7 أيام
الرقمنة لا تكفي.. من يحفظ الذاكرة العربية المسجلة ويتيحها للناس؟
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

بكرات محفوظة على رفوف أرشيف إذاعة مقديشو في 7 نوفمبر 2013 - AU UN IST PHOTO / Tobin Jones
من فهرسة الشهادات الفلسطينية إلى ترميم الموسيقى العربية وصون أشرطة إذاعة مقديشو، تتوزع حماية الذاكرة المسجلة على مؤسسات وجامعي تسجيلات وممولين. وتكشف هذه التجارب أن إنتاج الملف الرقمي يحتاج إلى حفظ مستمر، وأن إمكان الوصول إليه لا يحسم حقوق إعادة استخدامه.
تحويل الشريط إلى ملف بداية رحلة أخرى: من يصون التسجيل، ومن يتيح سماعه، ومن يملك حق نشره؟
في أرشيف التاريخ الشفوي الفلسطيني، تحمل بطاقة مقابلة محمد حسين درويش اسم قريته، البروة، ومدة شهادته المصورة، وموضوعاتها. وعند التوقيت 51:44، يحدد الفهرس مقطعًا عن معركة البروة والتهجير إلى لبنان. خلف هذه التفاصيل عمل يختلف عن تحويل شريط إلى ملف: التعرف إلى محتواه، وربطه بالأماكن والأسماء، وتقسيمه بحيث يستطيع الباحث العثور على ما يحتاج إليه داخل شهادة تتجاوز الساعة.
يختصر هذا الفارق سؤال اليوم العالمي للتراث السمعي البصري، الذي تحييه اليونسكو في 27 أكتوبر/ تشرين الأول. ففي مناسبة عام 2026، التي تحمل شعار "نافذتك إلى العالم"، تتجاوز حماية التسجيلات إنقاذ الصوت والصورة من وسيط قديم. تحتاج الذاكرة المسجلة إلى مؤسسات تستطيع الاحتفاظ بها سنوات طويلة، وتمويل هذا العمل، وتحديد من يمكنه الوصول إليها وما الذي يحق له فعله بها.
وتقدم تجارب عربية، من الشهادات الفلسطينية في بيروت إلى الموسيقى المحفوظة لدى مؤسسة "أمآر" وأرشيف إذاعة مقديشو، إجابات عملية عن أجزاء من هذا السؤال. فالجهة التي تجمع التسجيل قد تختلف عن المؤسسة التي تحفظه، وعن الممول الذي يدعم رقمنته، وعن صاحب الحق في نشره.
في التجربة الفلسطينية، سبق الجمع الميداني المنصة الرقمية. أجرى "أرشيف النكبة" و"مركز المعلومات العربي للفنون الشعبية - الجنى" مقابلات مع فلسطينيين في لبنان، تناولت التهجير والحياة قبل النكبة والحكايات والأغاني والسير الشخصية. ثم تولت مكتبات الجامعة الأميركية في بيروت مسؤولية رقمنة المجموعات وفهرستها وحفظها وإتاحتها، ضمن شراكة شملت معهد عصام فارس في الجامعة والجهتين الجامعتين للشهادات.
تضم المجموعة نحو 1000 ساعة، بحسب تعريف المشروع. وحصل المشروع على تمويل على مراحل: دعمت مؤسسات هاينريش بول والتعاون وغلاديس كريبل ديلماس مراحل مبكرة، ثم حصل المشروع على منحة قدرها 260 ألف دولار من المؤسسة الوطنية الأميركية للعلوم الإنسانية لمرحلة التنفيذ والتطوير خلال الفترة من 2016 إلى 2019.
ولا تقف قيمة الشراكة عند توفير أجهزة التحويل. يشرح المشروع أن فريقه استخرج من المقابلات أسماء أشخاص ومعالم ومؤسسات وأماكن، وربطها بمقاطع التسجيلات ضمن قوائم قابلة للبحث. هكذا يصبح اسم قرية أو سجن أو شخصية مدخلًا إلى رواية مسجلة، بدل أن يضطر الباحث إلى تفحص ساعات طويلة للوصول إليها. وتبقى الشهادة مرتبطة بصاحبها وسياقها، مع إمكان العودة إلى التسجيل لفهم ما لا تنقله الكلمات المفتاحية.
