حِفْظ التراث وصوْنه، مهمّة ثقافية تضطلع بها أممٌ تعتزّ بماضيها وتحرص على نقل كلّ شاهد وأثر، جيلاً بعد جيل، مع التعريف به بصور حديثة تدفعهم إلى الاعتزاز بالسلف والاقتداء به في مسيرتهم. ولهذه المهمة تتضافر الجهود في المملكة العربية السعودية، ضمن رؤية 2030؛ ففي استرجاع لإنجازات عام 2025، ضمن "الرؤية"، من زاوية الحضور السعودي على المستوى الثقافي الدولي، يُسجّل دخول كلّ من الكحل العربي والبشت والسدو قائمة منظمة اليونسكو كتراث ثقافي غير مادي للإنسانية، وانضمام موقعين إلى شبكة الجيوبارك العالمية لليونسكو، هما: شمال الرياض جيوبارك وسلمى جيوبارك، بالإضافة إلى حجز الرياض مكانة ضمن قائمة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال التصميم، والمدينة المنورة في مجال فنون الطهي. كيف تحوّل التراث من إرث محفوظ في الكتب، إلى محرّك للسياحة والثقافة السعودية؟ الإجابة في السطور الآتية، التي تسلط الضوء على إنجازات رؤية 2030 والتي ترسخ مكانة المملكة اليوم بكونها منارة من منارات الثقافة، فهي تجمع ثقافات العالم على أرضها وتعرف العالم بثقافتها.
وثقت المملكة العربية السعودية حضورها الثقافي، على المستوى الدولي، وتحديداً في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، من خلال إدراج 8 مواقع سعودية على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، ما يؤكد على الجهود الرسمية الحثيثة للحفاظ على إرث الأجداد ونقله للأجيال الجديدة ويعزّز الهوية الوطنية. وتترجمت هذه الجهود بارتفاع عدد السياح المحليين والدوليين إلى أكثر من 6.5 ملايين سائح لمواقع التراث العالمي السعودية، بنهاية 2024، فالمملكة حاضنة لتراث إنساني عريق يمتد إلى آلاف السنوات. وكان القطاع الثقافي على موعد مع تحقيق مستهدف للرؤية قبل أوانه بست سنوات، بتسجيل الموقع السعودي الثامن والمتمثّل في المنظر الثقافي لمنطقة الفاو الأثرية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
كان موقع الحِجر الأثري في مدائن صالح، أول موقع سعودي يُدرج في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وذلك عام 2008. هو يحوي مقابر ضخمة تعود واجهاتها المزخرفة إلى القرن الأول قبل الميلاد وصولاً إلى القرن الأول الميلادي، ويشمل حوالي 50 نقشاً من الحِقبة السابقة للأنباط، وعدداً من رسوم الكهوف. تُعتبَر مقابره الضخمة البالغ عددها 111 مقبرة (وقد زُين 94 منها بالزخارف)، وآباره المائية، مثالاً استثنائياً على الإنجازات المعمارية للأنباط وخبراتهم الهيدرولوجية.
ثم، سُجّل حيّ الطريف في الدرعية في "القائمة"، وذلك عام 2010. يقع "الحيّ"، في شمال غرب الرياض. كان تأسّس في القرن الخامس عشر، بـأسلوب معماري نجدي يتفرد به وسْط شبه الجزيرة العربية. في الموقع، آثار الكثير من القصور؛ فضلاً عن مدينة بُنيت على ضفاف واحة الدرعية.
وفي عام 2014، كانت منطقة جدة التاريخية ثالث المواقع المسجلة في "القائمة"، وليس في الأمر عجب؛ لأن المكان معروف بإستراتيجيته الجغرافية وقيمته في الثقافة والتاريخ السعوديين، إذ تمتد جدة التاريخية على طول ميناء جدة الإسلامي، الذي كان لقرون مركزاً لاستقبال الحجاج القادمين بحراً، والبضائع التي كانت تُجلب عبْر طريق التجارة بالمحيط الهندي. كما تحتوي جدة التاريخية القديمة على 9 أبواب، لكلٍّ منها قصة تاريخية، وكانت محاطة بسور عُرف بأنه حمى المدينة من حصار البرتغال في عام 1517 ميلادي.
