38 دقائق
قوات أمريكية على الأرض وفتح الباب للنووي.. ما الذي تستعد له ليتوانيا؟
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026
تتسارع التطورات العسكرية والتشريعية في دولة ليتوانيا الواقعة على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، لترسم معالم مرحلة جديدة من التحول الإستراتيجي في منطقة البلطيق.
ففي خطوتين متوازيتين تعكسان حجم القلق الأمني المتزايد، أعلن الرئيس الليتواني غيتاناس ناوسيدا وصول دفعات جديدة من القوات الأمريكية إلى بلاده، وذلك بالتزامن مع تصويت البرلمان الليتواني بأغلبية واسعة لصالح تعديل دستوري يمهد الطريق لإلغاء الحظر المفروض على نشر أسلحة الدمار الشامل والقواعد العسكرية الأجنبية.
وتأتي هذه التحركات المتسارعة في وقت أعلنت فيه الحكومة ليتوانيا وضع خطط طوارئ تحسبا لسيناريوهات المواجهة المباشرة، مما يضع الدولة الخصم لروسيا في قلب معادلة الصراع بين موسكو وأوروبا.
وهذه الخطوات ربما لا تعيد تشكيل المعادلة الأمنية لليتوانيا المتاخمة لروسيا وحليفتها بيلاروسيا فحسب، بل تضع المنطقة برمتها أمام مرحلة غير مسبوقة من الردع المواجه للمخاطر الإقليمية.
تُحدث العودة الأمريكية والتعديل الدستوري في ليتوانيا تحولا في هيكلية الأمن الأوروبي، إذ يرى حلفاء الناتو في شرق أوروبا أن الخطوتين تسدان ثغرة أمنية ناتجة عن حالة عدم اليقين التي سادت عقب مراجعة واشنطن لانتشارها العسكري في القارة.
ويأتي إعادة نشر القوات الأمريكية في ليتوانيا بعد انقطاع لعدة أشهر، عقب مغادرة نحو ألف جندي أمريكي خلال الصيف.
وإذا أضفنا إلى هذه الخطوة فتح الباب أمام احتمالية نشر أسلحة نووية تابعة للناتو في ليتوانيا، فإن ذلك يرسخ مفهوم الردع المتقدم على حدود حلف الناتو الشرقية.
وينسجم التعديل الدستوري في ليتوانيا لإتاحة نشر سلاح نووي مع التحركات الأوروبية الأوسع لمناقشة أطر الردع النووي، بما فيها الطروحات الفرنسية والتوجهات الأمريكية المتزايدة لإعادة تقييم تموضع السلاح النووي في أوروبا.
وقد رحب وزراء خارجية دول البلطيق، ومنهم وزير الخارجية الأستوني مارغوس تساهكنا، بالخطوة الأمريكية باعتبارها إشارة قوية على وحدة الحلفاء، لا سيما في ظل رفع دول المنطقة إنفاقها الدفاعي ليتجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
تلقي هذه التطورات بظلالها المباشرة على الحرب الروسية الأوكرانية، إذ إن تعزيز القدرات الدفاعية والردعية في ليتوانيا يمنع موسكو من محاولة توسيع جبهات الضغط أو المناورة على الجناح الشرقي لحلف الناتو للتأثير على دعم أوكرانيا.
في المقابل، تؤكد السلطات الليتوانية، على لسان رئيس وزرائها مينداوغاس سينكيفيسيوس، أن البلاد تشعر بتهديد مستمر يترجمه اختراق الطائرات المسيرة لمجالها الجوي، وهو ما دفع الحكومة لإعداد خطط إجلاء للمدنيين تحسبا لأي سيناريو، مؤكدا أنه إذا تعرضت بلاده إلى هجوم فسوف يقاومون.
وفي الوقت ذاته، رحب الرئيس ناوسيدا بالتضييق الاقتصادي على موسكو عبر تشديد العقوبات الأمريكية الموجهة ضد روسيا، مؤكدا أن زيادة الضغط الدولي مرتبطة بإيقاف الحرب في أوكرانيا.
تأتي هذه التحركات في توقيت مهم بالنسبة لليتوانيا وأوروبا، لإنهاء حالة الشك والترقب، إذ جاء التأكيد الأمريكي بنشر القوات على الأرض بعد فترة من القلق الأوربي، والتي أعقبت إعلان وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) في يونيو/حزيران مراجعة انتشار قواتها في أوروبا لمدة 6 أشهر.
كما يأتي التعديل الدستوري الليتواني ليواكب خطوات مماثلة اتخذتها دول مجاورة مثل فنلندا، ولتجنب أن تكون ليتوانيا -بحسب نواب في البرلمان- "الحلقة الأضعف" في المنظومة الإقليمية التي لا تفرض فيها دول مثل بولندا وأستونيا ولاتفيا قيودا دستورية مماثلة على نشر الأسلحة النووية.
كما تتزامن هذه القرارات مع زيادة الخروقات الجوية وتزايد التهديدات غير المتكافئة على الحدود الشاملة مع روسيا وبيلاروسيا ومقاطعة كالينينغراد.
ففي 15 سبتمبر/أيلول الجاري، أعلن مركز إدارة الأزمات الليتواني أن طائرة مقاتلة تابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) أسقطت طائرة مسيرة في ليتوانيا ورجح أن تكون الطائرة قد دخلت الأجواء من بيلاروسيا.
قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف -في تصريحات سابقة- إن نشر أسلحة نووية في ليتوانيا سيجعل أراضيها مباشرة "هدفا للأسلحة النووية الروسية".
وعما إذا كانت هذه الإجراءات موجّهة ضد موسكو، فإن الكرملين يرى أن الجواب واضح، إذ أشار بيسكوف إلى أن نشر أسلحة نووية على الحدود الشرقية للناتو لا يستهدف الغرب، بل يوجه رأس الحربة نحو الشرق، وتحديدا نحو الأراضي الروسية.
من جانبها، تشدد ليتوانيا وحلفاؤها على أن هذه الخطوات ذات طبيعة دفاعية، وتهدف إلى سد الفجوات القانونية والأمنية لمنع أي عدوان محتمل، ولضمان قدرة طائرات أو سفن الحلفاء الحاملة لقدرات الردع على المرور أو التموضع إن دعت الحاجة الأمنية.
وبين إعادة التمركز العسكري الأمريكي في ليتوانيا والمسار التشريعي لإلغاء الحظر الدستوري عن الأسلحة النووية والقواعد الأجنبية، تتجه منطقة البلطيق نحو مرحلة جديدة من المواجهة غير المباشرة مع روسيا.
Loading ads...
وفي حين تصر ليتوانيا على أن هذه القرارات ركيزة أساسية لمنع الحرب ولضمان عدم خرق أي شبر من أراضي الناتو، تراها موسكو تصعيدا خطيرا يضع جيرانها المباشرين في مرمى النيران النووية، وهو ما يجعل الساحل الشرقي للبحر الأسود والبلطيق نقاط تماس شديدة الحساسية في الخريطة الأمنية الدولية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





