2 ساعات
أموال الخليج في أسواق المخاطر.. استراتيجية ذكية أم مقامرة محسوبة؟
الثلاثاء، 28 أبريل 2026
- توسع متسارع لرؤوس الأموال الخليجية نحو أسواق عالية المخاطر بحثاً عن عوائد أعلى ونفوذ اقتصادي أوسع.
- انتشرت الاستثمارات الخليجية في دول مثل سوريا ومصر وباكستان وإفريقيا، مع تركيز على المصارف والطاقة والبنية التحتية.
- تتبنى دول الخليج نهج "رأس المال الجيوسياسي" الذي يجمع بين الربح وبناء النفوذ وتأمين سلاسل الإمداد رغم المخاطر.
في الوقت الذي تعيد فيه دول الخليج رسم خريطة نفوذها الاقتصادي خارج أسواقها التقليدية، تبدو رؤوس الأموال الخليجية أكثر استعداداً للذهاب إلى مناطق كان المستثمرون الدوليون يتجنبونها لعقود طويلة.
وتوجهت استثمارات الخليج بالسنوات الأخيرة الى سوريا الخارجة من الحرب، ومصر المثقلة بالديون، وباكستان المحاصرة باحتياجات التمويل الخارجي، والعراق الباحث عن عودة المستثمرين، وإفريقيا حيث تتقاطع المعادن والموانئ والطاقة مع اضطرابات السياسة والديون.
وهذا التحول لا يشبه موجات الدعم المالي القديمة القائمة على الودائع والمساعدات فقط؛ بل يقترب من نموذج "رأس المال الجيوسياسي"، حيث تختلط حسابات العائد التجاري ببناء النفوذ، وتأمين سلاسل الإمداد، وشراء مواقع مبكرة في اقتصادات قد تصبح أكثر قيمة إذا استقرت، لكنه أيضاً رهان محفوف بالمخاطر، لأن الأسواق نفسها التي تمنح عوائد مرتفعة قد تبتلع الأموال سريعاً إذا تعثرت الإصلاحات أو تبدلت المعادلات السياسية.
وأحدث المؤشرات جاء من دمشق، فقد أعلنت شركة "استثمار القابضة" القطرية، المدرجة في بورصة قطر، الأحد 26 أبريل 2026، توقيع اتفاقية للاستثمار في "شهبا بنك" السوري عبر شركتها التابعة "استثمار كابيتال".
وبموجب الاتفاق، تستحوذ "مصارف القابضة"، التابعة لـ"استثمار كابيتال"، على حصة 49٪ من البنك، وفق بيان الشركة الذي نشرته وكالة الأنباء القطرية.
وأهمية الصفقة لا تكمن في حجمها فقط، بل في القطاع والتوقيت، فالقطاع المصرفي السوري سيكون أحد مفاتيح تمويل إعادة الإعمار، بينما قدّر البنك الدولي، في تقرير نشره في 21 أكتوبر 2025، كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار بعد أكثر من 13 عاماً من الصراع ما يعني أن دخول مستثمر خليجي إلى بنك سوري الآن هو رهان مبكر على عودة التمويل النظامي إلى سوق شبه معطلة.
في يوليو 2025، أعلنت السعودية حزمة استثمارات في سوريا بقيمة 6.4 مليارات دولار خلال منتدى سعودي سوري في دمشق، وفق ما نشرته وكالة "رويترز" في 24 يوليو 2025، وشملت الحزمة 2.93 مليار دولار للعقارات والبنية التحتية، ونحو 1.07 مليار دولار للاتصالات وتقنية المعلومات.
ثم عاد الزخم في فبراير 2026، عندما تحدث وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح في تصريحات صحفية، عن اتفاقيات إضافية بنحو 20 مليار ريال (5.33 مليارات دولار)، ترفع إجمالي الاتفاقيات والاستثمارات السعودية المعلنة في سوريا إلى نحو 60 مليار ريال (16 مليار دولار).
وفي مصر، شكّلت صفقة "رأس الحكمة" الإماراتية نقطة تحو، ففي 23 فبراير 2024، أعلنت القاهرة توقيع اتفاق استثماري مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار لتطوير شبه جزيرة رأس الحكمة غرب الإسكندرية، في واحدة من أكبر صفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بتاريخ البلاد، وفق "رويترز".
