5 أشهر
حمّام السوق في دمشق.. تراث دافئ يخفف عبء تراجع الخدمات في العاصمة
الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025
في قلب الأحياء السورية القديمة، حيث يختلط عبق التاريخ بروائح البخار الساخن، ما يزال حمام السوق يشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية للكثير من العائلات السورية، وسط تفاقم أزمة المياه والكهرباء، ليغدو هذا المكان أكثر من مجرد مرفق خدماتي، بل ملاذاً للأسر التي تبحث عن بديل عملي لأزمة الخدمات الأساسية.
وتحت قبة تعانق البخار ورائحة الصابون البلدي، يجد الناس ما يشبه استراحة من غلاء الحياة، ودفئاً لا توفره السخانات المنزلية مهما طال تشغيلها، كما أن البحث عن حل لأزمة المياه وارتفاع أسعار الكهرباء، جعل العديد من العائلات تفضل التوجه إلى الحمامات العامة على حساب وسائل الراحة المنزلية.
وبين خيارات ارتفاع أسعار الكهرباء وضرورة التوفير، يبدو حمام السوق بالنسبة لكثيرين ملاذاً اقتصادياً وتراثياً في آن واحد، ومكاناً يجمع دفء الماء ودفء الذاكرة.
وبالرغم من تزايد الإقبال على الحمامات في الفترة الأخيرة، فإن مستقبل هذه المهنة مهدد بالزوال في ظل الظروف الاقتصادية المتدهورة، ليبرز السؤال الأهم الذي سنجيب عليه ضمن تقريرنا اليوم.. ما مدى قدرة هذه الحمامات على الصمود أمام تحديات الزمن؟
تكلفة أقل.. الحمام أوفر من البيت
حين يشتد برد الشتاء، وتعلو أرقام فواتير الكهرباء كأنها تتحدى قدرة البيوت على الاحتمال، يعود السوريون إلى طقسٍ قديم دافئ، إلى حمام السوق.
يروي أحمد بغجاتي (45 عاما) من حي القيمرية بدمشق، وهو رب أسرة من خمسة أفراد معاناته الكبيرة من نقص المياه وصعوبة تأمينها وتوفيرها للمنزل لغاية الاستحمام.
ويضيف بغجاتي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: "المياه لا تأتي إلا نادرا، والكهرباء أصبحت مكلفة جدا، تشغيل السخان في البيت بات عبئا، لذلك نأتي إلى حمام السوق مرة في الأسبوع، نظرا لانخفاض التكلفة".
تشاطر ربة المنزل غيداء الرز (55 عاماً) من حي القيمرية الدمشقي أحمد الراي، موضحة أن مسالة الذهاب إلى الحمام باتت ضرورة وليست رفاهية، مضيفة: "في السابق كنا نعتبر الحمام عادة قديمة، اليوم أصبح الحل البديل الوحيد لأزماتنا، لا نستطيع تسخين المياه في المنزل، خصوصا مع الأطفال".
من جهته، يشير الشاب خالد (28 عاماً) أحد أصحاب المحال التجارية المجاورة لحمام السلسلة الدمشقي إلى أن ارتفاع أسعار الكهرباء لعب الدور الأكبر في تغيير نمط الحياة اليومية، مبيناً أن فاتورة الكهرباء وحدها تكفي راتب أسبوع، وبات الذهاب إلى الحمام أوفر بكثير، حتى لو اضطررنا للانتظار.
خطوة غير مكتملة وأعباء إضافية
وقد أصدرت وزارة الطاقة السورية في أواخر تشرين الأول 2025، قرارين جديدين يحددان تعرفة الكهرباء للمشتركين في القطاعين العام والخاص، بمن فيهم المعفيون من التقنين، على أن يبدأ العمل بها مطلع تشرين الثاني.
ووفق القرارين، أصبحت التعرفة المنزلية بشريحتين:
الأولى: 600 ليرة سورية بين 1 – 300 كيلو واط ساعي للدورة.
أما الثانية: 1400 ليرة سورية لما فوق 300 كيلو واط ساعي.
كما أوقفت الوزارة مؤقتاً العمل بالتعرفة الثلاثية.
