كيف تابعت النخب العربية الانتخابات الإسرائيلية يوم الثلاثاء الماضي وماذا كانت أمنياتهم أو بالأحرى تمنياتهم؟ ربما تكون الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال تفسر لنا أحد أسباب الخيبة العربية الكبرى في مواجهة إسرائيل منذ عقود. والسبب ببساطة هو أن غالبية النخب العربية تتابع بحماس وتلهف تفاصيل الانتخابات الإسرائيلية طوال الوقت، في حين أن الإسرائيليين لا يتابعون غالبية الانتخابات العربية.
نعود إلى السؤال الذي بدأنا به وهو: "كيف تابعت النخب العربية الانتخابات الإسرائيلية؟".
أعرف كثيرين من هؤلاء وبعضهم كنت أتواصل معهم طوال الفترة التي سبقت الانتخابات وخلالها والساعات التي أعقبت النتائج الأولية، ثم النهائية.
سلوك وطريقة تفكير هذه النماذج ربما يجيبان عن السؤال الجوهري وهو: لماذا وصلنا نحن العرب إلى هذه الحالة في مواجهة إسرائيل؟ وفي السطور التالية سأسرد طريقة تفكير أحد هذه النماذج الذي كان يتابع هذه الانتخابات بشغف وكأنه مواطن إسرائيلي!
هو بطبيعة الحال لا يحب كل قادة وأعضاء وكوادر حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وأصيب بحالة من الحزن والهم والغم وهو يتابع أخبار العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة ومحاولات تهويد الضفة والاعتداءات المستمرة على جنوب لبنان وسوريا، والبلطجة على عموم المنطقة.
في اللحظة التي سيتوقف فيها الكثير من العرب عن متابعة الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية ويبدؤون في متابعة الانتخابات في بلدانهم، أو في اللحظة التي سيبدأ فيها الإسرائيليون في متابعة الانتخابات العربية، وقتها سيكون هناك متغير كبير في المنطقة بأكملها
هذا المواطن النموذج كان يتابع استطلاعات الرأي قبل إجراء الانتخابات الإسرائيلية بشهور، وكان سعيدا للغاية؛ لأن هذه الاستطلاعات كانت تشير دائما إلى تفوق معسكر المعارضة الذي يقوده رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت على المعسكر الذي يقوده نتنياهو، وزادت درجة السعادة؛ لأن هذه الاستطلاعات أشارت إلى زيادة عدد المقاعد التي ستحصل عليها القوائم العربية.
لكن الحالة النفسية لهذا المواطن العربي بدأت تتدهور مع قرب الانتخابات وتغير نتائج الاستطلاعات التي أشارت إلى تحسن نتائج وفرص معسكر نتنياهو على حساب معسكر المعارضة.
صدمة هذا المواطن كانت كبيرة حينما قال له أحد معارفه إنه لا يوجد فرق كبير بين نتنياهو وبن غفير وسموتريتش من جهة، وقادة المعسكر الآخر مثل آيزنكوت وبينيت ولابيد وليبرمان، فالجميع لا يعترف بالدولة الفلسطينية وربما لا يقرّ بحق الفلسطينيين في الوجود، لكنه ظل متمسكا برأيه الذي يرى أنه لا يمكن أن يكون هناك من هو أسوأ من نتنياهو ورفاقه.
وكان لديه يقين أن هزيمة نتنياهو سوف تقود إلى توقف العدوان الإسرائيلي في غزة والضفة ولبنان وسوريا، بل ربما نهاية الحرب مع إيران أيضا.
بدأت الانتخابات صباح يوم الثلاثاء الماضي 27 أكتوبر/تشرين الأول، وكانت أسعد لحظات هذا المواطن العربي حينما أشارت استطلاعات الرأي لعينة الخارجين من مراكز الاقتراع إلى تقدم معسكر المعارضة والقوائم العربية. كان هذا المواطن فرحا وكأن حزبه المحلي هو الذي حقق هذه النتيجة، وتضاعفت الفرحة حينما خرج بعض قادة كتلة التغيير مثل آيزنكوت ولابيد قائلين إنه تمت هزيمة نتنياهو.
ظل هذا المواطن مستيقظا حتى الثانية فجرا بتوقيت الشرق الأوسط، ومعظم النتائج الأولية كانت تشير إلى استمرار تقدم المعارضة. في النهاية غلبه النعاس ونام، لكنه استيقظ من القلق في الخامسة فجرا ليكتشف أن الاستطلاعات ونتائج الفرز الأولية كشفت عن بدء تقدم معسكر نتنياهو.
