ساعة واحدة
بالمطبخ تنكشف الأسرار.. كيف تصنع الأحاديث العفوية جسر تواصل بين الأم وأبنائها؟
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026

"أمي، أريد أن أخبرك بشيء، لكن أرجوك لا تخبري أحدا".. قد تبدأ بهذه الجملة حكاية لم يكن الابن ينوي مشاركتها مع أحد. وربما تأتي في لحظة عادية تماما، بينما تقف الأم في المطبخ لإعداد الطعام، أو يغسل أحد أبنائها الأطباق، أو يجلس إلى جوارها لبضع دقائق قبل أن يغادر المكان.
وبدون موعد محدد لهذا الحديث، ولا جلسة مصارحة جرى الإعداد لها مسبقا، قد يتحول سؤال عابر عن يوم طفلك إلى حكاية طويلة عن خلاف مع صديق، أو موقف محرج في المدرسة، أو خوف لم يجد الابن الكلمات المناسبة للتعبير عنه.
فلماذا تخرج بعض الاعترافات في المطبخ، أو أثناء قيادة السيارة، أو خلال جر عربة التسوق، بينما تتعثر حين تسأل الأم ابنها مباشرة عما يزعجه؟ قد لا يتعلق الأمر بالمكان وحده، بل بالطريقة التي تتيح بها بعض المواقف اليومية الحديث من دون أن يبدو الأمر وكأنه جلسة مخصصة للمصارحة.
أحيانا، لا يبدأ الحديث المهم لأن أحد الطرفين قرر أن يتحدث، بل لأنه لم يكن يخطط للحديث أصلا.
فقد يأتي الابن إلى المطبخ لمساعدة أمه، أو يجلس إلى جوارها لبعض الوقت، ثم يجد نفسه يحكي عن موقف حدث معه، قبل أن ينتقل إلى أمر آخر كان يشغله.
وفي هذه اللحظات، لا يبدو الكلام كأنه مهمة ينبغي إنجازها، ولا يشعر الابن بأنه مطالب بكشف ما يدور في ذهنه. فالمحادثة تبدأ من تفاصيل عادية، وتترك له فرصة الانتقال إلى ما يريد قوله بالقدر الذي يناسبه، من دون أن يضطر إلى الإعلان منذ البداية أن لديه مشكلة أو سرا.
وهذا لا يعني أن الحديث العفوي يقود بالضرورة إلى المصارحة، أو أن السؤال المباشر غير مفيد. لكنه يوضح لماذا قد يكون من المفيد ألا تنتظر الأم مناسبة خاصة لتتحدث مع أبنائها، وألا تجعل كل محاولة للاطمئنان عليهم تبدو كأنها استجواب.
تخيل حوارا بين أم وابنها وهما يغسلان الأطباق أو يرتبان المشتريات أو يجهزان وجبة الغداء. لا يحتاج أي منهما إلى تركيز كامل على المحادثة طوال الوقت، ويمكن أن يتخللها بعض الصمت من دون أن يشعر الطرفان بأن عليهما ملأه بالكلام.
وقد يجد بعض الأبناء راحة أكبر حين لا يكونون في مواجهة مباشرة مع الطرف الآخر. ففي السيارة، مثلا، ينظر الطرفان إلى الطريق بدلا من التركيز المستمر على بعضهما، بينما يمنح المشي أو إعداد الطعام المحادثة طابعا عفويا لا يشبه جلسة الأسئلة والأجوبة.
تحدثت الدكتورة راشيل شيشتر، عالمة النفس التنموي في مركز أبحاث "إل إكس دي" الأمريكي عن هذه الظاهرة، في تقرير نشره موقع "سكاري مامي" (Scary Mommy) الأمريكي في يوليو/تموز 2026، موضحة لماذا يسهل على بعض المراهقين الحديث في السيارة. ومن بين الأسباب التي ناقشتها كان انخفاض ضغط التواصل البصري والشعور بأن المحادثة تجري بصورة عابرة.