وزير الطاقة السوري المهندس محمد البشير وصف الخطوة بأنها بداية إصلاح منظومة الكهرباء، مشيراً إلى إجراءات لاحقة تشمل مشاريع توليد جديدة، وعدادات ذكية، وتحسين التحصيل، وتطوير شبكات النقل والتوزيع بما ينعكس على استقرار الخدمة، وأن التعديل يأتي ضمن خطة تحقيق الاستدامة وتحسين واقع الكهرباء في البلاد.
حمام السلسلة.. 925 عاماً من البخار والذاكرة الدمشقية
بعد 925 سنة على تأسيسه، ما يزال حمام "السلسلة" بحي القيمرية الدمشقي ينبض بالحياة، محافظاً على دوره كأحد أقدم الحمامات الدمشقية، ومساحة اجتماعية وسياحية تجمع بين التراث والواقع المعيشي الصعب.
مدير الحمام بسام كبب أكد في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن أزمة الجفاف ساهمت بعودة الناس إلى الحمامات، إثر نقص المياه في العاصمة دمشق والتقنين بها، الذي انعكس زيادة في الإقبال على الحمامات الشعبية، لتتحول مجدداً إلى حاجة يومية لا مجرد طقس اجتماعي.
ويضيف مدير الحمام: "يختلف حمام "السلسلة" عن غيره من الحمامات الأخرى بوجوده في منطقة سياحة دينية قرب الجامع الأموي، ما يجعله مقصداً لفئات متنوعة من الزوار، من سكان العاصمة وريفها إلى السياح.
عودة الزوّار بعد التحرير
غياب الحواجز الأمنية وعودة الأمان للبلاد سهّلا وصول أهالي الغوطة وريف دمشق، الذين يقصدون الحمام أسبوعياً، خاصة يوم الخميس، للاستمتاع بأجوائه وطقوسه، مدفوعين بالشعور بالراحة والطمأنينة، ضمن تجربة متكاملة من الصباح حتى منتصف الليل.
حيث إن الحمام يفتح أبوابه من التاسعة صباحاً حتى الثانية عشرة ليلاً، ضمن باقة من الخدمات تتنوع وفق حديث كبب بين: حمام عربي، ومساج وتكييس وليفة وصابونة وشامبو، ومشروبات ساخنة للضيافة (شاي وزهورات)، بالإضافة إلى معالج مختص بحالات التشنجات العصبية، وهي خدمة قديمة رافقت الحمام منذ بداياته، بينما شكل غياب الكهرباء عائقاً دون تشغيل "الساونا"، ليبقى البخار بديلاً تقليدياً يعيد الزوار إلى أجواء الماضي.
إلى جانب الاستحمام، يقدم الحمام الأراكيل والطعام، وتبقى المجدرة طقساً ثابتاً في تجربة الزائر، مع الحرص على حفظ الأمانات الشخصية ضمن صناديق خاصة لكل زبون.
زيارة بعد التحرير تحولت إلى عادة
يصف أحمد المسالمة، من محافظة درعا، وأحد زبائن حمام "السلسلة" الدمشقي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، تجربته مع حمامات السوق بعد فترة التحرير، مؤكداً أنها أصبحت وجهته الدائمة للاسترخاء وقضاء وقت مميز في أجواء دمشق القديمة.
يقول المسالمة: "بعد التحرير تمكنت من زيارة حمام السوق، ومنذ دخولي حمام السلسلة للمرة الأولى لم أقصد غيره، وبات وجهتي في كل مرة في الشهر، مشيراً إلى أن الأسعار داخل الحمام مقبولة مقارنة بالخدمات المقدمة، ما يشجع الزوار على تكرار التجربة دون تردد".
ويؤكد المسالمة أن ما يميز حمام السلسلة هو الألفة والمحبة والطمأنينة التي يشعر بها الزائر منذ لحظة دخوله، إضافة إلى الخدمات ذات الطابع المميز (VIP)، التي تلبي تطلعات الزبائن، وبأن الواقع عكس ما كان يتصوره عن أجواء حمامات السوق، من أجواء مريحة وتجربة تراثية أصيلة.
