ساعةً تلو الأخرى، يزداد التصعيد بين الحوثيين والسعودية خطورةً، ويتلاحق تصعيداً تلو تصعيد بين الطرفين وسط غموض أهداف الطرفَين الأساسية، وإلى أي مدى قد يذهب كل منهما في هذه المواجهة المباشرة التي بدأت في تموز/ يوليو 2026 وهدأت قليلاً خلال آب/ أغسطس الماضي، قبل أن تبلغ مداها هذا الشهر بمواجهات متزامنة على الأراضي اليمنية وفي العمق السعودي.
صباح اليوم الأربعاء 9 أيلول/ سبتمبر 2026، أقرّ الحوثيون بأنّ الرياض شنّت 32 غارةً على 4 محافظات تخضع لسيطرتهم، وهي مأرب والجوف وتعز والحديدة. واتهمت قناة "المسيرة" التابعة لهم ما أسمته "العدو السعودي بشنّ 43 غارةً على محافظات مأرب والجوف وتعز والحديدة خلال الساعات الماضية".
كما تزايدت التقارير الصحافية عن مواجهات على الأرض بين قوات الحكومة المعترف بها دولياً، والمدعومة سعودياً، على محاور داخلية عدة، وذلك بعد ساعات من إعلان المملكة إصابة 73 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، إثر هجمات حوثية على أعيان مدنية واقتصادية في أبها، وخميس مشيط، وجازان، ونجران.
أثار الإعلان السعودي غير المعتاد عن هذه الحصيلة الكبيرة من الضحايا، ومشاركة الإعلام الرسمي صوراً ولقطات ومقاطع فيديو للأضرار التي لحقت بالمنشآت النفطية بكثافة، تساؤلات عما إذا كانت الرياض تنوي تغيير سياسة ضبط النفس والاكتفاء بالرد. وذهب متابعون -بينهم سعوديون- إلى القول بأنّ المملكة تمهّد الرأي العام الدولي لردّ قاسٍ يردع الحوثيين ويُجبرهم على التوقف عن قصف الأراضي السعودية، خاصةً استهداف المنشآت النفطية.
لكن السؤال الأبرز يتعلّق بأسباب هذا التصعيد، ومدى ارتباطه بالتصعيد المتفاقم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في بقعة ليست ببعيدة، وهو ما نحاول الإجابة عنه في هذا التقرير.
عقب استهداف المناطق السعودية أمس الثلاثاء، شدّدت الرياض على حقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لـ"الدفاع عن سيادتها وصون مقدراتها الوطنية". ومن موسكو حيث يقوم بزيارة رسمية، صرّح وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، بأنّ "المملكة لن تتردد في الدفاع عن نفسها وحماية مصالحها… استفزاز الحوثي للمملكة والحكومة الشرعية والمجتمع الدولي، يفتح على نفسه ما لا يحتمله".
في المقابل، سخرت وزارة الخارجية والمغتربين في حكومة الحوثيين من بيان الخارجية السعودية، ورأت أنّ "اليمن يمارس حقه المشروع في الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة وكذا حقه في الدفاع عن سيادته وأمنه واستقراره وسلامته الإقليمية وحقوق شعب".
كما أشادت وكالة سبأ الرسمية للأنباء، والتي يديرها الحوثيون، بالهجمات الأخيرة على السعودية وعدّتها انعكاساً لـ"تجاوز اليمن خلال المرحلة الراهنة أوهام الوصاية الإقليمية والدولية والتهديدات التقليدية، ليفرض نفسه قوةً فاعلةً وقادرةً على إعادة رسم قواعد الاشتباك وتثبيت معادلات الردع في المنطقة".
ومذ أعلن الحوثيون فرض "حظر الملاحة البحرية على السعودية" في البحر الأحمر، في تموز/ يوليو 2026، شنّ التحالف الذي تقوده المملكة غارات على ما أسماها "منشآت عسكرية للحوثيين" بشكل متزايد. وبعد هدوء نسبي خلال شهر آب/ أغسطس الماضي، بدأت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من الرياض هجوماً متعدد الجبهات على مناطق يسيطر عليها الحوثيون، خلال الأيام الأخيرة، في رد على محاولة الجماعة التقدم في مواقع سيطرتها، ما دفع الأخيرة إلى تجديد إعلانها سعيها إلى استعادة جميع أراضي البلاد.
