جاء رحيل المخرج المصري الكبير داود عبد السيد (1946 – 2025) هادئا دون ضجة إعلامية، رغم معاناته من المرض لسنوات. وفجرت الكلمات التي لم يتجاوز عددها العشر علي صفحة زوجته الكاتبة كريمة كمال، طوفانا من الحزن على مواقع التواصل الاجتماعي، واستدعت تاريخ داود عبد السيد بكل حضوره و أسئلته السينمائية والفلسفية والحياتية التي صاغها بعبقرية وشكل ملامحها بموهبة روائي وسينمائي لا يتكرر.لم يكن داود عبد السيد يبحث عن الحكايات ليقدمها في أفلام، ولكنه كان يطرح أسئلة خرجت لتوها من بطون الحكايات، كان يستدرج المشاهد إلى الفخاخ داخل حياته، فيتحول الفيلم إلى مرآة تصيح في وجهه، هل تحولت أيها المشاهد إلى كائن مبرمج للطاعة المطلقة، هل سألت نفسك عن أثر القهر في نفسك؟لم يكن ما يقدمه بصوت هامس وصورة متأملة وحرفية عالية إلا تجسيدا لسيل الأسئلة حول اللحظة والمستقبل، وحول الفرد في مواجهة السلطة.ذروة المواجهةلعل نقطة الانطلاق المثالية التي تصلح مفتاحا لقراءة سينما داود عبد السيد هي فيلمه "أرض الخوف" الذي يمثل ذروة المواجهة السينمائية مع الواقع، ولعل مشهد البطل "يحيى" وهو يتساءل عن الارتباك الأخلاقي بين مهمته الوطنية في "تجارة المخدرات" ومهمته الأساسية كضابط شرطة هو السؤال الصعب عن الطاعة وحدودها مع السلطة.. أي سلطة.رغم ذلك، لم تكن سينما داود عبد السيد تواجه السلطة، ولا تهاجمها، ولا تهادنها، لم تكن تهتم بها من الأصل، لكنها تهتم بأثر تلك السلطة على وجدان الإنسان. ذلك أن القمع الباطن أخطر من الظاهر بملايين المرات، وهنا كان حقل أسئلته الملغم. كان مشهد "أرض الخوف" وصية غير مباشرة، تشمل تحذيرا هادئا من عالم يبدو منظما، لكنه في الحقيقة يعمل ببطء ودون ضجة على تفريغ الإنسان من صوته الداخلي.أفلام قليلة وبصمة لا تشبه غيرهاحظي داود عبد السيد بمكانة خاصة في تاريخ السينما المصرية والعربية، وكانت هذه المكانة مدعومة دائمًا بتقدير نقدي واسع، حتى لو لم ينل ما يوازيها من الدعم الإنتاجي الذي يمكّنه من صناعة أفلام أكثر عددًا. إعلان منذ قدّم فيلمه الروائي الأول "الصعاليك" عام 1985، لفت الأنظار إلى صوت مختلف، ثم تأكّدت مكانته بفيلم "البحث عن سيد مرزوق" (1990)، الذي حصد جائزة الهرم الفضي من مهرجان القاهرة السينمائي. أمّا فيلمه الأشهر "الكيت كات" (1991) ففاز بعدة جوائز من المهرجان القومي للسينما المصرية ومن جمعية الفيلم، ونال عنه داود تكريمات عربية ودولية عديدة.بلغ مشروعه السينمائي ذروته مع "أرض الخوف" (1999) ، الذي توج بجائزتي أفضل فيلم وأفضل سيناريو في مهرجان القاهرة السينمائي،وحصد جوائز جمعية الفيلم. وفي عام 2010، تم اختيار فيلمه "رسائل البحر" ليمثل مصر في سباق جائزة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبي، ورغم أنه لم يبلغ القائمة النهائية، إلا أن الاختيار كان اعترافاً بقيمته الفنية الرفيعة. وتأكيداً لمكانته الاستثنائية، أُدرجت ثلاثة من أفلامه وهي: "الكيت كات" و"أرض الخوف’ و"رسائل البحر" ضمن قائمة أفضل 100 فيلم عربي في تاريخ السينما، حسب استفتاء مهرجان دبي السينمائي عام 2013."