7 أشهر
ما طبيعة مساعدة "صندوق النقد" لسوريا؟.. وما العقبة التي تهدد تنفيذها؟
الإثنين، 1 ديسمبر 2025

يثير بيان صندوق النقد الدولي الأخير بشأن سوريا نقاشًا واسعًا حول طبيعة الانخراط المتوقع بين المؤسسة المالية الدولية ودمشق، في وقت تواجه فيه البلاد مرحلة اقتصادية بالغة التعقيد، تتداخل فيها ندرة البيانات، وتآكل البنية المالية، وغياب الأطر الحديثة للإدارة الاقتصادية.
وقد حرص الصندوق في بيانه على التأكيد أن البيانات الاقتصادية الموثوقة تظل شحيحة إلى حد يعوق قدرة السلطات على صياغة سياسات فعالة أو مراقبة تنفيذها، معتبرًا أن بناء قاعدة بيانات دقيقة هو حجر الأساس لأي إصلاح اقتصادي حقيقي يمكن أن تنطلق منه سوريا في السنوات المقبلة.
نقطة تحول
يشكل هذا الاعتراف نقطة تحول مهمة، إذ يربط الصندوق بشكل واضح بين تحسين الإحصاءات الاقتصادية وبين إمكانية استئناف مشاورات المادة الرابعة، التي تُعد بمثابة تشخيص سنوي شامل لصحة الاقتصاد الكلي للدول الأعضاء.
ويؤكد الصندوق أن الدعم الفني المقدم حاليًا لسوريا سيركز على تطوير بيانات الحسابات الوطنية، على أن يشمل لاحقًا مجالات الأسعار وميزان المدفوعات والتمويل الحكومي والإحصاءات المالية، بما يمهد لإرساء بنية معلوماتية متكاملة تساعد في اتخاذ قرارات اقتصادية مبنية على معايير موضوعية لا على تقديرات مجتزأة أو أرقام غير مكتملة.
وفي سياق العمل على تحديث الإطار الكلي للسياسات، أوضح الصندوق أنه بدأ مناقشات مع الجهات السورية حول تطوير سياسة نقدية قادرة على كبح التضخم وتحقيق استقرار طويل الأمد، وهي مهمة تبدو أكثر تعقيدًا في ظل هشاشة النظام المالي وتراجع قدرة المصرف المركزي على إدارة الكتلة النقدية أو ضبط الأسواق.
ما طبيعة المساعدة الفنية؟
لذلك تأتي المساعدة الفنية في ثلاثة مسارات متوازية، وهي صياغة تشريعات جديدة للقطاع المالي تتماشى مع المعايير الدولية، وإعادة تأهيل نظام المدفوعات والمصارف لاستعادة دوره في الوساطة المالية وتمويل النشاط الاقتصادي، وإعادة بناء القدرات داخل البنك المركزي بما يتيح له استعادة استقلاليته التشغيلية وتنفيذ سياسة نقدية فعالة.
غير أن التحديات التي كشفها بيان الصندوق تتجاوز الجانب الفني إلى جوهر التركيبة الاقتصادية للدولة، وفي إطار ذلك يشرح الأكاديمي المتخصص بالاقتصاد المالي والنقدي ياسر المشعل أن سوريا تواجه إرثًا ثقيلًا من الديون المتراكمة يتطلب وضع استراتيجية شاملة لإدارة الدين العام، إلى جانب الحاجة إلى إعادة صياغة النظام الضريبي بما يجعله أكثر بساطة وتنافسية، بعيدًا عن الإعفاءات التي تشجع التهرب وتضعف القاعدة الإيرادية، وفقًا لـ”عنب بلدي”.
ويلفت المشعل إلى أن الأزمة لا تكمن فقط في ضعف المؤسسات بل في غياب الحوكمة، حيث تمثل إعادة هيكلة المؤسسات المملوكة للدولة ومراقبة الالتزامات الطارئة خطوة محورية لتفادي أي أعباء مستقبلية قد تثقل المالية العامة.
إصلاحات عميقة بطابع غير معلن
يشدد المشعل على أن اعتراف الصندوق بندرة البيانات ليس تفصيلًا تقنيًا، بل معيارًا أساسيًا للحكم على كفاءة الإدارة الاقتصادية، فبدون بيانات موثوقة، تصبح السياسات أقرب إلى التجريب، وتفقد الدولة القدرة على مراقبة الأداء أو توقع المخاطر.
ويرى أن التركيز على إصلاحات جوهرية في المؤسسات المالية وقطاع الدولة والنظام الضريبي لا يقتصر على الدعم الفني، بل يشكل شروطًا غير معلنة لإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي وفتح الباب أمام أي تمويل دولي محتمل.
ويعتبر الأكاديمي أن استئناف مشاورات المادة الرابعة، عند اكتمال متطلبات البيانات والإصلاح، سيعني خضوع سوريا لرقابة دورية صارمة من صندوق النقد، بما يشبه الدخول في “مرحلة ما قبل التثبيت الهيكلي”، حيث تُمهد الأرضية لتبني سياسات تتسق مع أجندة الصندوق في خفض العجز وتقليص الدعم وإعادة هيكلة الاقتصاد.
تكاليف اجتماعية وسياسية حادة
رغم ذلك، يشدد المشعل على أن هذه العملية تحمل تكاليف اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاهلها، وأن نجاحها يتوقف على إدارة دقيقة لهذه التكاليف بما يضمن أن تكون مسارات التعافي شاملة وعادلة، لا أن تساهم في خلق فجوات اجتماعية جديدة.
في هذا الإطار، تبدو الحكومة السورية أمام اختبار صعب، إما التكيف مع الاشتراطات الدولية بما تحمله من التزامات شاقة، أو المخاطرة بالبقاء خارج النظام المالي العالمي.
Loading ads...
يشار إلى أن فريقًا من صندوق النقد الدولي، بقيادة رون فان رودن، زار دمشق في الفترة من 10 إلى 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، لمناقشة أولويات السلطات في إصلاح المالية العامة والقطاع المالي، بالإضافة إلى دعم أنشطة المساعدة الفنية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

