4 ساعات
منغ مثالاً.. كيف يتصاعد الجدل حول التعامل مع "الشبيحة" شمالي سوريا؟
الإثنين، 15 يونيو 2026
يتصاعد الجدل في مختلف المحافظات وخاصة في مناطق الشمال السوري حول طريقة التعامل مع الأشخاص الذين قاتلوا في صفوف قوات النظام المخلوع والميليشيات الموالية له خلال سنوات الثورة السورية، وسط انقسام مجتمعي بين من يدعو إلى طي صفحة الماضي وفتح باب "التسويات الاجتماعية"، وبين من يرى أن أي محاولة لإعادة دمج هؤلاء داخل مجتمعاتهم من دون محاسبة أو اعتراف بما ارتكبوه تمثل استفزازاً لمشاعر الضحايا وعائلات القتلى والمهجرين.
وعادت هذه القضية إلى الواجهة مجدداً عقب بيان مصور أصدره عدد من أهالي بلدة منغ بريف حلب الشمالي، أعلنوا فيه سلسلة إجراءات بحق من وصفوهم بـ"الشبيحة" وكل من قاتل إلى جانب النظام المخلوع أو شارك في العمليات العسكرية ضد أبناء المنطقة خلال سنوات الثورة.
والبيان الذي انتشر على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، لم يكن مجرد موقف محلي محدود، بل فتح الباب مجدداً أمام نقاش واسع يتعلق بملف العدالة الانتقالية، وحدود التسامح، وإمكانية عودة الأشخاص المتورطين في القتال ضمن بيئات اجتماعية ما تزال تحتفظ بذاكرة مثقلة بالقتل والتهجير والدمار والعذابات.
أعلن المشاركون في البيان المصور الصادر عن أهالي بلدة منغ بريف حلب الشمالي جملة من الإجراءات بحق الأشخاص الذين قاتلوا إلى جانب قوات النظام المخلوع والميليشيات الموالية له خلال سنوات الثورة السورية، تضمنت منع دخولهم إلى البلدة، ومنع دفنهم في مقابرها، إضافة إلى حرمانهم من استثمار أراضيهم الزراعية أو جني محاصيلها لمدة تصل إلى 15 عاماً.
وقال المشاركون إن هذه الخطوات تمثل "موقفاً شعبياً" يعبر عن رفض عودة من يحملهم الأهالي مسؤولية ما شهدته البلدة من قتل وتهجير ودمار على مدى أكثر من 14 عاماً، مؤكدين أن جراح السكان ما تزال مفتوحة، وأن كثيراً من العائلات فقدت أبناءها ومنازلها خلال سنوات الحرب.
وجاء البيان عقب حالة استياء وغضب شهدتها البلدة خلال الأيام الماضية، بعد تداول معلومات عن دخول وعودة عدد من الأشخاص المحسوبين على النظام المخلوع إلى منغ، إضافة إلى نشر صور ومقاطع توحي بعودتهم الطبيعية إلى البلدة، وهو ما اعتبره كثير من الأهالي استفزازاً مباشراً لعائلات الضحايا والمفقودين، وتجاهلاً لحجم المعاناة التي عاشها السكان خلال سنوات الثورة.
وتعد بلدة منغ واحدة من أكثر مناطق ريف حلب الشمالي التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الثورة السورية، إذ تحولت منذ وقت مبكر إلى ساحة مفتوحة للقصف والمعارك، بسبب قربها من مطار منغ العسكري، الذي كان أحد أبرز المواقع العسكرية التابعة للنظام المخلوع في المنطقة، وحررت فصائل الجيش الحر البلدة في العام 2012، غير أن القصف المدفعي والجوي المكثف الذي كان ينطلق من المطار تسبب حينها بتهجير معظم السكان، قبل أن تتمكن فصائل المعارضة من السيطرة على مطار منغ العسكري في العام 2013، بعد معارك عنيفة استمرت أشهراً طويلة وشهدت سقوط عشرات القتلى من أبناء المنطقة.
ودخلت البلدة مرحلة جديدة من المعارك في شباط/فبراير 2016، عندما سيطرت عليها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بدعم مباشر من الطيران الروسي، ضمن هجوم واسع شمل أكثر من 40 بلدة ومدينة في ريف حلب الشمالي، من بينها تل رفعت، لتتحول منغ منذ ذلك الوقت إلى خط تماس عسكري مفتوح بين فصائل المعارضة و"قسد"، وخلال تلك السنوات، تعرضت البلدة لقصف متكرر ومتبادل تسبب بدمار واسع طال المنازل والبنية التحتية والمرافق العامة، فيما بقي قسم كبير من سكانها نازحين في مخيمات وبلدات ريف حلب الشمالي.
