة قبل نحو عقد من الزمن.
ففي قمة عام 2017 التي استضافها منتجع مارالاغو التابع لترامب، كانت الصين متأخرة عن الولايات المتحدة في عدة مجالات، وكانت عرضة للخلافات التكنولوجية والتجارية التي كان ترامب بصدد إطلاقها ضدها في العام التالي.
أما الآن، فيصل شي على رأس دولة شهدت تحولًا كبيرًا.
لقد برز ثاني أكبر اقتصاد في العالم كقوة تكنولوجية عظمى؛ إذ تعمل المواهب التكنولوجية المحلية على دفع نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية لتقترب أكثر فأكثر من مستويات الريادة في "وادي السيليكون". كما تقوم شركات الفضاء التي تتخذ من بكين مقرًا لها بإطلاق صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام والهبوط بها، واضعةً نصب عينيها منافسة الشركة الرائدة عالميًا "سبيس إكس" (SpaceX). وشهدت شركات في قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي والروبوتات ورقائق الذاكرة إدراجات ضخمة في أسواق الأسهم خلال العام الماضي.
وسجلت القوة التصنيعية الهائلة للصين فائضًا تجاريًا عالميًا بلغ 1.2 تريليون دولار العام الماضي، مدفوعًا جزئيًا بالطلب المتزايد على السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والرقائق الصينية. كما منح نفوذ بكين على سلاسل توريد بعض الصادرات، وخاصة العناصر الأرضية النادرة، الصين ورقة ضغط فريدة في مواجهة واشنطن وحرب ترامب التجارية تحت شعار "أمريكا أولًا".
وفي وقت تعمل فيه الولايات المتحدة على إثارة التوتر مع حلفائها، ولم تتوصل بعد إلى وسيلة لإنهاء حربها مع إيران، التي تزعزع استقرار الاقتصاد العالمي، يعمل شي على تعزيز صورة الصين باعتبارها قوة عالمية مسؤولة ويمكن الاعتماد عليها.
وفي أروقة صنع السياسات في بكين، ثمة إجماع واضح: لقد ولّت الأيام التي كان بإمكان الولايات المتحدة فيها فرض مطالب أحادية الجانب على الصين.
وقال وو شينبو، عميد معهد الدراسات الدولية في جامعة فودان في شنغهاي، الذي يقدم المشورة للحكومة بشأن السياسة الخارجية: "الصين أكثر ثقة بكثير مما كانت عليه قبل تسع سنوات، والأهم من ذلك هو أن الصين وجدت اليوم طريقة فعالة لإبقاء الولايات المتحدة تحت السيطرة".
وأضاف: "يتعين على واشنطن أن تتعامل مع بكين على أساس مزيد من المساواة والاحترام، وأن تصبح هذه العلاقة أكثر تكافؤًا بشكل متزايد".
لكن هذا لا يعني أن المخاطر أو الرهانات قليلة بالنسبة إلى شي، وهو يصل إلى واشنطن في زيارة من المتوقع أن تستمر ثلاثة أيام. ويعوّل الزعيم الصيني على التحول نحو التكنولوجيا المتقدمة لبث زخم جديد في اقتصاد بلاده الذي يشهد تباطؤًا. ومن شأن الحفاظ على "استقرار استراتيجي بنّاء" -وهو هدف اتفق عليه الطرفان خلال اجتماع في بكين في مايو/أيار- أن يساعد في ضمان عدم عرقلة هذا المسار بسبب التوترات أو الصراعات مع الولايات المتحدة.
لكن شي، المدعوم بالنفوذ العالمي والتكنولوجي المتنامي للصين، سيطرح أيضًا واقعًا جديدًا أمام الولايات المتحدة، مفاده أن بكين، وإن كانت تسعى إلى علاقة مستقرة مع واشنطن، فإن صعودها لا يعتمد على تلك العلاقة.
بالنسبة إلى شي، كان أحد المصادر الرئيسية لهذه الثقة هو قدرة الصين على تنويع تجارتها بعيدًا عن السوق الأمريكية، وبناء اكتفائها الذاتي التكنولوجي، وهما هدفان اكتسبا أهمية أكبر بفعل الضغوط التي فرضتها إدارة ترامب الأولى على الصين.
وضخت بكين تمويلًا هائلًا وإرادة سياسية كبيرة لبناء تكنولوجياتها الخاصة في قطاعات متقدمة، مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والفضاء والطاقة الجديدة والرقائق، إلى جانب توظيف هذه التقنيات في الصناعة.