لكن الغارة الجوية على الإصلاحية المركزية في محافظة الجوف، يوم الإثنين 7 أيلول/ سبتمبر الجاري، والتي اتهم الحوثيون السعودية بالوقوف خلفها، أشعلت فتيل المواجهة مرةً أخرى. وقد أعلنت القوات المسلحة التابعة للحوثيين أنّ الهجوم أسفر عن مقتل 23 مواطناً وإصابة آخرين في حصيلة غير نهائية بسبب حجم الدمار الهائل وكثافة الأنقاض التي تعيق عملية الوصول إلى المفقودين من النزلاء والزوار وبينهم نساء وأطفال.
وقال المركز التنفيذي للتعامل مع الألغام، إنّ قنبلةً موجهةً بالأقمار الصناعية من طراز JDAM أمريكية الصنع استُخدمت في الهجوم على الإصلاحية. وقال الحوثيون إنّ الطائرة التي نفّذت الهجوم خرجت من قاعدة الملك خالد الجوية. في المقابل، لم تنفِ الرياض أو تؤكد شنّها الهجوم.
تعقيباً على استهداف السجن المركزي في الجوف، وتزامنه مع "استهدافات همجية طالت منازل المدنيين في عدد من المحافظات" اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، توعّد المجلس السياسي الأعلى للحوثيين، الإثنين الماضي، بأنّ الهجوم "لن يمر دون عقاب"، وشدّد على أنّ الرياض ينبغي أن تعي أنّ "لكل تصعيد تبعاته، وأنّ مواصلة هذا النهج ستنقل الأوضاع إلى مرحلة جديدة تتحمل كامل المسؤولية عن نتائجها وتداعياتها".
وبعد بضع ساعات، أعلنت القوات المسلحة الحوثية عن "تنفيذ عملية عسكرية نوعية وواسعة في العمق السعودي بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة"، مبرزةً استهدافها "شركة أرامكو في أبها ونجران والمدينة الاقتصادية وأرامكو جيزان، وقاعدة خميس مشيط الجوية".
وفيما تباهت بأنّ "الإصابات كانت دقيقةً ومباشرةً وتسببت في أضرار كبيرة في تلك المنشآت"، حمّلت الرياض "مسؤولية هذا التصعيد"، وعدّت هجماتها ردّاً على "121 غارةً جويةً انطلقت من قاعدة الملك خالد الجوية في خميسِ مشيط وقاعدة الملك فهد الجوية في الطائف، استهدفت محافظات مأرب والبيضاء والحديدة وتعز والجوف، مرتكبةً جرائم كبيرةً آخرها جريمة الجوفِ".
من جهتها، دانت الحكومة المعترف بها دولياً "الاعتداءات الإرهابية التي نفّذتها مليشيات الحوثي الارهابية المدعومة من النظام الإيراني".
وأضافت: "هذه الاعتداءات، بأبعادها المحلية والإقليمية، تمثّل امتداداً للنهج العدائي الذي تنتهجه مليشيات الحوثي، مستفيدةً من الدعم الإيراني المتواصل بالسلاح والتمويل والخبرات العسكرية، بما يمكّنها من مواصلة اعتداءاتها وتهديد أمن الدولة اليمنية ودول الجوار، واستهداف المدنيين والمنشآت والمصالح الحيوية داخل اليمن وخارجه".
كما أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية التابعة للحكومة عن "مرحلة جديدة في مسيرة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب… مرحلة من الحراك والانتفاضة الشعبية السلمية في مختلف المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين".
لا يمكن فصل هذه التطوّرات عن التصعيد الحالي بين طهران وواشنطن، إذ تتزامن مع أكبر تبادل للهجمات بين إيران والولايات المتحدة على حركة الشحن منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من ستة أشهر. وقالت إيران، اليوم الأربعاء، إنها هاجمت 10 سفن بالقرب من مضيق هرمز في حين أغرقت الولايات المتحدة خمس ناقلات نفط إيرانية. كما أعلنت طهران إطلاق صواريخ باليستية على قاعدة تستخدمها القوات الأمريكية في الأردن.