وبحسب مصادر محلية تحدثت لموقع "تلفزيون سوريا"، فإن نسبة الدمار في البلدة تتجاوز 80 في المئة، في حين واجه الأهالي بعد عودتهم تحديات إضافية تمثلت بانتشار الألغام والأنفاق التي خلفتها "قسد" في الأحياء السكنية والأراضي الزراعية، ما جعل أجزاء واسعة من البلدة خطرة وغير صالحة للسكن لفترات طويلة، وأبقى آثار الدمار حاضرة بشكل يومي في حياة الأهالي حتى اليوم.
وقال رئيس المجلس المحلي السابق في بلدة منغ، غياث الدك، لموقع "تلفزيون سوريا"، إن البلدة يتبع لها خمس قرى ويبلغ عدد سكانها نحو 22 ألف نسمة، موضحاً أن "أكثر من 90 بالمئة من أبناء منغ كانوا مع الثورة"، بينما كان هناك نحو 60 عائلة قاتل بعض أبنائها إلى جانب النظام المخلوع، إضافة إلى انخراط بعض أبناء العائلات في صفوف "قسد"، وأضاف الدك أن معظم أهالي البلدة عاشوا سنوات النزوح في مخيمات ريف حلب الشمالي، وتوزعوا بين مخيمات سجو والسلامة والقطري، بعد سيطرة "قسد" على المنطقة عام 2016.
وأوضح أن حالة الغضب الأخيرة بدأت بعدما عاد بعض الأشخاص الذين قاتلوا مع النظام المخلوع إلى البلدة بشكل سري، وبدؤوا بنشر صور ومقاطع توحي بعودتهم الطبيعية إلى منغ، الأمر الذي اعتبره الأهالي استفزازاً مباشراً لمشاعر العائلات التي فقدت أبناءها ومنازلها خلال سنوات الثورة، وقال الدك: "كل عائلة تقريباً في منغ لديها شهيد أو أكثر، ومعظم الناس منازلهم مدمرة ومتضررة، ثم يأتي هؤلاء ليستعرضوا وكأن شيئاً لم يكن".
وأضاف: "هذه التضحيات التي قدمها أهالي البلدة ليس من المنطقي أن تقبل بعودة أشخاص كانوا شركاء للنظام المخلوع في قتلنا وفي عذابنا"، ويرى الدك أن البيان الذي أصدره الأهالي "له مبرراته المنطقية"، مشيراً إلى أن الجراح ما تزال مفتوحة، وأن جزءاً كبيراً من الأهالي يعتبر وجود هؤلاء داخل البلدة نوعاً من “الرقص على جراح الضحايا”، على حد وصفه.
وقال عدد من سكان البلدة التقاهم موقع "تلفزيون سوريا" إن القضية لا تتعلق فقط بالخلاف السياسي، بل بذاكرة ثقيلة مرتبطة بأسماء وأشخاص شاركوا بشكل مباشر في القتال أو الوشاية أو المساهمة في عمليات القصف والاعتقال، ما يجعل فكرة العودة الطبيعية بالنسبة لكثيرين أمراً غير قابل للتقبّل حتى اليوم.
لا يبدو التعامل مع الأشخاص الذين قاتلوا في صفوف النظام المخلوع موحداً في مختلف المناطق السورية، إذ تختلف طبيعة العلاقة معهم من مدينة إلى أخرى تبعاً للتركيبة الاجتماعية، وحجم الانقسام الذي شهدته كل منطقة خلال سنوات الثورة، إضافة إلى عوامل جديدة فرضتها التحولات السياسية والعسكرية التي أعقبت سقوط النظام المخلوع.
ففي بعض المناطق، خاصة في أرياف حماة وحلب وإدلب، ساهمت العصبيات العائلية والعشائرية في احتواء هذا الملف أو "تسويته" بشكل غير معلن، بينما استفاد آخرون من وجود أقارب أو شخصيات نافذة، ما أبقاهم بعيدين عن أي ملاحقة أو مساءلة مجتمعية، بحسب مصادر محلية تحدثت لموقع "تلفزيون سوريا".