مولود على بوابة التحولاتولد داود عبد السيد عام 1946، وكانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت منذ أقل من عام، وبدأ العالم يستعد لتحولات كبرى، وكانت المملكة المصرية على صفيح ساخن، بين خلافات الملك وحكومات الأقليات، لكن ثمة مشروعا لدولة ديمقراطية يولد، ثم يتعثر مع انقضاض ضباط يوليو 1952 على النظام.صنع نظام يوليو خطابا يفيض بالثقة في المستقبل، ونشأ وكبر داود وأقرانه في ظله، لكن هزيمة 1967 أطاحت بالخطاب وبالثقة، يقول داود في حوار صحفي " لم تكن هزيمة 1967 مجرد حدث سياسي، بل "لحظة انكشاف أخلاقي"، إذا اكتشف جيلي أن ما قدم له كحقيقة راسخة، كان وهما منمقا".في مفارقة زمنية، تخرج داود عبد السيد من المعهد العالي للسينما عام 1967، وهو العام الذي أصبحت فيه كل المقولات السابقة عليه غير صالحة، ولم تعد اللغة القديمة مقبولة في ظل واقع أعادت الهزيمة تلوينه بالأسود. كانت تجربة انهيار السردية الكبرى للوطن "المنطلق إلى العلا" قاسية إلى حد كبير، وكان على داود أن يعيد اختراع العالم، ومن ثم يعيد اختراع لغته السينمائية الخاصة، مستبعدا تلك الخيالات والأحلام والأوهام التي رافقته في سنوات ما قبل الهزيمة.بدايات تسجيلية وثائقيةعمل داود بعد تخرّجه مساعدًا لعدد من كبار المخرجين. لم يكن الأمر مجرد تدريب على تقنيات الصناعة، بقدر ما كان محاولة لاستكشاف حدود "السينما الجديدة" أو سينما ما بعد الهزيمة.جاءت حرب 1973 لتلئم جرح الهزيمة العسكرية جزئيًّا، لكنها فتحت جرحًا اقتصاديا واجتماعيا لم يلتئم حتى اليوم. بدأ عهد السادات بانفتاح اقتصادي أعاد تشكيل السياسات والملامح الاجتماعية التي عرفها داود عن مصر، فاختار أن يبدأ من الوثائقي.
"لم أكن مهتما بتقديم شخصية ملهمة، بل بشخص يعرف أنه محاصر، لكنه يصر على الضحك"
بواسطة داود عبد السيد متحدثا عن شخصية "الشيخ حسني" في فيلم "الكيت كات"
وشَت أعماله الوثائقية بالمخرج الروائي الذي يسكنه؛ فقد بلور عبر عدد من الأعمال أسئلته الأولى حول المجتمع والمعرفة والسلطة والخيال. كانت الثلاثية الوثائقية: "وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم" (1976)، و"العمل في الحقل" (1979)، و"عن الناس والأنبياء والفنانين" (1980) ، بمثابة إعلان نوايا عن مساره اللاحق. إعلان ومع تنوع أعماله الأولى بين القصير والمتوسط الطول، مثل "رقصة من البحيرة" (1972)، و"تعمير مدن القناة"، و"الأمن الصناعي"، شكلت هذه الأعمال جسرًا يربط بين داود الوثائقي وداود الروائي، وبشّرت بمخرج يولي اهتماما خاصا بهموم الرجل العادي.رحلة روائية بدأت بالصعاليكحين قدم فيلمه الروائي الأول "الصعاليك" عام 1985، لم يرسم عبد السيد شخصياته بوصفها نماذج للشر أو الخير، بل بوصفهم بشرا تتم مساومتهم على المعاني التي بقيت في حياتهم بعد تجريدهم من كل ما كان يعني لهم شيئا.وفي فيلمه الثالث، "الكيت كات" التقى داود عبد السيد بالروائي الكبير إبراهيم أصلان، فقد التقط روايته البديعة "مالك الحزين"، وحولها إلى سيناريو، ليصل من خلال الفيلم إلى قمة سينمائية مصطحبا الممثل والنجم محمود عبد العزيز في دور لم يتكرر وفيلم يمنح المشاهد بهجة بقدر ما يمنحه من حزن يصل به إلى عنان السماء.
" لم تكن هزيمة 1967 مجرد حدث سياسي، بل "لحظة انكشاف أخلاقي"، إذا اكتشف جيلي أن ما قدم له كحقيقة راسخة، كان وهما منمقا".