وبعد الإمارات، دخلت قطر بثقلها إلى الساحل الشمالي المصري. ففي 5 نوفمبر 2025، ذكرت وكالة "رويترز" أن شركة "الديار القطرية"، التابعة لجهاز قطر للاستثمار ستستثمر 29.7 مليار دولار في مشروع “علم الروم” على ساحل المتوسط، ويشمل الاتفاق دفعة نقدية بـ3.5 مليارات دولار مقابل الأرض، و26.2 مليار دولار استثمارات عينية في التطوير العقاري والبنية التحتية.
الصفقة تمتد على نحو 4,900 فدان في محافظة مطروح، وتحوّل منطقة ساحلية إلى مدينة سياحية وسكنية متكاملة.
في مصر أيضاً، لا يقتصر الحضور الخليجي على العقار، فقد أعلنت شركة "AMEA Power" الإماراتية في 16 ديسمبر 2024 تشغيل محطة "أبيدوس" للطاقة الشمسية بقدرة 500 ميغاواط، موضحة أن المحطة ستنتج 1,500 غيغاواط/ساعة سنوياً وتكفي نحو 300 ألف منزل.
وفي سبتمبر 2024، أعلنت الشركة استثماراً إضافياً بقيمة 800 مليون دولار في مشروعين جديدين للطاقة المتجددة في مصر، ما رفع محفظتها في البلاد إلى 2,000 ميغاواط من الطاقة الشمسية والرياح و900 ميغاواط/ساعة من تخزين البطاريات.
وبعيداً عن الدول العربية أعلنت السعودية في أبريل 2026، أنها ستقدم 3 مليارات دولار دعماً إضافياً لإسلام آباد لمساعدتها على سد فجوة تمويلية مرتبطة بسداد دين مستحق للإمارات.
الإمارات بدورها تعهدت بضخ 10 مليارات دولار في قطاعات واعدة في باكستان، وفق ما نشرته "رويترز" في 23 مايو 2024 نقلاً عن مكتب رئيس الوزراء الباكستاني عقب لقاء شهباز شريف والشيخ محمد بن زايد في أبوظبي.
كما تتجه السعودية أيضاً إلى المعادن في باكستان، ففي يناير 2025، نقلت قناة "الشرق" عن وزير النفط الباكستاني أن شركة "منارة المعادن" السعودية قد تستثمر في مشروع "ريكو ديك" للنحاس والذهب.
والمشروع من أكبر مناطق النحاس والذهب غير المطورة في العالم، وقد ذكرت "رويترز" في 20 يناير 2025 أن رئيس "باريك غولد" توقع أن يحقق المشروع تدفقات نقدية حرة بنحو 74 مليار دولار خلال 37 عاماً، مع بدء الإنتاج المتوقع أواخر 2028.
وفي العراق، دخلت قطر عبر قطاع الطاقة، فقد ذكرت وكالة بلومبيرغ الاقتصادية في 10 يوليو 2023 أن قطر للطاقة تمتلك 25٪ من مشروع "النمو المتكامل للغاز" في العراق، ضمن صفقة إجمالية بقيمة 27 مليار دولار تقودها "توتال إنرجيز"، بينما تمتلك الشركة الفرنسية 45٪ وشركة نفط البصرة 30٪.
وفي أكتوبر 2024، أعلنت قطر للطاقة استحواذها على حصة 50٪ في مشروع طاقة شمسية تابع لـ"توتال إنرجيز" في العراق، بقدرة تصل إلى 1.25 غيغاواط عند الذروة، لتزويد نحو 350 ألف منزل بالكهرباء في البصرة.
وفي أفريقيا وقّعت "موانئ دبي العالمية" في أكتوبر 2023 اتفاق امتياز لمدة 30 عاماً لتشغيل وتحديث جزء من ميناء دار السلام في تنزانيا، وفق وكالة الأنباء الإماراتية (وام).
وقالت "موانئ دبي العالمية" في بيان نشرته في اليوم نفسه إن الاتفاق يهدف إلى ربط تنزانيا والمنطقة الأوسع بالأسواق العالمية.
وذكرت وكالة "عرب نيوز" في 23 أكتوبر 2023 أن الاستثمار الأولي يتجاوز 250 مليون دولار، وقد يرتفع إلى مليار دولار خلال فترة الامتياز.
