يصلُح اعتقال الشخص الأشهر في مجزرة التضامن لأن يكون فرصة لاختبار تقسيم المجرمين إلى كبار وصغار وفق تسلسل السلطة، وحتى بحسب موقعهم الاجتماعي والمادي.
كانت محكمة نورمبرغ، التي قُدّم إليها القادة النازيون إثر الحرب العالمية الثانية، رسخت مشهد محاكمة نظام عبر أبرز رموزه، وهو الأمر المعتمد في إجراءات العدالة الانتقالية التي توصّل إليها البشر نتيجة استحالة تطبيق عدالة كاملة دقيقة في حالات الحروب الطويلة متعددة الأطراف التي يعسُر في نهايتها جمع الروايات عن كل واقعة بالتفاصيل الكافية واستحضار شهودها وتحديد المسؤوليات عنها بالتالي.
وقد قنِعت العدالة الانتقالية السورية، يوم أن كانت مادة تُدرَّس في الدورات وموضوعاً لأبحاث لا تُعلم إمكانية تنفيذها قبل سقوط نظام بشار الأسد؛ بأنّ المسؤولية القضائية يمكن أن تقتصر على الأخير وعلى طغمة ممن حوله، يتراوح عددهم بين العشرات وبين المئات، من كبار ضباط الجيش والأمن.
الحال أن التقسيم إلى كبار وصغار ليس دقيقاً تماماً في الحالة السورية، وربما في أي حالة، فمن بين الاثنين وعشرين شخصاً الذين عُرضوا على أولى جلسات محكمة نورمبرغ قُضي بإعدام نصفهم فقط، وسُجن آخرون، وحاز ثلاثة على البراءة..
لكن السقوط لم يحصل بطريقة "مثالية"، وهذه عادة التاريخ على كل حال، مما أتاح لأكثر هؤلاء الضباط فرصة الفرار إلى ملاذات آمنة في الخارج، في حين بقي بعضهم في البلاد نتيجة سوء حظهم أو خطل تقديرهم، أمّا صغار المنتهكين، الذين لم يحوزوا من المكانة ما يحملهم إلى روسيا ولا من المال ما يفتح لهم أبواب سواها، فقد تسربوا إلى لبنان والعراق، أو ظلوا في الداخل غير الآمن على أمل ألا تُكشف أدوارهم السابقة أو مخابئهم المرتجلة.
والحال أن التقسيم إلى كبار وصغار ليس دقيقاً تماماً في الحالة السورية، وربما في أي حالة، فمن بين الاثنين وعشرين شخصاً الذين عُرضوا على أولى جلسات محكمة نورمبرغ قُضي بإعدام نصفهم فقط، وسُجن آخرون، وحاز ثلاثة على البراءة، ويرجع ذلك إلى درجة ثبوت مسؤولياتهم عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وما إلى ذلك.
في سوريا خلال الثورة تراوح سلوك النظام بين أن يتصرف كدولة وبين أن يتفاعل كميليشيا، ففي الواجهة كانت العناوين المنضبطة، كالجيش والأجهزة الأمنية والقضاء، وفي العمق كان كل ذلك منخوراً بالتوحش والاستباحة والطائفية والفساد.
وقد أتاح هذا المزيج الفوضوي، المتغير حسب الزمان والمكان والأشخاص، لبعض ذوي الرتب الصغيرة فرصاً ملكوا فيها قرار حياة وموت من أوقعتهم الأقدار في نطاق صلاحياتهم، وربما كان المثال الأشهر على ذلك هو قيام بعض السجانين في مسلخ صيدنايا، ومنهم من كان مجنداً يؤدي الخدمة الإلزامية فقط، بقتل العشرات وربما المئات، لأسباب تنبع من التلذذ بالطغيان على معتقلين فاقدي الحيلة، أو لأن عنصراً أراد الاشتهار بطريقة فريدة في القتل، أو ثأراً لقريب قضى على إحدى الجبهات ضد الثوار.
وبهذا قد يفوق عدد ضحايا بعض عناصر السجن وصف ضباطه، وحتى أطبائه، العدد الذي قتله بعض ضباطه في حالات محددة.