بواسطة المخرج المصري الراحل داود عبد السيد متحدثا عن "نكسة يونيو" ١٩٦٧
في "الكيت كات"، قالت الشاشة إن الكاميرا بيد شاعر، إذ كان الشيخ حسني الأعمى (بطل العمل) يرى أكثر مما يراه المبصرون، لم يقترف بطولة، لم ينقذ قومه، كان كائنا يعيش على حافة الحلم، يصنع أسطورته الخاصة، ويرى بطريقة مختلفة عن تلك التي يرى بها أصحاب العيون. يقول داود عنه في أحد الحوارات: "لم أكن مهتما بتقديم شخصية ملهمة، بل بشخص يعرف أنه محاصر، لكنه يصر على الضحك". في فيلمه الأيقوني هذا، ترك داود عبد السيد الموسيقى، والحركة، والفراغات تقول ما تعجز الكلمات عن قوله.داود عبد السيد الإنسان.. ضد البطولةمقارنة بأبناء جيله من المخرجين، كان داود عبد السيد نادر الوجود في الصحف، وأكثر ندرة على شاشات التليفزيون، وكان يردد دائما: "سوف أكون حاضرا عندما يكون هناك ما أتحدث عنه، أنا لست نجما،.. أخطر ما يواجه الفنان هو أن يصدق صورته عن نفسه". لم يكن ذلك منه تواضعا اجتماعيا، بل موقفا معرفيا، فالشك عنده ليس ضعفًا، بل فضيلة.مع دخول التسعينيات، بدا أن مشروع داود عبد السيد قد انتقل من مراقبة الهامش إلى تفكيك المركز نفسه. لم تعد السينما عنده تبحث فقط عن الإنسان في مواجهة الفقر أو الاغتراب الاجتماعي، بل عن الإنسان في مواجهة الدولة بوصفها بنية نفسية قبل أن تكون جهازا سياسيًا. كان ذلك متوازيا مع نهاية الحرب الباردة، انهيار السرديات الأيديولوجية الكبرى، وصعود مفردات مثل "النظام" و"الأمن" كبديلين عن السياسة.أرض الخوفوفي مصر، كان عهد مبارك قد رسخ معادلة الاستقرار مقابل الصمت. الدولة موجودة في كل مكان، لكنها نادرًا ما تٌرى. هذه المفارقة ستجد تعبيرها الأوضح في أرض الخوف 1999، الفيلم الذي يمكن اعتباره ذروة المشروع الفكري لداود عبد السيد، وأكثر أعماله إثارة للجدل وسوء الفهم في آن.
"كنت مهتما بسؤال: هل الإنسان يظل هو نفسه حين يعيش طويلا داخل الدور المطلوب منه؟ أم أن هذا الدور يأكله من الداخل؟"
بواسطة داود عبد السيد متحدثا عن شخصية "يحي" في فيلمه: "أرض الخوف"
Loading ads...
ورغم أن بطله "تاجر مخدرات" إلا أن أرض الخوف" ليس فيلما عن المخدرات، ولا عن الجريمة المنظمة، إنه عن المساحة الأخطر في الوعي البشري، عن "التكليف".. ماذا يحدث حين تطلب الدولة / السلطة من الشخص أن يتخلى عن بوصلته الأخلاقية باسم مهمة وطنية، ومتى تنتهي هذه المهمة، وهل تنتهي، فعلا، وهل يستطيع أن يعود كما كان حين تنتهي؟. إعلان إنه ذلك التنافر المعرفي، أو التناقض بين ما يؤمن به الشخص وبين ما يقوم به على الأرض انصياعا لقوى قاهرة، لم يكن بطل العمل "يحيى" في سياق عمل نضالي، وإنما شخص عادي جدا، وجد نفسه فجأة في منطقة رمادية أخلاقيا، قيل له إنها مؤقتة، لكنها دامت، يقول داود عن الفيلم: "كنت مهتما بسؤال: هل الإنسان يظل هو نفسه حين يعيش طويلا داخل الدور المطلوب منه؟ أم أن هذا الدور يأكله من الداخل؟"