2 أيام
"أنت مثليّ وتدافع عن الفلسطينيين؟"... حين تُستغل حقوقنا لتبرير الاحتلال - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

قال لي إسرائيلي أعرفه، في نقاش جمعنا قبل أيام: "أنت مثليّ وتدافع عن الفلسطينيين"؟ قالها كما لو أنه أمسك بي متلبساً بتناقض لم أنتبه إليه طوال حياتي، ثم أخذ يشرح لي ما أعرفه جيداً. قال إنني لو كنت في غزة لما استطعت أن أعيش كما أريد، وإن "حماس" ربما كانت ستلاحقني بسبب ميولي الجنسية، وإن الفلسطينيين أنفسهم لن يتقبلوا رجلاً مثليّاً، بينما أستطيع في تل أبيب أن أمشي في الشارع كما أشاء، وأن أحب من أشاء، وربما أرفع علم قوس قزح أيضاً.
كان ينتظر مني، على ما أظن، أن أصل معه إلى هذه النتيجة: "بما أنني مثليّ، فعليّ أن أكون مع إسرائيل".
لست ساذجاً، ولا أحتاج إلى أحد ليخبرني عن حال المثليين في المجتمعات العربية، فأنا ابن هذه المجتمعات.
أعرف الخوف الذي يعيشه رجل حين يكتشف، في سن مبكرة، أن قلبه اختار له طريقاً لا ترضى عنه العائلة ولا المجتمع ولا الدين.
أعرف ذلك الصمت الطويل الذي يتعلمه المرء، وتلك المهارة العجيبة في حذف أجزاء من حياته كلما جلس إلى مائدة أو دخل مجلساً أو أجاب عن سؤال بسيط من قبيل: "لماذا لم تتزوج بعد؟"
أعرف الكلمات التي تُقال عنّا، والنكات التي تروى، والأبواب التي قد تغلق، والوجوه التي قد تتغير فجأة حين تعرف. ولا أريد أن أجمّل شيئاً من ذلك. فأنا أعرف هذه المشكلة وأعيشها وسأواجهها، لكنها لا تجعل حياة الفلسطيني أقل قيمة.
ولكن ما الذي يفترض أن أفعله بهذه الحقيقة؟ هل أنظر إلى طفل تحت الأنقاض وأسأل أولاً عن رأي أبيه في المثلية؟
هل أسأل المرأة التي تهرب بأطفالها إن كانت ستقبل أن يكون أحد أبنائها مثليّاً قبل أن أقرر إن كنت أتعاطف معها؟ هل يصبح البيت أقل حرمة لأن أصحابه ربما لا يتقبلونني؟ وهل يحتاج الميت إلى أن ينجح في امتحان أخلاقي قبل أن نحزن عليه؟
منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، تكرر شيء غريب في كثير من النقاشات حول غزة: يبدأ الحديث عن القتل، ثم ينتهي بـ"حماس". يبدأ عن غزة، ثم ينتهي بالسابع من أكتوبر.
وإذا حاول أحد أن يتذكر أن الفلسطينيين كانوا موجودين قبل ذلك اليوم، وأن الاحتلال لم يبدأ فيه، وأن الضفة كانت محتلة، وأن الاستيطان كان يتوسع، وأن غزة كانت تحت الحصار، بدا الأمر أحياناً كما لو أنه يحاول تغيير الموضوع.
ثم، في حالتي أنا، يظهر سلاح إضافي: "لكن أنت مثليّ" وكأن ميولي الجنسية تمحو التاريخ.
منذ سنوات، روجت إسرائيل وتل أبيب خصوصاً أنها منفتحة تجاه المثليين/ات، لكن الطريقة التي تستخدم فيها هذا الترويج غير بريئة، بحيث تتحول حقوق المثليين/ات من قضية تخص كرامة الإنسان إلى دليل على فضيلة دولة، ويصبح علم قوس قزح جزءاً من حجة سياسية تقول لنا: "انظروا كم نحن متحضرون، وانظروا كم هم متخلفون"، وقد أطلق ناشطون/ات وباحثون/ات على هذا الاستخدام "الغسيل الوردي" أو بالإنجليزية "Pinkwashing".
لكن المسألة تصبح أشد مرارة حين نتذكر شهادات خرجت من المؤسسة الإسرائيلية نفسها.
في عام 2014، تحدث عدد من قدامى أفراد "الوحدة 8200"، التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، عن مراقبة الفلسطينيين وجمع تفاصيل شديدة الخصوصية عن حياتهم، وعن معلومات يمكن استخدامها للضغط على بعضهم ومحاولة تجنيدهم كمتعاونين، وكانت المثلية إحدى نقاط الضعف التي تحدثوا عنها، حتى إن أحدهم روى أن المتدربين كانوا يتعلمون الكلمات العربية المختلفة التي تشير إلى المثليين/ات.
