لم يعد الوجود السوري في مصر محكوماً بحدود الزمن المؤقت، بل بات معلقاً على هامش انتظار طويل، تتآكل فيه فكرة الاستقرار يوماً بعد يوم. فبين إقامة قابلة للانتهاء في أي لحظة، وحملات أمنية تعيد الخوف إلى الواجهة، يعيش آلاف السوريين حالة من القلق الدائم، تتحكم في تفاصيل حياتهم اليومية، من التخطيط للمستقبل إلى أبسط قرارات الخروج والعمل. هذا التقرير يرصد كيف تحوّل "المؤقت" إلى نمط حياة كامل، وكيف ينعكس ذلك على السوريين في مصر، نفسيًا واجتماعيًا وإنسانيًا.
يصف سامي الأحمد (42 عاما)، وهو أب لثلاثة أطفال يقيم في مدينة السادس من أكتوبر منذ سبع سنوات، هذا الإحساس بقوله إنه يتعامل مع منزله كما لو كان غرفة انتظار، لا بيتا دائما، لم يعلق اللوحات على الجدران، ولم يستطع تخيل شكل حياته بعد سنوات، لأن فكرة الرحيل بقيت حاضرة في وعيه، حتى في أكثر الفترات هدوءا كان الخوف يلازمه.
زمن هش لا يسمح بالتخطيط
في حياة السوري، لم يعد الزمن خطا مستقيما يمكن البناء عليه، بل مساحة هشة مليئة بالاحتمالات.
التخطيط للمستقبل، الذي يفترض أن يكون فعلا طبيعيا، تحول إلى عبء نفسي ثقيل، فكل قرار طويل الأمد يحمل في داخله سؤالا مقلقا: ماذا لو لم استطع الاستمرار؟
مروان خسارة ( 27 عاما)، شاب يعمل في ورشة نجارة، كان قد التحق بدراسة جامعية قبل سنوات، لكنه انسحب منها لاحقا، لم يكن السبب ضعف الإمكانات أو غياب الطموح، بل شعوره بأن أي مشروع يحتاج إلى سنوات من الاستقرار هو مغامرة خاسرة، يقول إن فكرة البدء ثم التوقف القسري كانت أقسى عليه من فكرة عدم البدء أساسا.
الخوف كمنظم غير معلن للحياة اليومية
مع تصاعد الحملات الأمنية في الآونة الأخيرة، عاد الخوف ليحتل موقعا مركزيا في تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد شعورا مؤقتا، بل أصبح منظما غير معلن للسلوك اليومي، مواعيد الخروج، طرق التنقل، وحتى أماكن الجلوس في المواصلات، كلها تخضع لحسابات دقيقة.
فادي عامر ( 35 عاما)، يعمل في محل تجاري وسط القاهرة، بات يخرج إلى عمله في ساعات مبكرة جدا، ويختار طرقا أقل ازدحاما، يصف هذا النمط من الحياة بأنه مرهق، ليس جسديا فقط، بل نفسيا، لأن العقل يبقى في حالة تأهب دائم، وكأن الخطر قريب حتى في الأيام العادية.
الشباب السوريون المنتهية إقاماتهم أو ينتظرون تجديدها، هم الأكثر تضررا من حالة العيش المؤقت، فهذه المرحلة العمرية يجب أن تكون مخصصة لبناء الذات، واتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالدراسة والعمل والزواج، إلا أن كثيرين يعيشون حالة " تعليق الحياة"، حيث يتم تأجيل الدراسة وقرارات أخرى لحين الحصول على إقامة، خصوصا مع وجود الحملات الأمنية المكثفة.
علاء الحربي ( 19 عاما) سوري في السنة الأولى من الجامعة، لا يستطيع الحضور إلا عبر " الأونلاين" لأن بيان القيد الذي عن طريقه سيستطيع الحصول على إقامة لا يمكن الحصول عليه إلا مع نهاية الفصل الأول، وهو ما جعله يتأخر عن تجديد الإقامة.
