ليست العلاقة بين لبنان وسوريا علاقة جوار عادية، إنهما اقتصادان ينهضان ويسقطان معاً، لكن على نحو غير متوازن.
تاريخياً، كان لبنان الأصغر مساحة والأقل موارد طبيعية يتمكّن مراراً من الاستفادة من الانقطاعات والأزمات والاختناقات داخل سوريا، بينما كانت دمشق -بثقلها الديموغرافي والجغرافي- تستنزف، وتُترك في كثير من الأحيان بلا منافذ اقتصادية مستقلة.
منذ منتصف القرن العشرين، ارتسمت خطوط واضحة لهذه الجدلية، وتكررت عبر العقود بصيغ متعددة، ففي مطلع الخمسينيات، كان مرفأ بيروت هو الشريان البحري الرئيسي لسوريا، كانت معظم صادرات سوريا ووارداتها تمرّ عبر الأراضي اللبنانية، ومعها تتحمل دمشق تكاليف لوجستية وجمركية تُعيد إنتاج تبعية اقتصادية غير معلنة.
أدرك خالد العظم -أحد أكثر رؤساء الحكومات السورية وعياً ببنية الاقتصاد السياسي للمنطقة- أن بقاء سوريا بلا منفذ بحري مستقل يعني خضوع اقتصادها لنفوذ بيروت المالي والتجاري.
هذه الثغرات تحوّلت إلى امتياز غير مباشر للبنان، كان التاجر اللبناني يدخل السلع التي تمنعها دمشق أو تحدّد سعرها، فيبيعها في السوق السورية بأسعار أعلى بكثير من المستورد النظامي..
من هنا اتخذ القرار الاستراتيجي، عام 1950، بتأسيس ميناء اللاذقية وفكّ الارتباط الجمركي مع لبنان، كان الهدف مزدوجاً: إنشاء بوابة بحرية سورية تخضع لسيادة الدولة، ووضع حدّ لما اعتبره العظم "استغلالاً بنيوياً" للموقع اللبناني في حركة التجارة السورية.
هذه الخطوة غيّرت مسار الاقتصاد السوري سنوات طويلة، لكنها لم تنهِ الترابط الاقتصادي العميق بين البلدين، لأن عوامل أخرى بقيت تضغط على السوق السورية من الداخل.
منذ الستينيات، ومع تسلم البعث الحكم وترسيخ اقتصاد الدولة، انغلقت سوريا على ذاتها، سياسات التأميم، والحرب التي شنها حزب البعث على الاقتصاد والاقتصاديين بحجة ضبط السلع، ومنع الاستيراد، وفرض الرقابة المركزية، جميعها خلقت نقصاً بنيوياً، ونوافذ تهريب واسعة على الحدود اللبنانية–السورية.
هذه الثغرات تحوّلت إلى امتياز غير مباشر للبنان، كان التاجر اللبناني يدخل السلع التي تمنعها دمشق أو تحدّد سعرها، فيبيعها في السوق السورية بأسعار أعلى بكثير من المستورد النظامي، فيما نشأت طبقة حدودية تربّحَت من هذا الاقتصاد الموازي، جمعت بين الفساد الرسمي والتجارة غير الشرعية، حتى الخضار والفواكه والسلع الأساسية تسربت عبر الحدود، ما جعل السوق السورية تعتمد في فترات متعددة، خصوصاً في فترات العقوبات الأوروبية والأميركية على معابر لبنان أكثر مما تعتمد على بوابات الدولة الرسمية.
لم تكن هذه الظاهرة مجرد "تهريب"؛ كانت تحويلاً للطلب السوري إلى السوق اللبنانية، وهذا يشكّل في الاقتصاد الحديث شكلاً من أشكال "التغذية العكسية"، التي يُضخّ من خلالها المال السوري في جيوب الاقتصاد اللبناني.
من جانب آخر فقد السوريون الثقة بالمصارف الحكومية وبالليرة السورية، فتحوّل النظام المصرفي اللبناني إلى بديل جاهز لرجال الأعمال والتجار والصناعيين.
