لم تعد ليبيا مجرد ساحة نزاع داخلي أو ملف خارجي ثانوي في حسابات السياسة التركية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات حساسية في معادلة الأمن القومي التركي، وإلى اختبار حقيقي لقدرة أنقرة على إدارة التوازن بين الدبلوماسية والقوة، وبين الواقعية السياسية وحماية المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد.
فالتطورات الأخيرة، سواء على مستوى الانفتاح الدبلوماسي أو القرارات العسكرية، تكشف بوضوح أن تركيا تنظر إلى ليبيا باعتبارها جزءاً من فضاء جيوسياسي أوسع يمتد من شمال إفريقيا إلى شرق المتوسط، لا كساحة نفوذ ظرفية أو ورقة تفاوض مؤقتة.
أظن أن اللقاءات رفيعة المستوى التي استضافتها أنقرة مع شخصيات عسكرية بارزة من شرقي ليبيا تحمل رسائل سياسية عميقة تتجاوز بعدها البروتوكولي، فهي تعكس قناعة تركية بأن أي حل سياسي قابل للحياة لا يمكن أن يقوم على الإقصاء أو الرهان على طرف واحد..
التحرك التركي بات أكثر نضجًا وبراغماتية مقارنة بالمراحل السابقة، فأنقرة التي ارتبط اسمها لسنوات بالحكومات الشرعية في طرابلس، بدأت اليوم تتعامل مع الواقع الليبي كما هو، لا كما تريده بعض العواصم الغربية أو الإقليمية، وهو ما يفسر، في اعتقادي، انفتاحها المدروس على فاعلين رئيسيين في شرقي ليبيا مثل صدام حفتر، ليس بدافع تغيير التحالفات، بل بهدف توسيع هامش المناورة السياسية ومنع اختزال مستقبل البلاد في معادلة صفرية بين طرفين متنازعين.
في هذا السياق، أظن أن اللقاءات رفيعة المستوى التي استضافتها أنقرة مع شخصيات عسكرية بارزة من شرقي ليبيا تحمل رسائل سياسية عميقة تتجاوز بعدها البروتوكولي، فهي تعكس قناعة تركية بأن أي حل سياسي قابل للحياة لا يمكن أن يقوم على الإقصاء أو الرهان على طرف واحد، بل على إشراك مختلف مراكز القوة المؤثرة على الأرض، وهو ما يمنح تركيا، في رأيي، موقعاً متقدماً كلاعب توازني قادر على التحدث مع الجميع، من دون أن يتخلى عن ثوابته الأساسية.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا الحراك الدبلوماسي عن قرار الحكومة التركية التقدم إلى البرلمان بطلب تمديد تفويض القوات المسلحة التركية في ليبيا، فأعتقد أن هذا القرار يعكس إدراكاً عميقاً لدى صانع القرار التركي بأن الاستقرار في ليبيا لا يمكن حمايته بالبيانات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى مظلة أمنية حقيقية تمنع انهيار التوازن الهش الذي تحقق بعد سنوات من الصراع، وتحد من احتمالات عودة البلاد إلى المواجهة المسلحة في ظل استمرار الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي.
وأرى أن الوجود العسكري التركي، كما تطرحه أنقرة رسمياً، لا يقوم على منطق السيطرة أو فرض الأمر الواقع، بل على منطق الردع الوقائي، أي منع الفراغ الأمني ومنع القوى المسلحة غير النظامية والتنظيمات الإرهابية من إعادة خلط الأوراق، وهو ما تعتبره تركيا جزءاً مباشراً من أمنها القومي، خصوصاً في ظل التهديدات المرتبطة بالإرهاب العابر للحدود، والهجرة غير النظامية، وشبكات الاتجار بالبشر التي تتخذ من الساحل الليبي نقطة انطلاق رئيسة.
في تقديري، يخطئ من يختزل السياسة التركية في ليبيا في بعدها العسكري فقط، فالبعد الأعمق والأكثر حساسية يرتبط باتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، وهي اتفاقية لم تعد مسألة قانونية تقنية فحسب، بل تحولت إلى عنوان صريح للصراع الجيوسياسي في شرقي المتوسط، وأرى أن تمسك أنقرة بهذه الاتفاقية رغم الضغوط اليونانية والأوروبية يعكس قناعة راسخة بأن ليبيا تشكل ركيزة أساسية في معركة الطاقة والحقوق السيادية وإعادة رسم موازين النفوذ البحري في المنطقة.
أظن أن الموقف اليوناني المعارض لهذه الاتفاقية، ومحاولاته المستمرة للطعن بشرعيتها، يكشف في جوهره عن صراع نفوذ أكثر مما يعكس خلافاً قانونياً حقيقياً، وفي هذا الإطار فإن الردود الصادرة عن مؤسسات ليبية رسمية، والتي تؤكد على السيادة الوطنية ورفض أي تدخل خارجي في القرارات السيادية، توفر في رأيي غطاءً سياسيًا مهمًا للموقف التركي، وتمنح أنقرة شرعية إضافية في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية.
ومن زاوية أوسع، أرى أن السياسة التركية في ليبيا تقوم على مسارين متوازيين ومتكاملين، مسار دبلوماسي مرن يسعى إلى إشراك جميع الأطراف الليبية في عملية سياسية جامعة، ومسار عسكري ردعي يهدف إلى حماية هذا المسار ومنع انهياره، وهذه المقاربة المزدوجة قد لا تكون خالية من المخاطر أو الانتقادات، لكنها تعكس في تقديري محاولة واعية للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازن، ومن رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي طويل الأمد.
أنقرة تدرك جيداً أن ليبيا لن تشهد استقراراً سريعاً أو سهلاً، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بناء نفوذ طويل الأمد قائم على الشراكة لا على الهيمنة..
أنقرة تدرك جيداً أن ليبيا لن تشهد استقراراً سريعاً أو سهلاً، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بناء نفوذ طويل الأمد قائم على الشراكة لا على الهيمنة، وعلى المصالح المتبادلة لا على الصفقات المؤقتة، وهو ما يفسر حرصها على الجمع بين الشرعية البرلمانية الداخلية في قراراتها العسكرية، والشرعية القانونية الدولية في اتفاقياتها الثنائية.
Loading ads...
وفي المحصلة، تركيا لا تسعى في ليبيا إلى مكاسب آنية أو انتصارات إعلامية، بل إلى ترسيخ معادلة توازن تخدم وحدة ليبيا واستقرارها من جهة، وتحمي المصالح الاستراتيجية التركية شرقي المتوسط من جهة أخرى، وهي معادلة ستظل، في تقديري، عنصراً محورياً في السياسات الإقليمية خلال السنوات المقبلة، سواء نجحت المسارات السياسية الحالية أم تعثرت، لأن ليبيا بالنسبة لأنقرة لم تعد خياراً سياسياً قابلاً للتراجع، بل ضرورة استراتيجية مرتبطة مباشرة بمفهوم الأمن القومي ومكانة تركيا الإقليمية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



%20(1).jpg)