يقول علاء، أخاف النزول إلى الجامعة من دون إقامة، سيتوقف مستقبلي بكامله إن ترحلت إلى سوريا، بنيت هنا حياتا مع عائلتي واختر الفرع الذي حلمت به في الجامعة.
النساء.. إدارة القلق بصمت
تعيش النساء السوريات في الآونة الأخيرة قلقا مركبا، يتجاوز الخوف الشخصي إلى الخوف على الأسرة بكاملها، فإلى جانب أدوارهن اليومية، يتحملن عبء الحفاظ على التماسك النفسي للأسرة، وإخفاء القلق عن الأطفال، حتى في أكثر اللحظات توترا.
ومع تزايد وتيرة الحملات الأمنية، تبقى النساء العنصر الأكثر قلقا، حيث هناك من تخاف على زوجها، وأخرى تقلق على ابنها أو أخيها.
علياء أبو زيد ( 37 عاما) مقيمة في منطقة جسر السويس منذ 9 سنوات تقول، قد أظن أنني قد نسيت الخوف عندما خرجت من سوريا، ولكن اليوم كلما خرج زوجي إلى العمل تجدد شعوري بالقلق، لديه بطاقة لجوء ولكنه ما يزال ينتظر موعد تجديد الإقامة وهو بعد ثلاثة أِشهر، وأخاف أن يتم ترحيله فجأة، نحن هنا لا نملك معيلا غيره، وفي سوريا لا يوجد لدينا منزل ولا عمل ولا عائلة.
الأطفال وتطبيع الخوف اليومي
الأطفال السوريون في مصر ينشؤون في بيئة لا تعلن الخوف، ولكن مؤخرا باتت تمارسه يوميا، يسمعون كلمات مثل " إقامة" و " حملة" و" توقيف" من دون أن يفهموا معناها الكامل، لكنهم يدركون أنها مرتبطة بالقلق والصمت والتوتر.
ليان ( 9 أعوام) باتت تسأل والدتها في كل مرة يخرجون فيها من المنزل إن كانوا سيعودون في اليوم نفسه، هذا السؤال البسيط يعكس كيف يتحول القلق إلى جزء من وعي الطفل، وكيف يتشكل إحساس مبكر بعدم الأمان، قد يرافقه لسنوات.
لماذا لا يعود السوريون إلى بلادهم؟
بعد أكثر من عام على سقوط النظام، تقلصت أعداد السوريين المقيمين في مصر وعاد عدد كبير منهم إلى بلادهم، ولكن هناك عدد من العوائق ما يزال يقف عائقا أمام عودة من قرر الاستقرار في سوريا.
ومن أهم هذه العوائق، انتظار نهاية العام الدراسي، لكي لا يخسر الطلاب عاما جديدا، وتأمين مبلغ من المال يساعدهم على البدء من جديد.
كما أن هناك آلاف من العائلات تدمرت منازلهم من جراء الحرب، ولا يوجد لديهم خيار سوى الانتظار في مصر، وهو ما يؤجل عودة البعض.
جيلان جمسل، سورية مقيمة في حي الشيخ زايد تقول لموقع تلفزيون سوريا إن العودة ليست سهلة كما يظنها بعضهم، فكرة أن أهد كل شيء قمت بتأسيسه لعائلتي خلال سنوات، وأبدأ من الصفر للمرة الثانية، هي صعبة للغاية.
تضيف جيلان، حتى من يقرر العودة يحتاج لوقت طويل لترتيب أوضاعه و بيع أثاث منزله و نقل حياته بكاملها مرة أخرى.
Loading ads...
في النهاية، لا يطرح السوريون في مصر سؤال الإقامة فقط، بل سؤال المعنى الإنساني للحياة، كيف يمكن لإنسان أن يبني مستقبلا وهو لا يعرف إن كان سيسمح له بالبقاء؟ حين يتحول المؤقت إلى دائم، لا يعود المكان وحده المشكلة، بل الزمن نفسه، زمن عالق في انتظار طويل، يستهلك العمر بصمت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