ووفق وكالة رويترز، تحوّلت الحرب في الخليج إلى اختبار إرادة بين الولايات المتحدة وإيران، إذ يأمل كل طرف في أن يجبر الضغط الاقتصادي، الناجم عن الحصارين المتعارضين، الطرف الآخر على التراجع.
ومن اللافت أنّ هجمات أمس الثلاثاء، أصابت منشآت نفطيةً سعوديةً متصلةً بطريق بديل، هو باب المندب، الممرّ المائي الإستراتيجي الذي يقع قبالة الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة العربية ويربط البحر الأحمر بخليج عدن.
وحرصت الإدارة الأمريكية في إداناتها المتكررة للهجمات الحوثية على السعودية، على ربطها بإيران والتلميح بأنّ طهران تقف وراء تحريض الحوثيين. قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إنّ "الحوثيين، من نواحٍ عديدة، هم وكلاء وأدوات لإيران، ومن الواضح أنّ اليد الإيرانية تقف وراء بعض هذه الممارسات (على السعودية)".
كما أفادت السفارة الأمريكية لدى اليمن، بأنّ "الحوثيين هم من بدأوا هذا الصراع، وعليهم تحمّل تبعات عدوانهم. وحكومة الجمهورية اليمنية هي الحكومة الشرعية الوحيدة، ولها كامل الحق في الدفاع عن شعبها وإنهاء قدرة الحوثيين على ممارسة الإرهاب. وبالمثل، يحق للسعودية الدفاع عن أراضيها ومواطنيها، ودعم الحكومة اليمنية الشرعية في جهودها الرامية إلى إنهاء الإرهاب الحوثي".
كذلك، ألمح المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، ماجد النزيلي، إلى وقوف إيران خلف هذا التصعيد حيث قال: "لا نريد أن يتحوّل اليمن إلى نسخة من إيران، ولا نريد أن تُستورد إلى بلادنا صراعات مذهبية وتاريخية عمرها مئات السنين، ولا أن يُطلب من اليمنيين أن يعيشوا خلافات لم تكن يوماً قضيتهم الأولى".
أدّى تصاعد القتال بين السعودية والحوثيين إلى مزيد من الضبابية في أسواق الطاقة، فمن شأن هجمات الحوثيين على جنوب غرب السعودية أن تزيد الأثر الاقتصادي العالمي للحرب سوءاً، بفعل تعطيل إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط إلى جانب الإمدادات المتأثّرة بالحصار المفروض على مضيق هرمز.
ومع الأخذ بعين الاعتبار أنّ السعودية هي أكبر مصدر للنفط في العالم، فإنّ الحرب الأوسع في الشرق الأوسط دفعت بالفعل أسعار النفط إلى الارتفاع بشدّة مع تعثّر المفاوضات الدبلوماسية بين طهران وواشنطن. كما أنّ تضرّر الملاحة الدولية من هذا التصعيد يزيد تعقيد الوضع.
كذلك، يهدّد تجدّد القتال بين الحوثيين والسعودية بإشعال الحرب الأهلية اليمنية من جديد، والتي تسبّبت في مقتل ما لا يقلّ عن 150 ألف شخص، وتشريد مئات الآلاف وتجويع الملايين، منذ عام 2014، وفق تقديرات الأمم المتحدة. لكن اليمن لا يحتمل اشتعال الحرب الأهلية بعد أكثر من عقد من الصراع تركه محطّماً اقتصادياً وأمنياً وممزقاً سياسياً واجتماعياً.
كذلك، يتزامن التصعيد بين الحوثيين والرياض مع تصعيد عسكري بتجدّد القتال على طول الساحل الغربي لليمن وفي أجزاء من تعز والحديدة، ما تسبّب في نزوح أكثر من 21 ألف شخص، بينهم 18،500 في تعز والحديدة جنوب غربي اليمن، منذ تصاعد القتال في 3 أيلول/ سبتمبر الجاري، وفق الأمم المتحدة.
ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية، أدّت هذه الاشتباكات إلى مقتل ما لا يقلّ عن 194 شخصاً وإصابة أكثر من 880 آخرين، بين 23 آب/ أغسطس الماضي إلى 5 أيلول/ سبتمبر الجاري.