توقفت طويلاً أمام هذه المفارقة: قد أواجه كمثلي الرفض والتمييز داخل مجتمعي، ثم تأتي إسرائيل لتقول لي: "انظر، هؤلاء لا يقبلونك"، لكن هذا استغلال.
لا أريد من إسرائيلي أن يخبرني بأن المثليين في مجتمعاتنا يواجهون التمييز والاضطهاد، ولا أحتاج إلى أوروبي كي يشرح لي أن مجتمعاتنا متأخرة في حقوقنا.
وأعرف أن الطريق أمامنا طويل، لكنني حين أنظر إلى تاريخ المثليين/ات في أوروبا لا أرى شعباً وُلد متسامحاً وشعباً آخر وُلد متخلفاً.
منذ عقود ليست بعيدة، كان المثليون هناك أيضاً يُجرَّمون ويُعتقلون ويُطردون من أعمالهم ويُنبذون من عائلاتهم ويُعاملون باعتبارهم "مرضى" أو "منحرفين" أو "خطراً" على المجتمع.
لم يستيقظ المجتمع الغربي ذات صباح وقد أصبح مستنيراً. هناك أشخاص قالوا: "كفى". خرجوا إلى الشوارع. تحدوا القوانين. خسروا عائلات ووظائف وصداقات. دخل بعضهم السجون. ومات بعضهم قبل أن يرى شيئاً من العالم الذي نراه اليوم.
الحقوق لا تهبط على المجتمعات من السماء.
يأتي يوم يطالب بها شخص، ثم آخر، ثم عشرة، ثم ألف، إلى أن يصبح ما كان مستحيلاً حقاً لا يفهم الجيل الجديد كيف عاش الناس من دونه.
ويتحتّم علينا أن نفعل الشيء نفسه. نحن المثليين العرب.
سنخوض معركتنا داخل بيوتنا وشوارعنا ومدارسنا، وفي اللغة التي نتحدث فيها عن أنفسنا وعن بعضنا.
سنربح أحياناً وسنخسر كثيراً.
وقد نحتاج إلى وقت أطول مما نتمنى، لكنها معركتنا.
ولا أريد ممن يحتل أرض شعب آخر أن يستخدم حقي أنا ليشرح لي لماذا يجب أن أقبل احتلاله.
لا أريد أن أُحمى من اضطهاد محتمل بقبول ظلم واقع على غيري.
ولا أريد أن يتحول خوفي إلى ملصق دعائي.
ثمة شيء مهين، في النهاية، في أن يخبرك شخص بأنه يعرف مصلحتك أكثر منك.
أن يقول لك: "هؤلاء لا يحبونك، إذاً يجب أن تكون معنا".
وأريد مثلياً فلسطينياً حراً أيضاً.
أريد للفلسطيني ألا يخاف الجندي والحاجز والقنبلة، وأريد للمثليّ الفلسطيني ألا يخاف أباه وأخاه وجاره والشرطي ورجل الدين.
أستطيع أن أقول للفلسطيني: "أنت مخطئ حين تنكر حقي في أن أكون كما أنا"، ثم أقف إلى جواره حين يُنكر عليه أحد حقه في أن يكون حراً.
لا أرى في ذلك تناقضاً، بل ربما يكون هذا هو المعنى الأساسي لحقوق الإنسان.
قد يكون الرجل الذي أختلف معه اليوم في فلسطين رافضاً لمثليتي.
قد لا يدعوني إلى بيته.
قد لا يريدني زوجاً لابنه.
وقد يقول عني كلاماً يؤذيني.
وسأحاربه، بالكلمة والقانون والمجتمع، من أجل حقي في أن أعيش كما أريد.
لكن إذا سقط بيته فوق رأسه فلن أسأله، وأنا أمد يدي إليه: "هل كنت ستفعل الشيء نفسه من أجلي"؟، لأنني إذا انتظرت منه أن يعترف بإنسانيتي أولاً كي أعترف بإنسانيته، فلن نكون قد صنعنا عالماً من الحقوق.
سنكون قد فتحنا دفتراً للحساب. تعطيني حقاً، فأعطيك حقاً.
وإذا كرهتني، فلا شأن لي بما يحدث لك.
ربما تصلح الحياة بهذه الطريقة في السوق.
ولهذا، إذا عاد أحدهم ليسألني: "كيف تدافع عن الفلسطينيين وأنت مثليّ؟"
فلن أشرح له كثيراً هذه المرة.
لأنني مثليّ، أعرف شيئاً عن أن يقرر الآخرون أنك "أقل" منهم.
ولأنني أعرف ذلك، لا أريد أن أفعله بغيري.
Loading ads...
أما معركتي من أجل حقي في أن أحب من أشاء، فاتركوها لي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