وفي عام 2015، كان للفن الصخري في منطقة حائل مكانة على "القائمة". هو عبارة عن موقعين صحراويين يوجد بهما جبل أم سنمان في جبة، وجبال المنجور وراطا في الشويمس. هناك، تدلّ ألواح النقوش الصخرية والكثير من النقوش الأخرى على تواجُد جماعات سكانية عربية. وتؤلف جبال المنجور وراطا منحدرات صخرية لوادٍ تغطيه الرمال في الوقت الحاضر، ويمثل عدداً كبيراً من الأشكال الآدمية والحيوانية يمتد تاريخها إلى 10 آلاف سنة.
تتابعت حكاية الإنجازات الثقافية في 2018، عندما انضمت واحة الأحساء، بدورها، إلى "القائمة". الموقع، عبارة عن حدائق وقنوات ري وعيون مياه عذبة وآبار وبحيرة الأصفر ومبان تاريخية ونسيج حضري ومواقع أثرية، تقف شاهداً على توطُّن البشر واستقرارهم في منطقة الخليج منذ العصر الحجري الحديث حتى يومنا هذا. وتعَدّ واحة الأحساء أكبر واحات النخيل في العالم؛ إذ يصل عدد أشجار النخيل فيها إلى 2.5 مليون شجرة. يقدّم هذا المنظر الطبيعي الثقافي الفريد مثالاً استثنائياً على التفاعل بين البشر والبيئة المحيطة بهم.
وقبل 5 أعوام، وتحديداً في 2021، التحقت منطقة حمى الثقافية بالمواقع المحفوظة المذكورة أعلاه، وهي ذات طبيعة جبلية قاحلة تقع في جنوب غرب المملكة العربية السعودية، وعلى أحد أقدم طرق القوافل القديمة التي كانت تعبر شبه الجزيرة العربية. تتضمن "حمى" مجموعة كبيرة من الصور المنقوشة على الصخور التي تصوِّر الصيد والحيوانات والنباتات وأساليب الحياة لثقافة امتدت على مدى 7 آلاف عام من دون انقطاع. فقد كان المسافرون والجيوش، الذين يحلّون في المكان، على مرِّ العصور وحتى وقت متأخر من القرن العشرين، يتركون خلفهم الكثير من الآثار على الصخور التي بقي معظمها محفوظاً على حاله. وتأتي الكتابات على الصخور بعدة خطوط، منها خط المسند والآرامي- النبطي والكتابة العربية الجنوبية والخط الثمودي والكتابة اليونانية والعربية. كما أن هذا الموقع والمنطقة المحيطة به، يزخران بآثار لم يجرِ التنقيب عنها بعدُ، وهي تتكون من أرجام وهياكل حجرية ومدافن وأدوات حجرية مبعثرة وآبار قديمة. من مميزات الموقع أيضاً، أنه كائن في أقدم محطة معروفة لتقاضي الرسوم على أحد الطرق الهامة القديمة للقوافل؛ حيث توجد بئر حمى التي يرجع تاريخها إلى 3 آلاف عام مضت على الأقل، والتي لاتزال تزوّد السكان بالمياه العذبة حتى اليوم.
وفي 2023، شملت "القائمة" عروق بني معارض، وهو يمثّل الجزء الغربي من أكبر مساحة رملية على وجه الأرض؛ أيْ صحراء الرَبع الخالي، ويحفظ أحد أكثر المناظر الصحراوية روعة في العالم. تَشكّل في هذا الموقع بفضل تضاريسه المتنوّعة، طيفٌ واسع من الموائل. وما يميزه على الصعيد العالمي، هو إعادة حيوانات صحراوية مميزة إلى موائلها الطبيعية، ومن بينها: المها العربي وغزال الريم. كما تُقدّم الكثبان المتحركة موئلاً ممتازاً ذا نسبة جيدة من الأكسيجين للافقاريات والزواحف التي تختبئ في الرمل.