عن مستقبل هذا التصعيد المستمر الذي يتّسع داخل الأراضي اليمنية وربما في الأراضي السعودية، يقول محرّر الشؤون السياسية والدولية في فرانس 24، وسيم الأحمر: "لن تسمح الرياض باستمرار التصعيد بطريقة تمس منشآتها الأساسية وتمس أمنها في الإقليم وفي اليمن. وبالتالي، نحن أمام مشهد يعتمد الآن على ما إذا كان سيتم استيعاب هذه الهجمات أو سيرد عليها بتصعيد أوسع وبالتالي يقود إلى تصعيد مستمر يتسع داخل الأراضي اليمنية، وداخل الإقليم وفي هجمات أوسع على المملكة".
في تقرير يسبق هذا التصعيد الحالي ببضعة أيام، أوضح "مركز صنعاء" المستقل للأبحاث أنه "لا تزال الأهداف السياسية الأوسع وراء هذا التصعيد (بين الحوثيين والسعودية) غامضةً"، لافتاً إلى أنّ الحوثيين ربما يحاولون انتزاع مزيد من الأراضي داخل اليمن، وربما يستخدمون التصعيد لكسب أوراق ضغط في مواجهة السعودية قبيل استئناف محتمل للمفاوضات، أو حتى دعم إيران في نزاعها المستمر مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وعلى صعيد الطرف الآخر، لم يستبعد المركز أن تكون الرياض والحكومة تستعدان لمواجهة أكبر ضد الحوثيين، أو أنهما تسعيان إلى تعزيز مستويات الردع فحسب من خلال بناء قوة قتالية أكثر توحداً واقتداراً.
أما الباحث الأول في المركز، حسام ردمان، فيرى أنّ الحوثيين نجحوا في أن يوقعوا الحكومة المعترف بها دولياً وحليفتها السعودية في "مأزق إستراتيجي: فإما تقويض مكانة الحكومة بإجبارها على تلقّي ضربات لا تستطيع الرد عليها بالمثل، بما يبدّد أي ثقة شعبية أو دولية في قدراتها، وإما استدراجها إلى المعركة قبل أن تبلغ الجاهزية القتالية التي تعمل على إعادة بنائها".
ويوضح ردمان أنه "في كلتا الحالتين، سيواصل الحوثيون استثمار تفوقهم العسكري، دافعين اليمن إلى شفا حرب شاملة، فهم يسعون إلى انتزاع صفقة جديدة من السعودية تلبّي شروطهم السياسية، وإلى ضمان إدراج شروطهم في أي تفاهم إيراني-أمريكي مقبل".
مع ذلك، يعتقد الباحث اليمني أنّ الحوثيين "أخطأوا الحساب" في ما يتعلق بالجاهزية القتالية للحكومة. ويشرح: "باتت القوات الحكومية أكثر تكاملاً على المستوى العملياتي عقب تشكيل اللجنة العسكرية العليا في كانون الثاني/ يناير الماضي، وتلقّت دعماً تقنياً رفيع المستوى وأسلحةً من الرياض على مدى الأشهر الثلاثة الماضية".
حتى إن قرّرت الرياض التصعيد مجبرةً تحت ضغط الخسائر التي تسبّبها الهجمات الحوثية، فهناك تحدٍّ ليس باليسير يواجهها في أي تصعيد محتمل ضد الحوثيين، وهو أنهم يسيطرون على معظم المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان في اليمن، بما في ذلك العاصمة، ما يعني أنّ أيّ ضربة غير محسوبة قد تُزهق الكثير من الأرواح، خاصةً من المدنيين، ما قد يكلّفها تبعات قانونيةً ودبلوماسيةً ودوليةً ثقيلة.
Loading ads...
ختاماً، يظلّ مصير هذا التصعيد مرهوناً بالحسابات غير المعلنة لكل طرف، لكن الأمر المؤكد أنها لا تخرج عن معادلة الصراع الأوسع في المنطقة، وأنّها ستؤدي إلى خسائر جسيمة على مستوى الأطراف كافة كما على مستوى الإقليم والعالم أيضاً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






