2 أشهر
الذهب يربح رهان القرن بـ250 ضعفاً… هل يعيد تشكيل خريطة المال؟
الخميس، 29 يناير 2026

قفز سعر الذهب من 4 آلاف دولار إلى أكثر من 5 آلاف للأونصة خلال أقل من 4 أشهر، وهي أسرع وتيرة ارتفاع منذ عام 1979
شهدت الأسواق العالمية منذ مطلع عام 2026 تحولات مالية غير مسبوقة، تصدّرها الارتفاع القياسي في أسعار الذهب، الذي عاد ليتربع على عرش الأصول الآمنة في لحظة عالمية شديدة الاضطراب.
هذا الصعود لم يكن وليد عامل واحد، بل جاء نتيجة تراكب عوامل جيوسياسية واقتصادية ونقدية، في مقدمتها السياسة الأمريكية، وتآكل الثقة بالأصول التقليدية، وعلى رأسها الدولار والسندات.
ومع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، دخل النظام المالي العالمي مرحلة جديدة من عدم اليقين، انعكست مباشرة على سلوك المستثمرين والمؤسسات والبنوك المركزية، ودفعها للتحول من الدولار نحو الذهب كملاذ أكثر أماناً.
الذهب، في هذا السياق، لم يعد مجرد مخزن للقيمة، بل تحوّل إلى أصل استثماري استراتيجي يعكس حالة الخوف العالمي من المستقبل المالي والسياسي، ولهذا تهافت المستثمرون والمؤسسات المالية، والبنوك، بل وحتى الدول على شرائه منذ أواخر 2025 ليسجل أعلى مستوى له يوم 26 يناير الجاري.
سجّل الذهب في تداولات يوم الاثنين (26 يناير) مستويات قياسية غير مسبوقة، متجاوزاً حاجز 5100 دولار للأونصة، بعد ارتفاع بنحو 18% منذ بداية 2026، عقب مكاسب ضخمة بلغت 65% خلال 2025، وهي أسرع وتيرة صعود سنوية منذ عام 1979.
واللافت في الأمر أن الذهب استغرق 15 عاماً للارتفاع من 2000 دولار إلى 3000 وأقل من 4 أشهر ليقفز من 4000 دولار إلى 5000 دولار.
وتعتبر موجة الصعود الحالية الأكبر منذ عقود، إذ ارتفعت الأونصة بنحو 180% منذ نهاية 2022، وتضاعفت قيمتها أكثر من 4 مرات خلال العقد الأخير، في حين تشير البيانات التاريخية إلى أن أسعار الذهب تضاعفت نحو 250 مرة خلال القرن الماضي، بحسب وحدة التحليل المالي في صحيفة "الاقتصادية" السعودية.
هذا الأداء الاستثنائي أعاد تعريف الذهب في الأسواق العالمية، من كونه ملاذاً آمناً تقليدياً إلى أصل استثماري قابل للمقارنة بالأسهم والسندات من حيث العائد طويل الأجل.
ورفعت مؤسسات مالية كبرى توقعاتها لمستقبل المعدن الأصفر، حيث رفع بنك "غولدمان ساكس" توقعاته إلى 5400 دولار للأونصة خلال 2026، بينما ذهب اقتصاديون، أبرزهم محمد العريان، إلى ترجيح وصوله إلى 6 آلاف دولار إذا استمرت الظروف الحالية، بحسب "الاقتصادية".
وتوقع الخبير الاقتصادي محمد صلاح، رئيس التشغيل في شركة "سبائك"، في تصريح لـ"العربية"، أن يتجاوز سعر الأونصة 5300 دولار، في نهاية الأسبوع، أو بداية الشهر المقبل، مشيراً إلى أن هذا وضع غير صحي.
دوافع جيوسياسية
الاضطرابات الجيوسياسية شكّلت المحرك الأبرز للطفرة الذهبية، في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية دون أفق حل، وعودة بؤر توتر جديدة في أوروبا وأمريكا اللاتينية.
وتبرز أزمة غرينلاند وإصرار الرئيس الأمريكي ترامب على السيطرة عليها، والموقف الغربي الرافض، وكذا تهديد ترامب بفرض رسوم إضافية على كوريا الجنوبية، ودول أخرى، كأسباب إضافية لفقدان الثقة في الأصول التقليدية.