منذ التسعينيات، ثم بعد عام 2011 بشكل أوسع، تدفقت ودائع السوريين وأموال شركاتهم وتحويلاتهم من الخارج عبر لبنان، وحتى عملياتهم المالية بالعملات الصعبة.
كان هذا التدفق أحد أعمدة القوة المالية اللبنانية، فالمودع السوري، المحروم من حسابات حقيقية في بلده، كان يجد في بيروت مصرفاً يعمل وفق النظام الليبرالي، ويقدم خدمات لم توفرها دمشق عقوداً طويلة.
وعندما انهارت البنوك اللبنانية في أزمة 2019–2020، طارت معها ودائع السوريين كما طارت ودائع اللبنانيين، وكأن انهيار بيروت أعاد إغلاق الحلقة التي فُتحت ذات يوم بفعل أزمات دمشق، التي تفاعلت إيجابياً لصالح الطرف اللبناني فمنذ منتصف العقد الأول من الألفية، كانت سوريا تعاني عزلة جوية متزايدة، ومع العقوبات وتعطّل شركات الطيران السورية، وجد ملايين السوريين أنفسهم أمام خيار واحد للسفر: مطار بيروت.
استفاد لبنان من هذه الظاهرة على مستويات عدّة ابتدأت من رسوم السفر، مروراً بالنقل البري من دمشق إلى بيروت، إلى خدمات التكسي والفانات، وحجوزات الفنادق، والإنفاق السياحي للمسافرين العابرين.
كان الطريق الدولي بين بيروت ودمشق شرياناً اقتصادياً للبنان أكثر مما هو لسوريا، سائقو التاكسي اللبنانيون وحدهم حققوا خلال 14 عاماً دخلاً ضخماً من حركة السوريين، بينما اقتصر دور سوريا على فتح الحدود ودفع الكلفة.
بعد 2011، دخل لبنان في واحدة من أكبر موجات اللجوء في تاريخه، ومع وجود نحو مليون لاجئ، تدفقت المنح الدولية والمساعدات المالية، وحتى الدعم الاقتصادي للمناطق الأكثر تضرراً.
فالقطاعات التي عاش عليها لبنان منذ خمسين عاماً -السياحة العابرة، التهريب، المصارف، الترانزيت، السفر عبر بيروت- ستتراجع إذا استعاد الاقتصاد السوري جزءاً من عافيته..
على الرغم من هشاشة البنية اللبنانية، إلا أن هذه الأموال -التي بلغت مليارات الدولارات- ضخت في الاقتصاد اللبناني الذي كان يعاني نتيجة تغوّل حزب الله في داخل الدولة اللبنانية، وفي لحظة كان فيها لبنان على حافة الانهيار، أسهمت هذه الأموال في تأخير الكارثة لسنوات.
اليوم يقف لبنان الخارج من الحرب أمام مشهد بالغ الحساسية: لا نفط، لا غاز مستخرج، لا ثقة مصرفية، لا صناعة حقيقية، ولا مراكز مالية كما في السابق.
أمّا سوريا، فعلى الرغم من الخراب، فإن أي تحوّل نحو اقتصاد حر، مرافئ فعّالة، نظام مصرفي أكثر انفتاحاً، وربط حقيقي بالأسواق الإقليمية سيعني ببساطة: انكماش الاقتصاد اللبناني.
فالقطاعات التي عاش عليها لبنان منذ خمسين عاماً -السياحة العابرة، التهريب، المصارف، الترانزيت، السفر عبر بيروت- ستتراجع إذا استعاد الاقتصاد السوري جزءاً من عافيته.
Loading ads...
التاريخ لا يصنعه بلد واحد، لبنان استفاد فعلاً من أزمات سوريا، كما استفادت سوريا أحياناً من انفتاح لبنان، لكن ما يتضح اليوم هو أن مستقبل البلدين لا يمكن أن يكتبه اقتصاد منكمش وآخر محاصر، الارتباط بينهما قدر جغرافي-اقتصادي، لكن التوازن بينهما لا يتحقق إلا حين يمتلك كل منهما قدرة ذاتية على النمو، لا حين يعيش طرفٌ على اختناق الطرف الآخر.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