تسخين المياه… حمام الرجال يربح أما النساء خسارة حتمية
تسخن المياه اليوم عبر "الشوديرات"، بعدما كان يُستخدم نظام "الأميم" قديماً، ومع ارتفاع أسعار الحطب، عاد الجميع الى الاعتماد على المازوت، الذي وفق رواية مدير حمام السلسلة ارتفع سعر الليتر منه من 2900 ليرة مدعومة إلى 9000 ليرة سورية، أي بزيادة تجاوزت 300 بالمئة.
يشير كبب إلى وجود فجوة كبيرة في الكلفة، حيث إن استهلاك المياه لدى النساء أعلى بكثير، وكلفة حمام 50 رجلاً تعادل استهلاك 3 نساء فقط على حد تعبيره، أما عن كافة حجز خاص لـ 7 سيدات لثلاث ساعات يبلغ مليونا و200 ألف ليرة سورية (أي نحو 100 دولار)، ضمن استهلاك نحو 60 برميلاً من المياه الساخنة خلال ثلاث ساعات، ما دفع الإدارة للاكتفاء بالحجوزات الخاصة للنساء.
كلفة بسيطة مقارنة بدول الجوار
رغم ارتفاع التكاليف، لا تتجاوز كلفة الحمام للزبون 60 ألف ليرة سورية (نحو 5 دولارات)، وهي أقل بكثير من دول الجوار التي تصل فيها الكلفة إلى 15–20 يورو بحسب مدير الحمام، كما أسهمت حرية التنقل وسهولة التعامل بالعملات الأجنبية في إعادة النشاط للحمام، الذي يحتل اليوم المرتبة الثانية كوجهة سياحية بعد الجامع الأموي.
فرص عمل ومهنة متوارثة
وعن قدرة الحمام على استقطاب عمالة مستدامة أضاف كبب: يوفر الحمام بين 20 و 30 فرصة عمل، معظمها لأبناء معضمية القلمون، ممن توارثوا المهنة داخل العائلات،
وتتراوح أجور العاملين بين 300 و500 ألف ليرة سورية باليوم الواحد (أي ما بين 30 - 50 دولارا أميركيا) مقابل دوام نصف شهر.
كما يتميز حمام "السلسلة" باستقطاب سياح أجانب يصطحبون أبناءهم ليعيشوا تجربة دمشقية أصيلة، إلى جانب زوار عرب من فلسطين والأردن والعراق ولبنان.
تغير سلوك المستهلك السوري
مع الارتفاع المستمر في أسعار الكهرباء داخل سوريا، بات السوريون يعيدون حساباتهم اليومية المتعلقة باستهلاك الطاقة، وصولا إلى أبسط تفاصيل الحياة المنزلية، ومنها تسخين المياه.
يقدم الدكتور محمد الغريب، أستاذ التسويق في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا مقارنة بسيطة بين تكلفة تشغيل السخان الكهربائي وتكلفة الدخول إلى حمام السوق، كاشفاً عن تغير لافت في سلوك المستهلك.
وبحسب الغريب، تتراوح تكلفة دخول الشخص الواحد إلى حمام السوق بين 25 و30 ألف ليرة سورية، وقد تصل في بعض الحمامات إلى 50 ألف ليرة، في المقابل، فإن تشغيل السخان المنزلي لمدة ساعتين يستهلك بحدود 3.2 كيلو واط ساعي، وباعتماد أعلى شريحة سعرية للكهرباء (1400 ليرة للكيلو واط) تصل التكلفة إلى نحو 4480 ليرة فقط، أي أقل بكثير من تكلفة الحمام الشعبي، دون احتساب أجور المواصلات والوقت والجهد.
ويشير الغريب إلى أن ارتفاع أسعار الكهرباء دفع بعض المستهلكين إلى اعتبار حمام السوق خياراً ممكناً في فصل الشتاء، خاصة مع تضاؤل الفارق بين تكلفة تشغيل السخان والدخول إلى الحمام، ومع ما يمثله الحمام من طابع تراثي واجتماعي. لافتاً في الوقت ذاته الى أن هذا الخيار لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً، نظراً للفارق الكبير في التكلفة.
