في صباح يوم مزدحم داخل أحد أحياء قطاع غزة، كان أحمد أبو الخير الموظف في إحدى المؤسسات الخاصة ينتظر رسالة إشعار تحويل راتبه الشهري بالدولار الأمريكي، ولم يكن قلقه من تأخر الراتب بقدر ما كان قلقه من قيمته الفعلية عند تحويله إلى الشيكل داخل السوق المحلي.
فقد أصبح يدرك أبو الخير، مع مرور الوقت، أن الراتب ذاته لم يعد يساوي ما كان عليه قبل عامين، رغم أنه لم يتغير من حيث القيمة الاسمية.
عند دخوله إلى السوق لشراء احتياجات أسرته الأساسية، يلاحظ أن الأسعار ترتفع تدريجياً، وأن قدرته الشرائية تتراجع بشكل واضح، الأمر الذي جعله يعيد حساباته في كل عملية شراء يقوم بها.
يستلم أحمد راتبه بالدولار، ويقوم بتحويله للشيكل بمبلغ منخفض جداً حيث وصل سعر الصرف عبر البنك لكل 100 دولار 279 شيكل، في حين كان قبل أسابيع يصرف بـ370 شيكل.
يقول أبو الخير لـ"الخليج أونلاين": "ارتفاع أسعار الشيكل أمام الدولار ساهم في فقدي لثلث راتبي بسبب فروق الأسعار الصرف، خاصة أن الأسعار في غزة مرتفعة جداً أيضاً".
يشهد قطاع غزة واقعاً اقتصادياً معقداً يتأثر بعوامل داخلية وخارجية متعددة، من بينها التغيرات في أسعار صرف العملات، وعلى رأسها الشيكل الإسرائيلي الذي يستخدم بشكل واسع في التعاملات اليومية.
ويؤدي ارتفاع قيمة الشيكل أمام بعض العملات الأخرى، أو تذبذب قيمته في الأسواق، إلى تأثيرات مباشرة على حياة المواطنين، خاصة أولئك الذين يتقاضون رواتبهم بعملات أجنبية مثل الدولار، أو يعتمدون على تحويلات خارجية. فمع كل تغير في سعر الصرف، تتغير القيمة الحقيقية للدخل، حتى وإن بقي الرقم ثابتاً على الورق.
من أبرز الآثار التي يسببها ارتفاع الشيكل هو تراجع القوة الشرائية للفلسطينيين، إذ يجد الأفراد أن نفس مبلغ المال أصبح يشتري كميات أقل من السلع والخدمات الأساسية مثل الغذاء، الوقود، والمواصلات.
كما ينعكس ذلك على الأسر محدودة الدخل بشكل أكبر، حيث تجبر على تقليص نفقاتها الأساسية أو الاستغناء عن بعض الاحتياجات الضرورية. هذا الواقع يخلق حالة من الضغط المعيشي المستمر، ويدفع العديد من الأسر إلى الاعتماد على الديون أو المساعدات لتغطية احتياجاتها الشهرية.
ويؤدي هذا الوضع إلى اختلال واضح بين الدخل والأسعار داخل السوق المحلي. ففي كثير من الأحيان، لا تتناسب الأجور مع ارتفاع تكاليف المعيشة، ما يخلق فجوة اقتصادية متزايدة بين ما يكسبه الفرد وما ينفقه. وتزداد حدة هذه الفجوة في ظل ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة، وضعف فرص العمل، مما يجعل أي تغير في سعر العملة أكثر تأثيراً على حياة السكان اليومية.
إضافة إلى ذلك، يساهم ارتفاع الشيكل في زيادة حالة عدم الاستقرار الاقتصادي لدى المواطنين، حيث يصبح التخطيط المالي للأسر أكثر صعوبة، نتيجة التغير المستمر في الأسعار والقيمة الفعلية للدخل. ومع غياب استقرار اقتصادي شامل، يتحول تأثير سعر الصرف من مجرد مؤشر مالي إلى عامل مباشر يحدد مستوى المعيشة وجودة الحياة.
