يواجه المجتمع السوري تحديات كبيرة، في مرحلة ما بعد الأسدية، وتبرز إشكالياتها المعقدة، مع تقدم عملية التعافي المأمولة، كما يفترض، خلال المرحلة الانتقالية، في مختلف المسارات، دون استثناء، ضمن عملية إعادة البناء التي تستوجب أولاً العمل على إعادة بناء الإنسان السوري، بوصفه مواطناً في بلد يتطلع لأن يكون القانون فيه هو المرجع الأساسي لدور السلطة، وعلاقتها مع المجتمع، عبر المؤسسات، وقوى المجتمع المختلفة والمتعددة.
تأخذ العملية الثقافية هنا دوراً محورياً في إعادة البناء مجدداً، مثلما تشكل تحدياً كبيراً لكل من السلطة، وقوى المجتمع باختلاف تياراتها، وانتمائها. وهي اليوم تسجل حضورها في الفضاء العام، في صورة صراع مفتوح بين ما يمكننا تسميته بالتيارات الثقافية داخل المجتمع السوري: صراعٌ تفرضه قوى/ تيارات تسعى إلى احتلال المجال العام، في مواجهة التعدد، والانفتاح، والحوار والاعتراف المتبادل، وهي القيم التي سادت في سوريا خلال قرن مضى، على الرغم من الحقبة الأسدية القاتمة.
لا يمكننا النظر الى إعادة الإعمار، على أنه سياق متعلق بالسكن والبنى التحتية للمدن والبلدات المدمرة، فحسب، وإنما هناك جانب آخر يتعلق بالمواطن، فهو من أكثر أسس البنى التحية ضرورة، ويجب أن يأخذ أولوية، لا تقل أهمية عن أي مسار آخر، كالتربية والتعليم والصحة، وغيرها. ذلك يعني أن الثقافة، تلعب دوراً فعالاً ومؤثراً في سوريا الجديدة، وهو دور غير منوط "بالدولة ومؤسساتها" وحدها فحسب، وإنما بالمجتمع وقواه المدنية، من مؤسسات ومنظمات، بما في ذلك المنتج الثقافي الذي يمثل صانعوه رافعة التغيير، وإعادة البناء، أي الكتّاب والفنانون، المبدعون والعاملون في المجال الثقافي، إن التعاون البّناء، هو ما يُفترض أن يقود الى التغيير المتوقع.
يأخذ العمل الثقافي الراهن أهميته من المهام المنوطة به، خارق سياق السلطة، ودون تدخل منها، وهنا مكمن قدرته على التأثير، من خلال جوانب عديدة، كالعمل على التخفيف من آثار سنوات الحرب، وانعكاساتها اللامادية العميقة على المجتمع السوري، والتي يمكن تلمسها في الإنقسام المجتمعي الحاد، وفي غياب الحوار، وارتفاع مؤشر العنف، عند الأزمات.
تعدّ سوريا واحدة من البلدان العربية، ذات التنوع العرقي، والديني، والمذهبي، وهذا يشكل امتيازاً في حقيقة الأمر، ضمن سياق الثقافة العربية، التي تسود المنطقة. لكن هذا التنوع، الذي ظل عامل إثراء ثقافي واجتماعي، أصيب بعطب بالغ، من جرّاء سياسات الإتباع القسري، والتمييز الحادّ، التي انتهجها النظام المخلوع، خدمة للاستبداد والديكتاتورية، ومع الثورة السورية، تجذّر التمايز الثقافي، ليتحول الى انقسام كبير، يحتاج اليوم إلى استراتيجيات للعمل الثقافي لإعادة بناء المجال العام، على أسس الحوار والمصالح والهوية المشتركة، والعمل على الحدّ من الصراعات والتجاذبات، ذات الطبيعة الثقافية، والتي باتت تؤرق السوريين بصورة جدية، أكثر من أي وقت مضى!
لم يكن المجتمع السوري، حاضناً للانقسام، أو العنف، أو منتجاً للتشدد، بالصورة التي لمسناها خلال سنوات الثورة، حتى اليوم، وعلى الرغم من تفاقم ذلك، بشكل كبير، فإن السلطة الأسدية، هي التي أنتجت العنف في المجتمع منذ 1970، وهي من ساهم في توفير الظروف التاريخية والاجتماعية والأمنية لتوطين التشدد، بعد أن كانت جزءاً من صانعيه، ودولة عبور، وداعمة له منذ نهايات القرن العشرين.