وتوصي إرشادات "هارفارد هيلث" (Harvard Health Publishing) باختيار أجواء مريحة للتحدث مع المراهقين، وتلفت إلى أن أنشطة يومية مثل المشي أو القيادة قد تتيح فرصا للحديث في أجواء داعمة. لكن المكان، مهما كان مناسبا، لا يضمن أن يشارك الابن ما يشغله، فالأمر يختلف حسب شخصيته وطبيعة علاقته مع أمه.
ليست هناك أماكن سحرية تدفع الأبناء إلى كشف أسرارهم، لكن بعض الظروف قد تجعل الكلام أقل صعوبة. فالمكان المألوف مثل المطبخ أو غرفة المعيشة، لا يتطلب استعدادا خاصا، والنشاط المشترك يمنح الطرفين سببا طبيعيا للبقاء معا من دون أن يكون الحديث هو الغرض الوحيد من اللقاء.
وتساعد الخصوصية أيضا على الشعور بالراحة، خصوصا إذا كان الموضوع حساسا ولا يرغب الابن في أن يسمعه إخوته أو بقية أفراد الأسرة.
ومن المهم كذلك أن يشعر بأنه يستطيع التوقف عن الكلام أو العودة إليه لاحقا، من دون ضغط للحصول على إجابة فورية.
ومع ذلك، لا تناسب هذه الظروف الجميع، فقد يفضل أحد الأبناء الحديث وجها لوجه، بينما يحتاج آخر إلى بعض الوقت قبل أن يكون مستعدا للكلام. لذلك لا يتعلق الأمر باختيار المكان المثالي بقدر ما يتعلق بإتاحة الفرصة للحديث من دون فرضه.
قد يبدأ الابن حديثه في المطبخ، لكن ما يحدد إن كان سيكمله أو سيعود إليه لاحقا هو -إلى حد كبير- رد فعل أمه.
فإذا استقبلت كلامه بالدهشة المبالغ فيها أو اللوم أو السخرية، فقد يشعر بأنه أخطأ بمجرد أن تحدث. أما إذا استمعت إليه بهدوء، فقد يجد مساحة تسمح له بالتعبير عما يفكر فيه، حتى إن لم توافقه الرأي.
وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بالاستماع إلى المراهقين دون أحكام متسرعة أو ردود فعل مبالغ فيها، محذرة من أن تضخيم المشكلة قد يزيد من قلقهم ويجعلهم أقل رغبة في العودة إلى الحديث.
لذلك، عندما يبدأ الابن في الكلام، فربما يكون من الأفضل أن تمنحه أمه فرصة لاستكمال فكرته قبل طرح الأسئلة أو تقديم الحلول. ويمكنها أن تقول "احك لي أكثر" أو "أفهم أن الموقف كان صعبا عليك" أو تسأله "هل تريد أن نفكر معا في حل، أم تحتاج فقط إلى أن أستمع إليك الآن؟".
ولا يعني الاستماع أن تتخلى الأم عن دورها في التوجيه أو أن توافق على كل تصرف. بل يعني أن تفهم ما حدث أولا، ثم تختار الوقت والطريقة المناسبين للنقاش، بدلا من أن تجعل الاعتراف نفسه بداية للعقاب.
ليست الغاية أن تنتزع الأم من ابنها ما يخفيه، بل أن تبني علاقة يعرف من خلالها أنه يستطيع الكلام حين يحتاج إلى ذلك، من دون خوف من اللوم أو تحول حديثه إلى محاكمة.
Loading ads...
وقد لا تحتاج البداية إلى أكثر من جملة بسيطة مثل "أنا أسمعك، احك لي" بينما تواصل الأم ما تفعله من دون استعجال أو ضغط. فربما تبدأ الحكاية مع طبق يتم إعداده للغداء، لكن ما يجعل الابن يعود إليها المرة التالية ليس المطبخ نفسه، بل شعوره بأن هناك من يستمع إليه حقا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