أصيب المواطن بالقلق، وحاول النوم مرارا وتكرارا لكنه لم يستطع، وفي كل لحظة كانت النتائج تشير إلى تقدم كتلة نتنياهو وتراجع المعارضة، في النهاية غلبه النعاس مجددا فنام قليلا ثم استيقظ صباح يوم الأربعاء ليجد أن كتلة نتنياهو حققت 53 مقعدا والمعارضة 47 مقعدا.
لكن الخبر الذي أسعده وخفف عنه وقع هذا التطور أن الأحزاب والقوى السياسية العربية حققت رقما قياسيا بحصولها على 19 مقعدا.
وفي اليوم التالي عرف النتائج النهائية بحصول كتلة نتنياهو على 53 مقعدا، والمعارضة أو كتلة التغيير على 48 مقعدا، والأحزاب العربية على 19 مقعدا، وهي النتائج التي لم تتغير حتى بعد الانتهاء من فرز الأصوات المغلفة أو العاملين في السفارات بالخارج أو السجون والخدمات الصحية في الداخل.
في هذه اللحظة بدأ هذا المواطن يشعر ببعض الراحة لأن نتنياهو لن يتمكن من تشكيل حكومة يمينية متشددة؛ لأنه لا يملك الـ 61 مقعدا في الكنيست، في حين أنه سمع العديد من الخبراء يقولون إن المقاعد التي حصل عليها العرب قادرة على تشكيل دعم لحكومة أقلية يمكنها أن تطيح بنتنياهو وبقية المتطرفين.
من المحزن أننا نتابع بدقة تفاصيل التطورات السياسية في إسرائيل، خصوصا الانتخابات لحظة بلحظة، في حين أن الإسرائيليين لا يتابعون الانتخابات في معظم البلدان العربية إلا ما ندر
كل ما فكر فيه هذا المواطن وعاشه، حكاه لأحد أصدقائه في اليوم التالي، فقال له هذا الصديق ألا ترى أنك تراهن على أصوات المقترعين الإسرائيليين لكي يغيروا لك الواقع العربي الصعب، فرد عليه قائلا: ماذا تقصد؟
أجابه: الأمر بسيط وعليك ألا تنزعج فأنت لست وحدك في هذا التفكير، بل هو سلوك يمارسه العديد من العرب، ليس فقط المواطنين والمتابعين العاديين، بل بعض الحكومات العربية التي تراهن على فوز أحزاب أو كتل إسرائيلية معتدلة من وجهة نظرها.
نحن نتابع الانتخابات الإسرائيلية على أمل أن يقوم الناخبون الإسرائيليون بالتصويت لأحزاب معتدلة توقف السياسات المتطرفة والعدوانية، وهو الأمر الذي نكرره تقريبا مع الانتخابات الأمريكية سواء كانت الرئاسية أو النصفية.
ولو تأملنا الوضع الآن فإن العديد من العرب يأملون أن ينهزم الجمهوريون ويأتي بدلا منهم الديمقراطيون في انتخابات الكونغرس لعل وعسى يتوقف الدعم الأمريكي المفتوح لإسرائيل أو يقل قليلا.
من المحزن أننا نتابع بدقة تفاصيل التطورات السياسية في إسرائيل، خصوصا الانتخابات لحظة بلحظة، في حين أن الإسرائيليين لا يتابعون الانتخابات في معظم البلدان العربية إلا ما ندر.
لأنها ببساطة غير موجودة أو غير مؤثرة، وبالتالي فلن تؤدي إلى أي تغيير في المشهد السياسي العربي.
وبالقياس نفسه فإنه في اللحظة التي سيتوقف فيها الكثير من العرب عن متابعة الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية ويبدؤون في متابعة الانتخابات في بلدانهم، أو في اللحظة التي سيبدأ فيها الإسرائيليون في متابعة الانتخابات العربية، وقتها سيكون هناك متغير كبير في المنطقة بأكملها، وإذا حدث ذلك فالمؤكد أن إسرائيل سوف تعيد كل حساباتها وتتوقف عن منطق البلطجة والهيمنة وخرافات رسم حدود المنطقة أو إقامة ما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى".
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

برلماني إيراني يحذر: أي حرب جديدة قد تمتد إلى أوروبا...
منذ ثانية واحدة
0

انتهاء التهدئة.. روسيا ترفض تمديد الهدنة الإنسانية في...
منذ ثانية واحدة
0