هذه الأجواء دفعت المستثمرين والمؤسسات إلى البحث عن ملاذات آمنة تحمي الثروات من الصدمات السياسية والعسكرية، وهو ما عزز الطلب على الذهب بشكل حاد.
وأدت البنوك المركزية دوراً محورياً في هذه الموجة، إذ أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية اشترت 45 طناً من الذهب في نوفمبر وحده، مع استمرار وتيرة الشراء القياسية طوال العام الماضي.
إلى جانب ذلك، شهدت الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب (ETFs) تدفقات غير مسبوقة، ما يعكس تحوّلاً مؤسسياً واسعاً في إدارة الاحتياطيات والتحوط من المخاطر العالمية.
السياسة الأمريكية
وأدت السياسة الأمريكية، ولا سيما في عهد الرئيس دونالد ترامب، دوراً مركزياً في تسريع موجة الصعود، فقد أدت الحرب التجارية، وفرض الرسوم الجمركية، والتلويح بتدخلات عسكرية، إلى تعميق حالة عدم اليقين في الأسواق.
الأخطر تمثّل في الضغوط المتزايدة على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، بعد مطالبات متكررة بخفض أسعار الفائدة، وإقالة أحد أعضائه، وفتح تحقيقات بحق رئيسه جيروم باول، ما أثار مخاوف حقيقية بشأن مستقبل السياسة النقدية الأمريكية.
في موازاة ذلك تراجع مؤشر الدولار بأكثر من 9% خلال 2025، في واحدة من أسوأ سنواته، ما عزز جاذبية الذهب الذي يتحرك تاريخياً بعلاقة عكسية مع العملة الأمريكية.
تراجع الثقة بالدولار والسندات الأمريكية، خصوصاً مع ارتفاع مستويات الديون وعجز الموازنات، دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر، والانسحاب تدريجياً من الأصول التقليدية.
التوقعات المستقبلية لأسعار الذهب تبقى رهناً باستمرار التوترات الجيوسياسية، ومسار السياسة الأمريكية، ومستقبل أسعار الفائدة، فمع ترجيح الأسواق خفضين إضافيين للفائدة خلال العامين المقبلين، يبقى الذهب مستفيداً رئيسياً من بيئة التيسير النقدي.
في المقابل تحذر بعض البنوك من احتمالات تصحيحات سعرية مؤقتة قد تتراوح بين 7% و10%، في حال تراجع حدة التوترات أو استقرار السياسة النقدية.
مع ذلك، تشير معظم التقديرات إلى أن الذهب سيحافظ على مستوياته المرتفعة خلال 2026، مع قابلية تسجيل قمم جديدة إذا طرأت صدمات جيوسياسية أو مالية غير متوقعة.
وتوقعت شركة "أموندي" التي تعتبر أكبر شركة أوروبية لإدارة الأصول، أن موجة صعود الذهب قد تستمر، مع تزايد عزلة الولايات المتحدة عن الدول الأخرى، إذ سيدفع ذلك المستثمرين إلى تقليص حيازتهم من الأصول الدولارية، والتوجه نحو الذهب.
ونقلت وكالة "بلومبيرغ" عن فينسنت مورتييه، كبير مسؤولي الاستثمار لدى "أموندي"، قوله: إن "هذا التحول نحو الذهب والابتعاد عن الدولار، مدفوع أيضاً بالعجز الكبير في الميزانية الأمريكية والشكوك المحيطة بسياسة الاحتياطي الفيدرالي المستقبلية".
وأشار مورتييه إلى أن هذا التوجه سيستمر، "لأن المعدن الأصفر يعد على المدى الطويل وسيلة فعالة للحماية من انخفاض قيمة العملة والحفاظ على جزء من القوة الشرائية"، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من الطلب على الذهب يأتي من المستثمرين المؤسسيين مثل البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية.
Loading ads...
في المحصلة لم تعد الطفرة الذهبية حدثاً عابراً، بل تعبيراً عن تحوّل هيكلي في النظام المالي العالمي، حيث بات الذهب مرآةً لحالة عدم اليقين، ومؤشراً على تآكل الثقة بالنموذج الاقتصادي التقليدي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