لقد أدت سياسات القمع والحرمان من الحقوق، الى تراجع الاعتدال والتسامح بوصفه سمةً سورية، في ظل التنوع. وقد شهدت سنوات الثورة، نموّاً مؤثراً للتشدد، طال المشهد الثقافي بصورة خاصة، في سعي لتفكيك القيم، والأفكار، والمعطيات الثقافية، عبر منع ظهورها، والحدّ من انتشارها الى درجة المنع والتحريم.
تتمثل مؤشرات الصراع، بين الاعتدال والتشدد، بين الواقعي، وبين المتخيل، في ظل استيراد أفكار تواصل نهج التحريم والتحليل لما تراه قوى التشدد، ضرورة في مرحلة ما بعد سقوط الأسدية. ووفقاً لتصورها الخاص بطبيعة دورها، تعمل على احتلال الفضاء العام، نحو السلوك والمظاهر العامة التي تريد فرضها على المجتمع السوري. ويشكل الإقصاء، واحداً من أهم مؤشرات هذا الصراع، وأداته التي تمكنهم من السيطرة على المجتمع وتوجيهه.
كانت وما تزال الأفكار، والجماعات المتشددة، هي التي تختلق الاختلافات، وتخوض معاركها ضد المجتمع السوري، مستهدفة المجال الثقافي، والتربوي والتعليمي بصورة واضحة، ومخيفة، باعتبارها تستهدف الجيل الناشئ في سوريا، مثلما تستهدف مؤسسات العمل الثقافي المدني، وتسعى لإجهاض حركته، وبالتالي استبعاد وجوده وتأثيره، وهذا في الواقع، ما يشكل خطراً حقيقياً على المجتمع السوري.
تنوء المرحلة الانتقالية، بأعباء جسيمة، بسبب الظروف الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد، والتي تجعل من أي اتجاهات للعمل الثقافي تبدو وكأنها أمر زائد، لا يجب النظر إليها أو التوقف عندها. لكن التيار المتشدد، لا يقف عند حدود معلومة في خلق المواجهات، وإشعال الأزمات في الفضاء العام، من التدخل في الشؤون الخاصة للأفراد والمجتمع، إلى استخدام المنابر الثقافية (والدينية باعتبارها مصدراً من مصادر العمل الثقافي الاجتماعي) وتوظيفها بما يعزز الانقسام في المجتمع السوري، وتأليب جماعات ضد أخرى.
لا يبشر الواقع السوري، بأن التعافي قاب قوسين أو أدني، وفي أن الصراع سوف ينحسر قريباً. على العكس من ذلك سيستمر في الصعود، وسوف نشهد المزيد من جولات المواجهة الثقافية، كما حدث خلال الأيام الماضية، وسوف تواصل تحديها للمجتمع السوري، حيثما أمكنها ذلك، باعتبار أن المجال الثقافي هو الخاصرة الأضعف في سوريا.
التعافي يحتاج إلى تغيير المعادلة، من الطبيعي أن يرى الجميع في سوريا، أنه من حقهم العمل والتنشيط في المجال الذي يعنيه: سياسياً أم دينياً، أم ثقافياً. وهذه واحدة من ثمرات نضال السوريين وثورتهم من أجل الحرية. لكن غياب القانون الذي يصون حقوق الجميع، يجعل من التعافي، أمراً بعيد المنال، طالماً أن الحريات العامة، والخاصة تخضع للتهديد، وأن قيم المجتمع تتعرض للتحريف، من دون أن يكون هناك ما يحدّ من نشر ثقافة التشدد.
تتحمل السلطة جزءاً من مسؤولياتها في مواجهة التشدد، وفي محاولة جماعات موالية لها، مصادرة الفضاء العام، وفي استخدام المرافق العامة لبث خطاب يقوم على الإقصاء: المساجد، المراكز الثقافية، دور النشر، ومعارض الكتاب، وفرض أنشطة معنية، ومنع أخرى.
Loading ads...
نجاة السوريين ونهضتهم، لا تتحقق إلا في ظل إعادة بناء الإنسان، وأن تشكل الثقافة، بكل ما تحيل إليه وتعنيه هذه الكلمة من معانٍ، أساساً طبيعياً لذلك.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