النقطة الثانية التي تشوّش الرؤية أحياناً هي فكرة واسعة الانتشار عن تلازم الإجرام الدموي مع الفساد المادي، فبالنسبة لكثيرين تتناسب درجة قمعية المسؤول وإدانته، طرداً، مع حجم ثرائه، غير المشروع بالطبع.
وفي ظل غياب الشهود وعدم القدرة على الوصول إلى الوثائق، سابقاً، رأى عدد ملحوظ من السوريين أن هذا المعيار مقبول ومنطقي! فالأَولى بالمحاسبة هو الضابط فاحش الغنى، صاحب المزارع وربما القصور، والوزير بموكب فاخر من السيارات وأبناء مترفين، ورجل الأعمال الشريك في تنفيذ المشاريع الكبرى للقطاع العام وفق حصص متسلسلة، أما عنصر الرتبة الدنيا، الذي يعيش على دخل شهري محدود، وربما بعض "الاستفادات" الصغيرة، فهو "فقير" يستحق التعاطف لا المساءلة.
وتمتد كلمة الفقير هنا إلى ما هو أبعد من الوضع المالي لتصل إلى دلالات تتعلق بالطيبة، والبساطة، ومحدودية الصلاحيات، وسمات أخرى تدور في فلك الإيجابية، فإن أطلّت أحياناً على معنى السذاجة كانت أدعى، من وجهة نظر مطلقيها، للتحبب ولتبييض صفحة الموصوف.
والحق أن هذا يصلُح في سياق العلاقات الاجتماعية، أو في حملات "من أين لك هذا؟" التي تكافح الفساد المالي الذي يتاح عادة لكبار المسؤولين دوناً عن صغار الموظفين الحكوميين المدنيين أو العسكريين، لكن الذي ينكّل ويهين، وربما يغتصب ويقتل، هو السجّان لا وزير الزراعة ولا مدير قلعة حلب.
وهو، أي المجند أو صف الضابط أو الضابط حديث التخرج، "فقير" غالباً، قد يعيش في بيت بائس في إحدى العشوائيات اشترى أثاثه المتواضع بالتقسيط من المؤسسة الاجتماعية العسكرية، وربما يأتي إلى "عمله" بسرفيس خانق مكتظ إن فاته "باص المبيت".
نعم، ارتكب بعض كبار المسؤولين ما هو أفدح، فقد حكم قاضي المحكمة الميدانية الأشهر خلال الثورة، محمد كنجو حسن، على الآلاف بالإعدام، وتقاضى من مئات آخرين رشاوى باهظة مقابل إخلاء سبيلهم..
وكانت هذه حال أمجد يوسف. فهو من سكان حيّ التضامن الفقير على طرف العاصمة، ولذلك فُرز إلى هناك، كما كانت حال معظم ضحاياه من السكان الفقراء بدورهم! فلا يصلُح هذا المعيار، بداهة، لأن يكون منطلقاً للتجريم أو للتبرئة، خاصة في ارتكابات جسيمة كالتي قام بها، مثله مثل آلاف غيره على الحواجز وفي الفروع الأمنية وفي أثناء الاشتباك المباشر بوحشية منفلتة من دون رقابة من أي نوع.
نعم، ارتكب بعض كبار المسؤولين ما هو أفدح، فقد حكم قاضي المحكمة الميدانية الأشهر خلال الثورة، محمد كنجو حسن، على الآلاف بالإعدام، وتقاضى من مئات آخرين رشاوى باهظة مقابل إخلاء سبيلهم، فجمع بذلك ثنائية القمع والفساد بصورة تامة، لكن الأمور لا تسير دوماً على هذا النحو المنظم المريح.
Loading ads...
لا بد للعدالة من مقتضياتها الطبيعية؛ أي المسؤولية المثبتة بالتوقيع على الوثائق، والشهود، والاعترافات، وكل سبل القضاء المعروفة. ولا مناص من فصل ملفات الفساد عن جرائم القمع التي تطول الدماء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