ومع ذلك، يؤكد الغريب أن ارتفاع أسعار الكهرباء دفع السوريين عموما إلى البحث عن بدائل، أبرزها:
▪️تقنين الاستخدام داخل المنزل وحساب تكلفة تشغيل كل جهاز بدقة.
▪️اللجوء إلى منظومات الطاقة الشمسية للتسخين أو لتشغيل أجزاء من المنزل، بهدف خفض فاتورة الاستهلاك.
ويخلص الغريب إلى أن تغير أسعار الكهرباء لم يؤثر فقط على النفقات، بل أعاد تشكيل سلوك المستهلك السوري ودفعه لإعادة التفكير في مصادر الطاقة المتاحة، بين الحمام الشعبي، السخان الكهربائي، والطاقة الشمسية.
مهنة تصارع الزمن وتحافظ على مكانتها السياحية
"مهنة حمامات السوق ليست مجرد عمل يومي، بل إرث عائلي توارثه الأبناء عن الأجداد والآباء، وقيمة تراثية وسياحية مهددة بالاندثار"، بهذه العبارات افتتح حسام حمّامي، مدير حمام البكري الدمشقي في حي القيمرية حديثه لموقع تلفزيون سوريا، مشيراً إلى تمتع حمام السوق بجانب سياحي مهم، ما جعله يستقطب زبائن من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، مع الحفاظ على عوامل النظافة، والاستقبال المريح، وجودة الخدمات، التي كانت السبب الأساسي في استمرار عمل الحمام ضمن أعلى درجات الأمان.
من 100 حمام إلى 7 فقط
يوضح مدير حمام البكري أن دمشق كانت تضم نحو 100 حمام سوق، لم يتبق منها اليوم سوى 7 حمامات فقط، مشيراً إلى أن موقع الحمام أصبح عاملاً حاسماً في استمراريته.
ويضيف: "حمامات النساء كانت تقام تقليدياً داخل الحارات الضيقة حفاظا على الخصوصية، بينما بقيت اليوم حمامات قليلة على الشوارع العامة، مثل حمام "نور الدين الشهيد" في البزورية وحمام "الملك الظاهر" وحمام "البكري".
خطر يهدد المهنة وتعاون للحفاظ عليها
يرى حمامي أن المهنة تواجه خطرا حقيقيا، لدرجة أن الحديث عنها اليوم يوحي وكأن أصحابها قادمون من زمن مختلف، مؤكدا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك الحمام، بل في الحفاظ عليه باعتباره قيمة أثرية لا يقدّرها إلا أصحابها.
ويشير مدير حمام البكري إلى وجود تعاون بين أصحاب الحمامات بوصفها وجهة سياحية طبيعية لزوار سوريا من العرب والأجانب، معتبرا أن هذه الحمامات كنز حقيقي يجب الحفاظ عليه لما تمثله من هوية ثقافية واجتماعية.
وحول تحديات العمل، يوضح حمامي أن تأمين مصادر الطاقة، وخاصة المازوت، كان من أبرز الصعوبات سابقا، إلا أن الوضع اليوم تحسن وأصبحت المواد متوفرة.
أما المياه، فيتم تأمينها عبر آبار مرخصة ضمن الحمام ومعروفة لدى الجهات المعنية، مشيرا إلى أن أزمة المياه دفعت كثيرين للعودة إلى حمام السوق لتلبية احتياجاتهم اليومية.
تسعيرة موحدة وخدمات متنوعة
يؤكد حمامي أن تسعيرة الدخول موحدة بين جميع حمّامات السوق، وتبلغ اليوم 50 ألف ليرة سورية (أي ما يعادل 5 دولارات) مقابل الخدمة الكاملة العادية، دون وجود رقابة رسمية، إذ تعتمد الرقابة على التزام أصحاب الحمامات أنفسهم بتسعيرة مدروسة تناسب مختلف الفئات.
ويضيف شارحاً الخدمات الجديدة: تم إدخال خدمات إضافية "إكسترا" مثل المساج، والسنفرة، وتنظيف البشرة، والحلاقة، إلى جانب توفير خدمة الإنترنت اللاسلكي (واي فاي)، وشاشات لمتابعة المباريات، والتدفئة.