وفي عام 2024، ومع وضع المنظر الثقافي لـمنطقة الفاو الأثرية على قائمة التراث العالمي، تكون المملكة العربية السعودية قد حققت مستهدف رؤية 2030 قبل أوانه بست سنوات. يكمن هذا الموقع في نقطة إستراتيجية من طرق التجارة القديمة في شبه الجزيرة العربية، وقد هُجر فجأة قرابة القرن الخامس الميلادي. هناك، وُجدت 12 ألف قطعة تقريباً من البقايا الأثرية التي تعود إلى فترة ممتدة من عصور ما قبل التاريخ إلى أواخر عصر ما قبل الإسلام، وهي تشهد على تعاقُب ثلاثة شعوب مختلفة على الموقع، كما على تأقلُمها مع تطوُّر الظروف البيئية. ومن السمات الأثرية التي يحملها الموقع هناك، الأدوات التي استخدمتها الشعوب الأولى وتعود للعصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث، والبُنى المستدقة والأكوام الصخرية والمباني الدائرية، والجبل ذي الرمزية، المعروف باسم "خشم قرية"، والنقوش على الصخور، إلى جانب التلال والأكوام الصخرية الجنائزية، والحصون/ الخانات، والواحة مع النظام القديم لإدارة المياه فيها وأطلال قرية الفاو.
امتد العمل للحفاظ على ما تركه الأسلاف، إلى توثيق التراث السعودي غير المادي؛ ليبلغ عدد العناصر المسجلة في قائمة التراث الثقافي العالمي غير المادي لليونسكو حتى عام 2025، 18 عنصراً ثقافياً متنوّعاً، هي الآتية:
سجلت منظمة اليونسكو الصقارة كـتراث ثقافي غير مادي للإنسانية ضمن قائمة التراث غير المادي، عام 2011، وذلك بجهود مشتركة للمملكة العربية السعودية ودول أخرى. ثُم، في عام 2021، توسّع نطاق الملف؛ حيث انضمت دول جديدة للقائمة الرسمية للصقارة (مثل كرواتيا وأيرلندا وقيرغيزستان وهولندا)، ليصبح إجمالي عدد الدول المشاركة في هذا الملف أكثر من 24 دولة؛ مما يجعله أكبر ملف مشترك في تاريخ منظمة اليونسكو. تعكس هذه الممارسة تاريخ شبه الجزيرة العربية، وتعَد جزءاً أصيلاً من التراث السعودي الحيّ. تؤكد المعلومة الأدلةُ التي كشفها علماء الآثار الذين وجدوا طيوراً بين بقايا حضارة المقر الحجرية.
أُدرجت العرضة النجدية المعروفة أيضاً بالعرضة السعودية، ضمن قائمة التراث غير المادي عام 2015. العرضة رقصة شعبية رسمية ترمز للهوية الوطنية والثقافة السعودية، وتؤدَّى في المناسبات الوطنية والأعياد.
دخل المجلس، بدوره، "القائمة" عام 2015، وترجع أهميته إلى أنه يتيح للمواطنين فرصة الحوار والنقاش وتداوُل المعلومات وتبادُلها حول القضايا.
ثُم، انضمت لعبة المزمار الشعبية التقليدية، وذلك عام 2016. تشتهر منطقة الحجاز باللعبة، التي تؤدَّى في المناسبات الاجتماعية والوطنية. تُختصر اللعبة بحركات بدنية رجولية تتعلق بتحريك الأرجل ولف العصا على إيقاعات ممتعة.
كان للقَط العسيري مطرح على "القائمة" في 2017، وهو فن تراثي قديم في منطقة عسير جنوبي السعودية، يقوم على زخرفة المنازل من الداخل، وخصوصاً غرفة المعيشة. تقوم النسوة بهذا الفن؛ إذ يرسمن أشكالاً متناسقةً على جدران الغرفة وفيها ألوان براقة وجذابة.
سُجّل الخط العربي عام 2021، بملف مشترك مع 15 دولة أخرى، وهو ممارسة فنية متوارَثة للكتابة باللغة العربية. الخط العربي أحد الفنون التي تشكّل جزءاً أساسياً من ثقافة المملكة، ورمزاً من رموز هويتها، ويؤخذ به في كلّ التعاملات اليومية التي تتطلب استخدام اللغة العربية كتابةً وقراءة.
وُثّق حُداء الإبل مع البن الخولاني ونخيل التمر، عام 2022، في "القائمة"، وهو أحد الفنون الشفهية والتقليدية، عبارة عن "نداء" أو مجموعة من الأصوات التي يطلقها الرعاة للتواصل مع إبلهم.
يبلغ عمر زراعته في المناطق الجنوبية من المملكة العربية السعودية نحو ثمانية قرون، مع ارتباط عادات أهالي المنطقة، وشعرهم، وأهازيجهم، واقتصادهم بهذه الزراعة.