لم تكن المساحة التي يحتلها السؤال تتعلق بمواطن محلي في مصر فقط، إذ كانت السينما العالمية نفسها منشغلة بتفكيك علاقة الفرد بالأنظمة الخفية فقد انتشرت أفلام عن المراقبة، وعن الدولة غير المرئية، وعن السلطة التي لا تحتاج إلى عنف مباشر كي تخضع الفرد. ينتمي "أرض الخوف" إلى هذا التيار، لكن بخصوصية مصرية واضحة، فلا كاميرات مراقبة، ولا تكنولوجيا متقدمة، بل سلطة تعتمد على الالتباس، وعلى جعل الفرد شريكا في غموضها.الفرد بمواجهة النظامينتقل تركيز داود من الدولة / السلطة إلى المجتمع في فيلم "مواطن ومخبر وحرامي" 2001 لكن يتتبع أثر السلطة في ذلك المجتمع، أو أثر القهر، والقمع، وغسيل الأمخاخ. فالثلاثي الذي يحمله العنوان ليس تصنيفًا أخلاقيا، بل شبكة علاقات. المواطن ليس بريئا بالكامل، والمخبر ليس شريرا بالكامل، والحرامي-اللص- ليس خارج المنظومة "كما يبدو".لم يكن "رسائل البحر" 2010 فيلما سياسيا بالمعنى المباشر للكلمة، ولكنه حالة هروب داخلي، فالبحر ليس ملاذا رومانسيا، بل مساحة مفتوحة للاختفاء المؤقت من ضجيج المدينة والسلطة والمطالب الاجتماعية، ورغم تصويره -المتأخر نسبيا- لكائنات الانفتاح الاقتصادي التي امتلكت المدينة، وملامحها الفظة وسلوكها الجشع، إلا أنها كانت ملامح مجتمعية أكثر منها سياسية.إنقاذ الفرد..البطليقول عبد السيد: "لم أعد متأكدا من جدوى الصدام المباشر عبر السينما، فهي لا تغير الواقع، لكنها تغير علاقتنا به". إنه يلخص فلسفته المقبلة في تقديم الأفلام التي انتقلت من محاولة فضح البنية، إلى محاولة إنقاذ الفرد من التلاشي داخلها.في فيلمه الأخير "قدرات غير عادية" 2015، قدم داود عبد السيد خاتمة شبه صامتة لهذا المسار. إنه فيلم عن أشخاص يملكون قدرات لا يعترف بها العالم من حولهم وهي استعارة واضحة لفنان يشعر أن حساسيته لم تعد تجد مكانا في واقع يتطلب ضجيجا مستمرا.انسحب داود بعد 2015 تدريجيا من المشهد. لم يعلن اعتزالا رسميًا صاخبا، ولم يدخل في معارك إعلامية. قال ببساطة إن ظروف الإنتاج لم تعد تسمح له بصنع السينما التي يؤمن بها. هذا الصمت لم يكن هروبا، بل امتدادا طبيعيًا لمسيرته: مخرج رفض دوما أن يقول ما لا يعتقده، وفي زمن تتسابق فيه الأصوات، بدا صمته حزينا، لكنه نزيه. ومع رحيله، يتأكد أن داود عبد السيد لم يكن مخرج مرحلة، بل مخرج أسئلة.. أسئلة عن الدولة، عن الخوف، عن الحرية، وعن الإنسان حين يٌترك وحيدا مع ضميره.رحيل هادئ لصاحب المبادئلم يكن داود عبد السيد شخصا اجتماعيا، لا حفلات لفنانين، ولا شلة، ولا مهرجانات إلا نادرا، إنه رجل يقضي أغلب وقته في القراءة والمشاهدة، ويشك في كل ما يقرأ أو يشاهد، ويبحث عن اليقين دون جدوى، ورفض دومه وصفه "المخرج صاحب الرسالة"، مؤكدا أنه ليس واعظا.داود عبد السيد لم يترك مدرسة، ولا وصفة لأفلام فلسفية، لكنه ترك إمكانية طرح الأسئلة حتى وإن لم تؤد لإجابات قاطعة، وترك احتراما وافرا له لدى الجمهور. ترك أفلاما لم تٌصنع لترضي لحظتها فقط، لكنها ستظل قابلة للمشاهدة في كل زمن يشعر فيه الناس أن العالم صار أوضح مما ينبغي، وأن الحقيقة تقدم في قوالب مريحة أكثر من اللازم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