في قرنة الحمرا بلبنان، تعالج مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية "أمآر" جانبًا آخر من المسألة. تأسست عام 2009، وتركز مجموعاتها على تسجيلات عصر النهضة الموسيقية في مطلع القرن العشرين. ويضم عملها اقتناء التسجيلات وتصنيفها ورقمنتها، داخل مؤسسة لديها استوديو مخصص لهذا الغرض، ثم إعداد مواد تتيح سماعها وفهم تاريخها.
ومن الأمثلة إصدار تسجيلات يوسف المنيلاوي عام 2011: نقلت المؤسسة نحو 62 أسطوانة إلى 10 أقراص مضغوطة، بعد الرقمنة والترميم وإعادة المعالجة الصوتية، وأرفقتها بمادة توثيقية. هنا تتداخل مهارة التعامل مع التسجيل القديم مع معرفة موسيقية تحدد صاحبه ونوع الأداء ومكانته. فالملف الذي يصل إلى المستمع هو نتيجة عمل على مصدر معروف، لا تسجيلًا متداولًا مجهول النسبة.
وتكشف مجموعة الباحث عبد العزيز العناني كيف يتوزع هذا العمل وتمويله. تقول "أمآر" إنها رقمنت وفهرست بكرات تضم حفلات إذاعية وخاصة وتسجيلات جمعها العناني، بدعم من "الصندوق العربي للثقافة والفنون - آفاق". وشمل الدعم نشر الفهارس ليستفيد منها الباحثون والطلاب. ويدرج الصندوق مشروع "كنوز التسجيلات الموسيقية الخاصة" ضمن منح عام 2013.
نشر الفهرس، وإتاحة المادة للباحث، وإصدار مختارات للجمهور، أعمال تخدم أغراضًا مختلفة. فوجود عنوان التسجيل على موقع المؤسسة لا يعني أن كامل مجموعتها منشور للاستماع المفتوح، كما أن إعادة إصدار تسجيل لا تغني عن استمرار العناية بالمصدر ونسخة الحفظ.
في الصومال، يكتسب سؤال الإنقاذ معنى مباشرًا. فبحسب اليونسكو، في تحديث نشرته في يونيو/ حزيران 2026، يضم أرشيف إذاعة مقديشو نحو 45 ألف شريط صوتي يوثق عقودًا من تاريخ البلاد وثقافتها. وحدد تقييم خبراء أجري في أبريل/ نيسان تدهورًا كبيرًا في نحو 10% من الأشرطة بسبب التقادم والتلف المادي، وأشار إلى تدمير أكثر من 5% أو تضررها بشدة بفعل الحرائق وكوارث أخرى.
ولا تتوقف المشكلة عند التلف المادي. فبحسب التقييم نفسه، يصعب استرجاع المحتوى بسبب غياب نظام فهرسة شامل. لذلك يحتاج الأرشيف إلى معالجة الأشرطة وتنظيم المعلومات عنها معًا؛ فقد تبقى المادة قابلة للتشغيل ويصعب الوصول إلى التسجيل المطلوب داخل المجموعة.
وفي يونيو، افتتحت مرافق أرشيفية محسنة ضمن مشروع لليونسكو تموله الحكومة اليابانية، شمل شراء معدات للرقمنة وتحسين البنية اللازمة للحفظ. وتعرض المنظمة عملًا يجمع التنظيف والتقييم والرقمنة، بالتعاون مع المؤسسة الصومالية. يوفر ذلك أدوات للإنقاذ، لكنه لا يعني أن الأشرطة كلها حُولت بالفعل، أو أن كامل محتواها أصبح متاحًا للجمهور.
