هاتفتني صديقة لي تحكي ما يحدث لها في تلك الحياة المتسارعة، والتي لا تنفك أن ترتاح حتى تعود مسرعة تهرول في خضمها، وكم تعاني من تلقي مشاعر غير حميدة من شريكها في الحياة. ولعلي خاطبت نفسي في تلك اللحظة، وقلت نعم يعلم الله كل شيء؛ يعلم أن الكلمة ترفع وتذل، تجعل الآخر يشقى ويسعد. فقد علم الله أننا سنتمزق هكذا ونسقط من كلمة سلبية، خاصة عندما تصدر من شخص عقدت نفسك معه ميثاقاً، وذلك الميثاق ربطته الثقة؛ الثقة التي لا تمنح هكذا لأي شخص. فإذا به هو لا يرى تلك الثقة ولا يشاهد هذا الميثاق. الميثاق الذي هو كلمة في الأصل. يفهمنا الله أننا مختلفون، فنتقبل اختلافنا هذا ونحترمه، وهكذا هي قدراتنا متفاوتة، ولكل منا ما يميزه. فنقدر الآخر على ما هو عليه، ونحترم ما يبذله لأجلنا، ونفتخر بما يفعله، ونسعى معاً لنتطور ونكبر.
أغلق الستائر وأغرق في ظلام الغرفة، متذكرة ذلك الحُلم البعيد، الذي طالما دافعتُ عنه، ووقفتُ عليه، وودعتُ الكثير، خوفاً من ضياعه في صحبتهم. ومنحته بصدقٍ لمن لامس شغاف قلبي، ثم أهدأ ويأتي النور؛ نور آيات الله التي أرسلها لنا، لتكون حماية وأماناً وملاذاً، وأتلو الآية الكريمة التي تمنح الدفء والشفاء.
ترمم آيات القرآن الكريم تلك القسوة التي نقابلها ممن حولنا، لتشدد أزرنا، وتخفف من الأثقال التي يضعها الآخرين علينا، من أحكام، وتسلط على النيات، وتشكك في عقولنا وفهمنا ومشاعرنا.
يأتي نور الآية الكريمة لتهدئ العقل قبل القلب، وتحرك الجوارح بعد أن تتخلل في خلايا الدم، لتُحيي من جديد: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (26)، (سورة إبراهيم).
كلمةُ طيبةُ؛ تحري أثر الكلمة على نفوس الآخرين ومشاعرهم، شيء عظيم، وحكمة عظيمة لن يحملها ويقدرها إلا ذو شأن عظيم ونفس واسعة وروح عالية. تلك الكلمة التي تُحيي، وتُعيد الحياة لنفوسٍ أهلكتها الحياة من عذابات لا يمكن أن يباح بها بسهولة. ذلك الطفل الصغير الذي حُرم حب الأهل والكلمة الطيبة، كيف ستكون حالته التي يعيش بها عندما يكبر، وذلك التشويه الذي يحمله بداخله، وتلك الآلام التي تعتلي صدره؟ وكل ذلك يحدث نتيجة لانعدام الكلمة الطيبة، التي هي رحمةُ يضعها الله في قلوب عباده ليهونوا بها على بعض.
ثم تأتي آية أخرى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"، (سورة آل عمران). ألم تحرك بنا شيء هذه الآية: "لو كنت فظًّا غليظ القلب لأنفضّوا من حولك"، ليس هناك بلاغة أكثر أو أدق من ذلك التعبير.
ثم تتدرج الآيات الشريفة في تلك الرحمات التي يضعها الله في قلوب الناس، لمزيد من الصفاء النفسي: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ (22)"، (سورة الروم).
تُلامس الآية مشاعرنا الإنسانية التي لا غنى عنها، والتي يقدرها الله ويحميها لتستقيم الحياة. تذكرت كل تلك الآيات الكريمة حينما حدثتني صديقتي.
عندما تتحول ساحة السكينة والرحمة والمودة بين الطرفين إلى ساحة اتهام وسوء ظن وحُكم. كيف يكون الوضع حين يتحول من "لتَسكُنوا إليها" إلى لتحكموا على بعضكم بعضاً؟ فكيف حال أسرة لا يقال بها كلمات طيبة بصدق؟ كيف هو حال زوجين لا تدور بينهما كلمات طيبة، ليبنوا ثقة متبادلة في كل شيء؟ في أن أراك الأفضل حتى ولو لم تكن كذلك، وما بنا من سوء نستره ونمسك بيد بعضنا لنحسنه، في أن يحترم كلّ منا الآخر، نحترم الشعور والتفكير والأفعال ونقدرها. عند الخطأ نتأسف عليه، ونتكلم، لا تلهينا الحياة عن بعضنا، نبني ذكريات حميدة تكون هي ما نعود إليها عندما نحزن، نشارك اللحظات بعضنا بعضاً، وليس أن نمتلئ بالظنون السيئة.
كيف ستكون حياتنا حين تصبح خالية من صديق محب، ومن عائلة داعمة، وحتى الشريك لا يرى إلا السوء؟ تخيلوا ما تلك القسوة التي قد يعيشها هذا الشخص وتلك الوحشة التي تسكن بداخله. هنا فقط يكون الرفق بالآخر هو المنفذ والمنقذ. يقول الرسول الكريم: "ما كان الرِّفْقُ في شيءٍ إلَّا زانَه، ولا نُزِعَ من شيءٍ إلَّا شانَه".
نعود لذلك الحلم البعيد الذي افتقدناه منذ الصغر وكنا آملين ألا نفتقده عند الكبر أيضاً، وهو أن يحبنا أحد بصدق، ألا يرى بنا غير الخير، أن لا يقارنا بغيرنا، ألا يتسلط على أفكارنا ومطالبنا على أنها مصدر إزعاج له، أو بها رغبات خبيثة، ألا يحكم على تلك الأحاديث التي نقولها، وألا يرانا إلا على الوجه الحسن، وألا يسلط عليها الضوء كلما سنحت له الفرصة، ليسقطنا بها، ويرفع نفسه علينا، ليظل هو الأفضل والأروع. فعند ذلك يمكن التشبث بالكلمة الطيبة التي "تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا".
أن يحبنا أحد، ربما ليست الكلمة المناسبة هنا؛ فالرحمة أوسع وأعم وأشمل من الحب. الرحمة بها الحب والحنان والأمان والعفو والشكر والحكمة في قول الكلام في موضعه الصحيح والوقت الصحيح. هكذا ربما جل ما نطلبه أن يرحمنا أحد، ولكن قبل أن يرحمنا أحد، أن نرحم أنفسنا من التمني الشديد في تلك الرحمة وتلك السعة، ونتقبل طبيعة ذلك الهمّ الذي نعيشه؛ إنه مؤقت وزائل، ونلجأ للرحيم الرحمن الثابت في هذا العالم، ونتشبث به ونثبت معه، فهو الملجأ وهو المنجى، وهو الباعث لكل رحمة يمكن أن تصيبنا، ونكون نحن أنفسنا رحماء بالآخرين، في القول، والفعل، والتفكير، والمشاعر.
فكما يأتي القرآن الكريم ليلقي كلماته الطيبة في نفوسنا، فتعيد الحياة لأرواحنا، نعمل بالكلمة الطيبة ونحيا بها، فلا نصيب أحدهم بغصةٍ يظل يتذكرها ولا نكون إلا خفافاً، موضعين الأشياء في يد الرحمن صاحب الكلمة الخالقة الطيبة.
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