قيمة بلا تصنيفات.. بديل للفنادق ووجهة اجتماعية
ويلفت حمّامي إلى أن حمام السوق أصبح ضرورة لكثير من زوار الفنادق التي تفتقر أحيانا إلى المياه الساخنة، ما يدفع نزلاءها لزيارة الحمّامات الشعبية، كما لا تزال الطقوس الاجتماعية حاضرة، مثل تجمعات تجار دمشق، وحمام العريس، وحجوزات الحمام بالكامل لمناسبات الخطبة والزواج، وبالكلفة نفسها دون تمييز.
ويختم حمّامي حديثه بالتأكيد على أن ما يميز حمامات السوق هو عدم وجود تصنيفات بينها، وتشابه الخدمات والأجواء، مع توافق كامل بين أصحابها على تسعيرة واحدة، بما يضمن استمرارية هذا الإرث الدمشقي العريق وخدمته لجميع فئات المجتمع.
مهنة شاقة فرضتها الظروف
يتحدث أحمد عجيلان، من معضمية القلمون وأحد العاملين في حمام "السلسلة" الدمشقي لموقع تلفزيون سوريا، عن مهنة حمامات السوق التي ورثها عن والده نتيجة ظروف الحرب وعدم استكمال التعليم، موضحاً أنه يعمل في هذا المجال منذ عام 2016، لكنه لا يشجع أبناءه على امتهانها ويفضل توجههم للدراسة.
ويؤكد عجيلان أن المهنة متعبة، مع دوام يومي يصل إلى 18 ساعة، ودخل لا يتناسب مع الجهد المبذول، إضافة إلى صعوبة التعامل مع الزبائن بمختلف طباعهم، وضرورة تقديم الخدمة للجميع بالمستوى نفسه، ما يتطلب صبراً طويلاً وقدرة على التحمل.
ويشير عجيلان إلى أن سنوات العمل السابقة رافقتها مخاوف من الملاحقات الأمنية من قبل رجال النظام المخلوع، وكان الحمام آنذاك ملاذاً آمناً للعاملين، مؤكداً أن الأوضاع اليوم أكثر طمأنينة، رغم استمرار صعوبة ظروف العمل.
30 عاماً من العمل وسط البخار
يروي حسن الشهاب، من معضمية القلمون، وأحد العاملين في حمام البكري في حي القيمرية الدمشقي لموقع تلفزيون سوريا، تفاصيل تجربته الممتدة مع مهنة حمامات السوق، التي شكلت مصدر رزق وإرثاً اجتماعياً لعدد كبير من أبناء المنطقة.
يعمل الشهاب في هذه المهنة منذ نحو 30 عاماً، مشيراً إلى أن لكل عمل مصاعبه ومتاعبه، أبرزها التعرض للبخار لساعات طويلة تصل إلى نحو 14 ساعة يومياً، ما يشكل عبئاً صحياً وجسدياً على العاملين.
يعمل حمام البكري من الساعة العاشرة صباحاً حتى الثانية عشرة ليلاً بشكل يومي، ضمن فترتي عمل و20 عاملاً فقط، وهنا يلفت الشهاب إلى أن الأجور لا تتناسب مع حجم التعب المبذول، لكنها تحدد وفق قدرة رب العمل على الدفع في ظل الظروف الحالية.
رغم حبه للمهنة، لا يشجع الشهاب أبناءه على العمل فيها، مشدداً في الوقت نفسه على أن المهنة ليست في خطر، مع استمرار أصحاب الحمامات في العمل وسط أجواء من الألفة والكرم وحسن الاستقبال، داعياً إلى إعادة النظر في أوضاع وأجور العاملين وتحسينها، بما يضمن مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، ويحافظ على هذا الإرث الدمشقي العريق.
لماذا امتهن أهالي معضمية القلمون المهنة؟
يجيب الشهاب قائلاً: "إن سبب امتهان أهالي معضمية القلمون الشرقي لهذه المهنة يعود إلى امتلاكهم سابقاً عدداً من حمامات دمشق، مثل: "حمام الورد، وحمام أمونة، وحمام القيمرية، وحمام الشيخ رسلان، وانصراف أصحابها للعمل بالزراعة دفعهم لاحقاً إلى بيعها والعودة إلى الريف، بينما بقيت المهنة مصدر عمل لعدد كبير من أبناء المنطقة".