لكن ثمار هذا النمو ليست موزعة بالتساوي. فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب أعلى مستوى له في الآونة الأخيرة الشهر الماضي. ويعتمد مئات الملايين من العمال على اقتصاد الأعمال المؤقتة، مثل توصيل الطعام أو قيادة سيارات خدمات النقل التشاركي، باعتباره مصدر عملهم الرئيسي. كما لا يزال الاستهلاك متأخرًا، وتعاني الحكومات المحلية تحت وطأة الديون، فيما تستمر أزمة ضخمة في قطاع العقارات.
وسيخبرك أشخاص من مختلف شرائح المجتمع في الصين بسهولة أن الاقتصاد لم يعد في حال جيدة كما كان من قبل. لكن إلى جانب ذلك، غالبًا ما يكون هناك شعور بالفخر لأن البلاد تمكنت من الصعود كقوة تكنولوجية، حتى في مواجهة القيود التي فرضتها الولايات المتحدة.
وخير مثال على ذلك هو شركة "هواوي"، عملاق التكنولوجيا الصيني الذي أدرجته إدارة ترامب الأولى في القائمة السوداء. ففي الأيام الأخيرة، نشر مدونون صينيون متخصصون في التكنولوجيا مقاطع فيديو تعبر عن شماتة واضحة إزاء إطلاق شركة "أبل" لهاتفها القابل للطي الذي صاحبته ضجة إعلامية كبيرة؛ حيث أشاروا إلى أن "هواوي" كانت قد طرحت طرازها القابل للطي قبل سبع سنوات.
وقبل أيام من زيارة شي إلى الولايات المتحدة، أعلنت "هواوي" أيضًا أن الجيل المقبل من رقائق الذكاء الاصطناعي (Ascend) سيُطرح قبل الموعد المحدد، العام المقبل، في إشارة إلى إحراز تقدم في مجال كان يمثل عقبة رئيسية أمام الصين في مسار تطوير الذكاء الاصطناعي.
وقال إريك شو، الرئيس الدوري لشركة "هواوي"، في وقت سابق من هذا الشهر: "لا يمكننا القبول بمصير نكون فيه عاجزين عن التحكم في مآلنا، بينما يحدد الآخرون ذلك بناءً على رغبتهم -أو عدمها- في بيع الرقائق الإلكترونية للصين".
وفي حين أن الرأي العام الأمريكي يتسم إلى حد كبير بالتشاؤم بشأن تطور الذكاء الاصطناعي، فإن نظراءهم في الصين يركزون بدرجة أكبر على الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها هذه التكنولوجيا في حياتهم اليومية. ويشكل فقدان الوظائف مصدر قلق، لكن هناك أيضًا شعور بوجود فرصة ينبغي اغتنامها، وبأن الحزب الشيوعي الحاكم، بما يمتلكه من سيطرة محكمة على المجتمع، لن يسمح للتكنولوجيا بالخروج عن نطاق السيطرة.
يتوجه شي إلى الولايات المتحدة في خضم موجة متصاعدة من النقاش حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك المخاطر المرتبطة بالنماذج الصينية. وقال ترامب إن الولايات المتحدة لا يمكنها إبطاء التطور لأسباب تتعلق بالسلامة، لأنها يجب أن تركز على التفوق على الصين.
وهذا يسلط الضوء على هدف رئيسي لشي والوفد المرافق له: إقناع الولايات المتحدة بعدم فرض مزيد من القيود التكنولوجية التي قد تحد أكثر من وصول الشركات الصينية إلى التكنولوجيا أو الأسواق الأمريكية.
وقال سون تشنغهاو، الباحث البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والأمن الدولي بجامعة تسينغهوا في بكين، إن الصين تريد رؤية "قدر أكبر من التنبؤ والاستقرار في العلاقة الاقتصادية والتكنولوجية"، و"التزام سياسي أقوى للحيلولة دون أن تؤدي القضايا الحساسة — ولا سيما ملف تايوان والقيود التقنية — إلى زعزعة استقرار العلاقات ككل".
لكن هنا أيضًا يأتي دور التحول في ميزان القوة بين الصين والولايات المتحدة.
فكلا الجانبين يدرك أن القيود الجديدة، إذا رأت بكين أنها شديدة العدوانية، قد تعيد إشعال الصراع الذي دفع اقتصادي البلدين العام الماضي إلى حافة الانفصال الكامل.
ولم يتم التوصل إلى الهدنة التي أنهت تلك الجولة من الحرب التجارية بينهما إلا بعد أن هددت بكين بتوسيع نطاق ضوابط التصدير على العناصر الأرضية النادرة ذات الأهمية الاستراتيجية بشكل هائل، ردًا على خطوة أمريكية كانت ستوسع بصورة كبيرة عدد الشركات الصينية المدرجة على القائمة السوداء.