وفي "إسرائيل"، أوضحت عدة تقارير في الصحافة الاقتصادية الإسرائيلية، أن القلق يسود أوساط المصدرين، في ضوء استمرار ارتفاع قيمة الشيكل.
وحذر اتحاد الصناعيين الإسرائيلي من أن استمرار هذا التوجه في قيمة الشيكل، يشكل تهديداً حقيقياً للصادرات وآفاق النمو الاقتصادي.
ويشير خبراء الاقتصاد في اتحاد الصناعيين إلى انخفاض قيمة الدولار بالتزامن مع الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج بالشيكل، كالأجور والكهرباء والماء وضرائب العقارات والإيجارات، باعتباره وضعاً يُسبّب "مأزقاً اقتصادياً يعيق ربحية المصانع".
وترى وزارة المالية الإسرائيلية، من ناحيتها، أن الارتفاع الحاد في قيمة الشيكل حالياً يُعد "حدثاً إيجابياً للمواطن الإسرائيلي"، وسيخفف من أعباء المعيشة، ولا يوجد مبرر في هذه المرحلة لتدخل الحكومة. مع ذلك، تُقرّ الوزارة بوجود حدود قد تجبرها على التدخل، لكنها لا تفصح عن ماهية هذه الحدود من وجهة نظرها، بحسب ما ورد في التقارير الصحافية الإسرائيلية.
بدوره، أكد المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أنه وفق المنطق الاقتصادي التقليدي، يفترض أن يؤدي تراجع الدولار إلى تخفيف الأعباء المعيشية عبر انخفاض تكلفة الاستيراد، وبالتالي تراجع الأسعار وتحسن القدرة الشرائية،
وقال أبو قمر: إن "ما يحدث في قطاع غزة يعكس نموذجاً مختلفاً، حيث تنفصل النتائج الفعلية عن القواعد النظرية بسبب طبيعة الاقتصاد المحلي المعقد والمقيد".
وأوضح أن السوق في غزة يعاني من اختلالات هيكلية عميقة، أبرزها ضعف المنافسة وتعدد العملات وعدم استقرار سلاسل الإمداد، مضيفاً أن هذه العوامل مجتمعة تخلق ما يعرف بـ"تشوه انتقال الأسعار"، حيث لا تنتقل آثار انخفاض سعر الصرف إلى المستهلك النهائي، بل على العكس، تبقى الأسعار مرتفعة أو تتحرك ببطء شديد نحو الانخفاض فيما ترتفع بسرعة عند أي زيادة في التكاليف.
وأشار إلى أنه من زاوية أخرى، يؤدي تراجع الدولار إلى إعادة توزيع غير عادلة للأثر الاقتصادي داخل المجتمع، فبينما قد تستفيد بعض الأطراف المرتبطة بالتجارة أو التسعير المرن، تتآكل القيمة الفعلية للدخول والمدخرات المقومة بالدولار، ما يضغط على مستويات الاستهلاك ويعمق حالة الركود.
ويضيف إن تدفقات المساعدات والتمويل الخارجي المقومة بالدولار تفقد جزءاً من قيمتها عند تحويلها، وهو ما يقلل من فعاليتها الاقتصادية في بيئة ترتفع فيها الاحتياجات بشكل متسارع.
وأكد أبو قمر أن هذه الحالة تكشف عن خلل مزدوج، خلل في هيكل السوق وخلل في آليات انتقال الأثر النقدي، ما يجعل أي تحسن نظري في سعر الصرف يتحول عملياً إلى عبء إضافي.
Loading ads...
ويلفت إلى أن استقرار الاقتصاد لا يرتبط فقط بالمؤشرات الكلية بل بكفاءة النظام الاقتصادي في ترجمتها إلى واقع ملموس.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

«تماسيح النيل» تثير الذعر مجدداً في دلتا مصر
منذ دقيقة واحدة
0