الحمامات الدمشقية… ذاكرة مدينة تواجه خطر الاندثار
هذه الحمامات لم تكن مجرد مكان للاستحمام، بل فضاء اجتماعي وثقافي يُقام فيه حمام العريس والعروس، وحفلات التعارف النسائية الممزوجة بالغناء والولائم.
يعود الباحث التاريخي وعضو اتحاد الكتاب العرب أكرم الصالح الحسين بذاكرته إلى مراحل ازدهار الحمامات خلال العصور الإسلامية، بدءاً بالعصر العباسي وصولاً إلى العثماني، حيث ازدهر حضور الحمامات، لتغدو رمزاً من رموز دمشق وشاهداً حياً على فن العمارة الدمشقي، بزخارفه ونقوشه التي صمدت قروناً طويلة.
ووفق حديث الحسين لموقع تلفزيون سوريا لم يقتصر دور الحمامات على الجانب الاجتماعي، بل كان لها حضور ثوري أيضاً، إذ تحولت بعضها إلى مكان سري يجتمع فيه رجال دمشق خلال فترة العثمانيين والانتداب الفرنسي لتنسيق نشاطات الثورة بعيداً عن أعين الرقابة.
ويستدرك الحسين واصفاً حال الحمامات اليوم: "أما اليوم، فما تبقى من هذه الحمامات مثل حمام البكري والقيمرية ونور الدين والظاهر داخل أسوار المدينة القديمة، أضحى معلماً أثرياً يقصده السياح، ولا يزال بعضها يحافظ على أساليبه التقليدية وحتى استخدام الأخشاب في تسخين المياه.
يحذر الباحث التاريخي من تراجع عدد الحمامات في دمشق، ووصوله إلى عدد محدود بينما كان نحو 130 حماماً، ما ينبئ بخسارة ما تبقى إذا استمرت قلة الإقبال وتراجع العائد الاقتصادي.
ويؤكد الحسين ضرورة دعم وزارات السياحة والثقافة والآثار لهذه المنشآت، بالتنسيق مع مالكيها، لمنع تحولها إلى مشاريع تجارية كالمقاهي والمطاعم على غرار ما حدث مع بيوت دمشقية تراثية عديدة، ويرى أن الحفاظ على الحمامات ليس مجرد حماية لحجارة قديمة، بل صون للهوية الثقافية ولتراث يعكس الحضارة العربية والإسلامية، ويستحق البقاء للأجيال القادمة، مبيناً أن مستقبل هذه المعالم مرهون بمدى قدرة الجهات المعنية على تأمين الدعم والتوازن الذي يحمي ذاكرة دمشق من الاندثار.
استراتيجية وطنية لحماية التراث السوري
وفي محاولة منها لرسم خريطة طريق تحفظ ما تبقى من الذاكرة السورية، أعلنت المديرية العامة للآثار والمتاحف بالتعاون مع مؤسسات وخبراء دوليين، بتاريخ 17 تشرين الثاني، إطلاق استراتيجيتها الوطنية 2025–2035 لحماية التراث السوري.
المدير العام للآثار والمتاحف أنس حج زيدان أوضح حينها أن الاستراتيجية هي نتيجة ورشات عمل موسعة اعتمدت تحليل SWOT لتشخيص واقع القطاع وصياغة رؤية تمتد لعشر سنوات تركز على: تحديث القوانين، وتمويل مستدام، وإدارة علمية للمواقع، وتأهيل المتاحف.
وتستند الاستراتيجية وفق زيدان إلى ثلاثة مفاتيح للنجاح: تمويل دولي، ومشاركة مجتمعية، ورقمنة شاملة للتراث، إلى جانب نظام متابعة يضمن تنفيذ الخطط على الأرض.
Loading ads...
ويؤكد زيدان أن حماية التراث ليست مجرد صيانة حجارة، بل استثمار في الهوية والاقتصاد والسياحة الثقافية إنها محاولة لإعادة وصل السوريين بتاريخهم كي لا يصبح جزء منه مجرد ذاكرة على الرف.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