يمثّل النخيل في السعودية مصدراً للحِرف اليدوية وبعض المهن المحلية، وعنصراً رئيساً في العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية والثقافية.
وضع الهريس، وهو طبق شعبي بالسعودية وبعض دول الخليج؛ جنباً إلى جنب حرفة النقش على المعادن، على "القائمة" عام 2023.
حرفة تقليدية، تتعلق بالفنون والمهارات والممارسات المرتبطة بحِرفة النقش على المعادن "الذهب والفضة والنحاس".
في عام 2024، ازداد النشاط التوثيقي لحفظ ما يجعل الأجيال الجديدة فخورين به؛ فقد أُدخل كل من: القهوة العربية والورد الطائفي والحناء وآلة السمسمية، إلى القائمة، مع الإشارة إلى أن القهوة العربية ترمز إلى حسن الضيافة في المجتمع السعودي وتعَدّ رمزاً للكرم، وأكثر العناصر التراثية حضوراً في كلّ المناسبات.
يعَد عنصراً ثقافياً واجتماعياً يرتبط بحياة سكان محافظة الطائف منذ مئات السنين؛ إذ تمثّل زراعة الورد وصناعته جزءاً من النشاط اليومي.
تتقنها النسوة، وتتعلق بفنون النقش على اليدين والقدمين، المرتبطة بتقاليد الزواج في بعض مناطق السعودية.
آلة موسيقية من خمسة أوتار، هي جزءٌ من الهوية الثقافية للمجتمعات الساحلية بالسعودية، وتوجد في المناسبات الاجتماعية، ومنها: الأعراس والمهرجانات الثقافية.
في عام 2025، حجز كلٌّ من الكحل العربي والبشت والسدو، مكانه على القائمة.
أحد الأسماء المحلية للعباءة العربية التقليدية، يعَد من أنواع الزيّ التقليدي في المملكة العربية السعودية؛ويتم ارتداء البشت في المناسبات والمحافل والأعياد.
أحد الفنون العتيقة التي تختصر بحياكة قطع نسيجية ذات ألوان زاهية وتصميمات ذات نسق فني موحد تُزين به المنازل في السعودية.
وفي عام 2025، انضم موقعان إلى شبكة الجيوبارك العالمية لليونسكو، في خطوة تُرسخ دور المملكة العربية السعودية في الحفاظ على التراث الجيولوجي والبيئي والمجتمعات المحلية؛ ما يؤكد على تحقيق معايير تُركز على كفاءة إدارة هذه المناطق، بما يجمع بين الحماية والتعليم والتنمية المستدامة، بجانب إشراك المجتمعات المحلية.
كما تضافرت جهود متواصلة لتسجيل المدن السعودية في قائمة اليونسكو للمدن المبدعة، وهو ما تُُوج بانضمام الرياض للمدن المبدعة في مجال التصميم، والمدينة المنورة في مجال فنون الطهي عام 2025.
Loading ads...
على الصعيد المحلي، تسارعت أعمال حفظ التراث الوطني وتوثيقه في السجلات الوطنية، من مواقع أثرية، ومواقع التراث العمراني، والسجل الوطني للحِرفيين. في هذا الإطار، لا بد من تسليط الضوء على مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية، في حفظ المساجد ذات القيمة التاريخية وإعادة تأهيلها وترميمها، بما يحافظ على آثار التراث الإسلامي ويُبرز التاريخ الثقافي. كما إعادة افتتاح متحف المصمك أبوابه من جديد عام 2025، كمَعلم شاهد على التاريخ، وافتتاح متحف البحر الأحمر في جدة التاريخية (ديسمبر 2025)؛ مما يعكس جهود الحفاظ على التراث الإنساني والتاريخ الطبيعي للبحر الأحمر وإبرازه من خلال أكثر من ألف قطعة فنية وأثرية يضمها المتحف، وتوثيق تاريخ الملاحة والتجارة والحج، والثراء الطبيعي للمنطقة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

تامر حسني يناشد وزارة الصحة لوقف الفتنة الغذائية
منذ ساعة واحدة
0

السيلاوي يعلن انفصاله ويكشف التفاصيل
منذ ساعة واحدة
0



