10 أيام
تبعثر الوثائق الأمنية السورية.. أزمة الذاكرة والعدالة بعد السقوط
الثلاثاء، 28 أبريل 2026
تبعثرت في كل مكان ملايين الوثائق من المؤسسات والأفرع الأمنية والمعتقلات والسجون، مع تبخر النظام المخلوع بكل قواته وعناصره، في اللحظة الفارقة التي لم ينسها السوريون في كانون الأول/ديسمبر 2024.
وهي اللحظة ذاتها التي ضاعت فيها تلك الوثائق في فوضى الفرح، وكانت كنزاً لا يُقدّر بثمن، ومباحاً في آنٍ معاً لكل من وصل أولاً أو حتى لاحقاً. فالتاريخ هنا توقف عند الخامسة وبضع دقائق من يوم الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ولم يتحرك إلا بعد أن باتت كل المقرات مجرد جدران تختزن آلاف الآلام، وتخفي ذاكرة مئات آلاف الأرواح المعذبة، بلا وثيقة أو ورقة تثبت أن هناك من مرّ هنا واختفى.
شكّلت وثائق النظام المخلوع، الأمنية منها على وجه الخصوص، سلعة تتبادلها وسائل الإعلام وبعض الجهات الحقوقية التي تصدر تقارير وتحقيقات استقصائية بشكل متقطع، في محاولة للقول للذاكرة إنه لا مكان للنسيان. لكن المحاسبة والتوثيق القانوني ما زالا غائبين وتائهين.
ظلّت سرقة الوثائق، أو الاستحواذ عليها، أو الاستفراد بها، مباحة وممكنة لأشهر. فمن تمكن من الوصول إلى تلك الأفرع والمعتقلات مبكراً، فقد حظي بما حظي، ومن فاته ذلك، بقيت لديه إمكانية الوصول المتقطع والمحدود لأشهر، قبل أن يُغلق الملف (كما كان يُظن) ببلاغين من وزارة العدل في 15-12-2025، تلاه بيان آخر من وزارة الداخلية في 27-1-2026، دعا فيهما إلى ضرورة تسليم الوثائق للحكومة السورية، مع تحذير مغلّظ من نشر مضمون هذه الوثائق أو المعلومات الرقمية عبر أي وسيلة، بما في ذلك الوسائل الإعلامية والإلكترونية، إذ يُعرّض مرتكب المخالفة للمساءلة القانونية أمام المحاكم السورية.
بقي البيانان حبراً على ورق. فقبلهما، وما بينهما، وما بعدهما، وحتى الآن، تباغت الوثائق السوريين بتجديد الألم؛ تجديد لا علاج له، كونها صادرة عن أشخاص وصفحات، وكثير من الوسائل الإعلامية، التي تنشر تفاصيل مهولة تحتاج إلى إطار وأسس قانونية لحفظها وتبويبها وتنظيمها وترتيبها، لبناء قضايا المحاسبة، وهذا أقل المطلوب.
ويبرز الأثر الأكبر في الوثائق التي تتضمن أسماء وصور معتقلين ومغيبين قضوا تحت التعذيب، في ما وُصف بـ"بيروقراطية الموت"، كما أطلق عليه تحقيق استقصائي كبير حمل عنوان "وثائق دمشق".
اليوم، وبعد نحو 17 شهراً على السقوط، تتحول المسألة من ما كان يُفترض جمعه أو، على أقل تقدير، ردع من يملكه عن نشره، لتعود تسجيلات جديدة إلى العلن. وهذه المرة من سجن صيدنايا، في مقاطع توثق أوضاع المعتقلين هناك.
إن تبعثر الوثائق لا يشكّل أزمة دليل إدانة فحسب، بل يشكّل أيضاً أزمة سيادة وعدالة وذاكرة.
وفي تقرير سابق للمعهد العربي في واشنطن، قال الباحثان في جامعة جورج تاون، مروة داودي ونور الدين جبنون، إن مثل هذه الاكتشافات تقدم لمحة عن العمليات الداخلية لنظام الأسد، وإن الحفاظ على هذه الأرشيفات أمر ضروري لمستقبل سوريا، حيث يمكن أن تكون أساسًا للعدالة الانتقالية، وتعزيز المساءلة والمصالحة.
ووفقًا للباحثين، لا توثق هذه السجلات القرارات البيروقراطية فحسب، بل تؤرخ أيضاً للعنف المنهجي والمعاناة الإنسانية التي تكبدها السوريون لأكثر من خمسة عقود في ظل سلالة الأسد.
إن حماية هذه الوثائق وتنظيم الوصول إليها يطرحان تحدياً مباشراً أمام أي حكومة سورية، في ظل مخاطر الاستغلال والتسييس أو الترحيل غير المصرّح به. وتقدم تجارب العراق وليبيا أمثلة تحذيرية واضحة، حيث خرجت الأرشيفات عن نطاقها الوطني واستُخدمت سياسيًا، بما قوض الثقة بالمؤسسات الجديدة.
Loading ads...
وبذلك، يصبح التعامل مع الوثائق اليوم اختبارًا لشرعية الدولة الناشئة، ولمدى قدرتها على حفظ الذاكرة بوصفها حقًا عامًا وأداة للعدالة، لا مادة للتوظيف أو تصفية الحسابات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