ومن المرجح أن يتم تمديد هذه الهدنة هذا الأسبوع، وسيحرص الجانبان على عدم دفع الآخر إلى حد بعيد في وضع "لا يفوز فيه أحد، لأن القوتين متكافئتان"، وفقًا لكيرت تونغ، الشريك الإداري في شركة "ذا آسيا غروب" الاستشارية.
وقال تونغ، الذي شغل سابقًا منصب القنصل العام الأمريكي في هونغ كونغ: "في المجال الاقتصادي، لا يوجد لاعب متفوق حقًا... بسبب تساوي أوراق الضغط التي يمتلكها الجانبان، يتراجع الطرفان عن اتخاذ إجراءات ستكون مكلفة بالنسبة إليهما".
وأضاف أن ترامب "ينظر إلى شي جينبينغ ويرى نظيرًا له، وليس شخصًا يمكن إخضاعه".
بات يُنظر إلى الصين الآن بصورة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة في معظم الدول الـ36 التي شملها استطلاع جديد أجراه مركز "بيو" للأبحاث ونُشر في يوليو/تموز. كما تفوق شي بفارق ضئيل على ترامب في مستوى الثقة التي يحظى بها، وفقًا لنتائج الاستطلاع.
وتأتي هذه التغييرات بالتزامن ليس فقط مع إعادة تشكيل دور الولايات المتحدة على الساحة العالمية، وإنما أيضًا مع تحول في قدرة الصين على ممارسة القوة الناعمة. فالناس في أنحاء العالم يستخدمون نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية في أعمالهم، ويقودون السيارات الكهربائية الصينية. كما أسهمت صادرات ثقافية انتشرت على نطاق واسع، مثل دمى "لابوبو" والمسلسلات الصينية، إلى جانب الاتجاه المعروف باسم "تشاينا ماكسينغ" (Chinamaxxing) عبر الإنترنت، في زيادة الاهتمام بالصين والسياحة فيها.
وخلال الأسابيع الأخيرة، أجرى شي سلسلة نادرة من الزيارات الدبلوماسية الخارجية، قدم خلالها رؤيته الخاصة للقيادة الصينية والنظام العالمي.
ففي قمة مجموعة "بريكس" للدول ذات الاقتصادات الناشئة في نيودلهي في وقت سابق من هذا الشهر، تعهد بمساعدة الدول الأعضاء على إنشاء مصانع ذكية وتطوير نماذج للذكاء الاصطناعي.
وخلال زيارة دولة إلى مصر في وقت سابق من هذا الشهر، طرح شي مقترحات بشأن "هيكل أمني جديد" في الشرق الأوسط، لا يعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية. كما تدفق عدد كبير من القادة إلى بكين هذا العام.
وفي المقابل، سعى البيت الأبيض خلال الأسابيع الأخيرة إلى إلقاء اللوم على الدول التي تواصل التعامل مع الحكومة الإيرانية بسبب الحرب المستمرة التي بدأتها الولايات المتحدة في إيران، متعهدًا بإجبارها على وقف تلك التعاملات أو مواجهة عقوبات كبيرة. وباعتبار الصين أكبر شريك تجاري لإيران، فهي تتصدر قائمة تلك الدول.
لكن هذا أيضًا مثال على الكيفية التي قد يبرز بها النفوذ المتزايد للصين وقوة أوراق الضغط التي تمتلكها خلال المحادثات المقبلة.
فقد التقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين الأسبوع الماضي. وكانت المحادثات تهدف جزئيًا إلى "توضيح بعض القضايا، حتى يتمكن الزعيمان في واشنطن من إجراء نقاش أكثر جوهرية بشأن هذه المسألة"، وفقًا لوو، مستشار السياسات.
وهذا يمنح بكين مجالًا للإشارة إلى أن أي تحرك لمعاقبة شركاتها سيحرم واشنطن من أي فرصة للاستفادة من قدرة الصين على التواصل مع طرفي الصراع.
Loading ads...
وقال وو: "ستبلغ الصين الولايات المتحدة أمرين. الأول: لا تحاولوا فرض عقوبات على البنوك أو الشركات الصينية بسبب تعاملها مع إيران... والثاني: انسوا الحلول العسكرية أو العقوبات الاقتصادية لإنهاء الصراع، فعليكم الجلوس والتفاوض للتوصل إلى اتفاق سلام معقول".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