ويرى خبراء أن التحول في وجهة الاستثمارات الخليجية لا يمكن فصله عن إعادة تعريف دور الصناديق السيادية نفسها، ففي تحليل نشره معهد الشرق الأوسط بتاريخ 20 يوليو 2023، أشار إلى أن "الموجة الجديدة من صفقات الصناديق السيادية الخليجية لم تعد قائمة على الاستثمار المالي البحت، بل على بناء شراكات استراتيجية تحقق تنويع المحافظ، وتبادل المعرفة، ودعم الأهداف الاقتصادية المحلية لدول الخليج".
ويضيف التحليل أن هذه الصناديق باتت أكثر ميلاً للدخول المبكر في أسواق غير مستقرة نسبياً، مقابل فرص نمو أعلى وعوائد طويلة الأجل.
وفي إفريقيا، حيث تتوسع الاستثمارات الخليجية بوتيرة متسارعة، خلص تقرير نشره المجلس الأطلسي في 23 سبتمبر 2025 إلى أن دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات والسعودية، أصبحت لاعباً رئيسياً في تمويل مشاريع الطاقة والبنية التحتية في القارة، مدفوعة بالحاجة إلى تأمين الموارد الطبيعية وبناء نفوذ اقتصادي طويل الأمد.
ولفت التقرير إلى أن هذه الاستثمارات، رغم مخاطرها، تمنح الدول الخليجية موقعاً متقدماً في سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في مجالات الطاقة والمعادن.
وفي السياق نفسه، يبرز دور هذه الاستثمارات في دعم الاستقرار الاقتصادي للدول المستقبِلة، إذ أوضح صندوق النقد الدولي في تقريره الصادر في أبريل 2024 أن تدفقات الاستثمار الأجنبي الكبيرة، بما فيها الاستثمارات الخليجية، أسهمت في "تعزيز الاحتياطيات الأجنبية وتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات"، وهو ما يساعد الدول التي تواجه أزمات سيولة على استعادة التوازن المالي واحتواء تقلبات العملة، خاصة في حالات مثل مصر.
كما تُظهر تجارب حديثة أن هذه الاستثمارات لا تقتصر على توفير السيولة، بل تمتد إلى بناء بنية تحتية تدعم النمو طويل الأجل، فقد أشار تقرير صادر عن المجلس الأطلسي في 23 سبتمبر 2025 إلى أن الاستثمارات الخليجية في إفريقيا، خاصة في قطاعات الطاقة والموانئ، تلعب دوراً محورياً في تحسين الربط التجاري وتعزيز سلاسل الإمداد، ما يرفع من قدرة هذه الدول على جذب استثمارات إضافية ويخلق فرص عمل واسعة.
ويرى المحلل الاقتصادي منير سيف الدين أن توصيف الاستثمارات الخليجية في الأسواق عالية المخاطر باعتبارها مقامرة لا يعكس الصورة الكاملة، إذ إنها أقرب إلى "استراتيجية استباقية عالية المخاطر"، تقوم على مبدأ الدخول المبكر إلى اقتصادات منخفضة التقييم قبل مرحلة التعافي.
ويشير إلى أن هذه المقاربة تمنح المستثمر الخليجي ميزة تسعيرية وزمنية لا تتوفر في الأسواق المستقرة، حيث تكون الأصول مشبعة بالمنافسة والعوائد محدودة، بينما تتيح الأسواق الهشة تحقيق هوامش ربح أعلى عند تحسن المؤشرات الكلية.
ويضيف سيف الدين في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن هذه الاستثمارات لا تُقاس فقط بالعائد المالي المباشر، بل بما تخلقه من قيمة استراتيجية مركبة تشمل تعزيز النفوذ الاقتصادي، وتأمين موطئ قدم في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في قطاعات الطاقة والمعادن والبنية التحتية.
ويرى أن الدخول إلى مشاريع مثل الموانئ أو الطاقة أو القطاع المصرفي في دول تمر بمرحلة إعادة بناء، يعني عملياً المشاركة في تشكيل البنية الاقتصادية المستقبلية لتلك الدول، وهو ما يترجم لاحقاً إلى نفوذ طويل الأمد وعوائد غير مباشرة تتجاوز الحسابات التقليدية للاستثمار.
Loading ads...
وفي المقابل، يؤكد أن هذه الاستراتيجية ليست خالية من المخاطر، لكنها مخاطر مُدارة وليست عشوائية، حيث تعتمد على توزيع الاستثمارات جغرافياً وقطاعياً، وعلى الدخول عبر شراكات مع حكومات أو شركات كبرى، ما يقلل من احتمالات الخسارة الكلية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