موظفة في إذاعة مقديشو تستخدم جهازًا لتحويل التسجيلات إلى ملفات رقمية في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013 - AU UN IST PHOTO / Tobin Jones
حتى عندما تنجح الرقمنة، تبدأ مسؤولية جديدة. فوفق مبادئ الجمعية الدولية للأرشيفات الصوتية والسمعية البصرية "IASA"، يحتاج المحتوى الرقمي إلى نسخ حفظ متعددة، في مواقع جغرافية مختلفة متى أمكن، وفحوص دورية للتأكد من أن بياناته لم تتغير أو تتلف، ونقل إلى وسائط جديدة قبل تعذر قراءته. وقد يحتاج أيضًا إلى تحويل الصيغة عندما تتقادم التقنية التي تشغلها.
ويهم التمييز هنا بين نسخة الحفظ ونسخة الاستماع أو العرض. يمكن إعداد نسخة أخف للتداول، أو معالجة الصوت لتلبية غرض معين، مع توثيق التدخلات. لكن هذه النسخة لا تحل تلقائيًا محل المادة المرجعية التي تحفظها المؤسسة. ومن ثم، فإن عدد الساعات التي جرى تحويلها إلى ملفات يصف إنجازًا مهمًا، لكنه لا يجيب وحده عن كيفية صيانتها بعد خمس سنوات أو عشر.
قالب توضيحي: الرقمنة والحفظ الطويل والإتاحة والحقوق مسؤوليات مختلفة.
وتمتد المسؤولية إلى الحقوق. ففي البيانات التفصيلية لمقابلة محمد حسين درويش، يسمي الأرشيف "أرشيف النكبة" صاحبًا لحقوق المقابلة ويثبت أن الحقوق محفوظة. فاستضافة التسجيل لدى المكتبة لا تلغي حقوق الجهة المسماة في بطاقته، وتبقى شروط إعادة نشره مسألة مستقلة. ويؤكد دليل الجامعة للنشر في مشروعات التاريخ الشفوي ضرورة احترام الاتفاقات السابقة والقيود المتعلقة بالوصول والتوزيع، ومراعاة الاعتبارات الأخلاقية.
لهذا لا يصح اختزال الإتاحة في زر تشغيل، أو اعتبار الاحتفاظ بالملف امتلاكًا لجميع حقوقه. ويعالج دليل تنفيذ توصية اليونسكو لعام 2015 هذه المسافة: يدعو إلى تمكين المؤسسات من أعمال الحفظ، مع تنظيم الوصول حين تتصل به حقوق تجارية أو خصوصية أو اعتبارات أخرى. الحفظ يحمي بقاء المادة، أما النشر وإعادة الاستخدام فيحتاجان إلى شروط واضحة تخصها.
تمويل المؤسسة لا عملية التحويل وحدها
توضح الحالات الثلاث أن مسؤولية الذاكرة موزعة: مبادرات تجمع، ومتخصصون يرممون ويفهرسون، ومكتبات وإذاعات ومؤسسات أهلية تحفظ، وجهات تمول مراحل العمل. وتظهر الحاجة إلى الاستمرار عندما تنتهي المنحة أو يكتمل شراء الأجهزة: من يفحص الملفات، ويحدث أنظمة التخزين، ويجيب عن طلبات الباحثين، ويتابع حقوق المواد؟
وتربط اليونسكو حفظ التراث الوثائقي وإتاحته باستقرار المؤسسات واستمراريتها وأطرها القانونية. ومن هذه الزاوية، يقاس نجاح مشروع الرقمنة بما يتركه من قدرة على مواصلة الحفظ، إلى جانب ما ينتجه من ملفات.
Loading ads...
إنقاذ الذاكرة العربية المسجلة يحتاج إلى مؤسسة مسؤولة عن مصدرها وسلامتها وإمكان الوصول إليها، وموارد تستمر بعد انتهاء المشروع. عندها يستطيع التسجيل أن يبقى مسموعًا، وأن يبقى معلومًا أيضًا: لمن يعود، وماذا يوثق، وكيف يمكن استخدامه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