وفي مدن أخرى شمالي حلب، مثل مارع، عاد عدد من الأشخاص المعروفين بولائهم السابق للنظام المخلوع إلى مناطقهم من دون أن تشهد المدينة صدامات أو توترات كبيرة، إذ ساعدتهم الروابط العائلية أو علاقتهم بقيادات فصائل تحولت لاحقاً إلى مواقع عسكرية وأمنية ضمن الجيش السوري الجديد، فيما فضّل آخرون العودة بهدوء والابتعاد عن الظهور العلني أو إثارة الماضي.
لكن المشهد يبدو مختلفاً في مناطق أخرى، مثل اللطامنة وكفرزيتا في ريف حماة الشمالي، حيث بقيت النظرة تجاه "الشبيحة" أكثر تشدداً ورفضاً، نتيجة حجم الدمار والخسائر البشرية والانتهاكات التي تعرضت لها تلك المناطق على مدى سنوات طويلة، وقال الناشط السياسي فياض الصطوف، وهو من أبناء مدينة اللطامنة، لموقع "تلفزيون سوريا"، إن مناطق ريف حماة الشمالي شهدت منذ عام 2014 توسعاً كبيراً في تشكيل مجموعات "الدفاع الوطني" والميليشيات المحلية الموالية للنظام المخلوع، بدعم مباشر من الأجهزة الأمنية والعسكرية التي كانت تتبع للنظام المخلوع.
وأوضح الصطوف أن بلدات مثل صوران وطيبة الإمام وخطاب وحلفايا ومحردة تحولت خلال تلك الفترة إلى مراكز رئيسية لتجنيد المقاتلين الموالين، قبل أن يتوسع دورهم بشكل أكبر بعد التدخل الروسي عام 2015، حين اعتمد النظام المخلوع بصورة متزايدة على تلك المجموعات في المعارك ضد فصائل المعارضة، خصوصاً ضمن تشكيلات "الفرقة 25 مهام خاصة" التي كان يقودها الضابط في جيش النظام المخلوع سهيل الحسن.
وأضاف أن كثيراً من القادة والعناصر عادوا بعد سقوط النظام المخلوع إلى بلداتهم "تحت شعار صفحة وطويناها"، مشيراً إلى أن بعضهم يحاول اليوم إعادة تقديم نفسه داخل المجتمع عبر التبرعات أو حضور المناسبات الاجتماعية ومحاولات التقرب من الأهالي، لكن الصطوف أكد أن الموقف الشعبي ما يزال منقسماً، موضحاً أن المناطق التي كانت الكفة فيها تميل لصالح الموالين للنظام تتجنب غالباً فتح هذا الملف أو الحديث عنه بشكل علني، بينما بقيت المناطق التي كانت ذات حاضنة ثورية واضحة أكثر حساسية تجاه أي محاولة لإعادة دمج هؤلاء داخل المجتمع من دون محاسبة.
وفي هذا السياق، قال "أبو محمد"، وهو أحد أبناء مدينة اللطامنة ممن فقدوا اثنين من أفراد عائلته خلال العمليات العسكرية التي شنها النظام المخلوع على المدينة، لموقع "تلفزيون سوريا"، إن كثيراً من الأهالي يشعرون بأن عودة بعض الشخصيات الموالية للنظام "تفتح الجراح القديمة من جديد".
وأضاف: "نحن لا نتحدث عن خلاف سياسي عادي، هناك أشخاص شاركوا في القصف والحصار والاقتحامات، وبعضهم كان يدل قوات النظام المخلوع على بيوت الناس وممتلكاتهم، لذلك من الصعب على الأهالي تقبل فكرة أن يعود هؤلاء وكأن شيئاً لم يكن"، وتابع: “الناس تريد على الأقل اعترافاً بما جرى ومحاسبة عادلة، لا أن يتحول الموضوع إلى تسويات اجتماعية سريعة أو محاولة فرض أمر واقع جديد على الضحايا وعائلاتهم”.
ويعكس اختلاف طريقة التعامل مع هذا الملف بين منطقة وأخرى بيعة الانقسام الاجتماعي الذي خلفته سنوات الحرب التي شنها النظام المخلوع، كما يكشف حجم التعقيدات التي تواجه أي محاولة لبناء مصالحة مجتمعية حقيقية في ظل غياب مسار واضح للعدالة الانتقالية أو آليات رسمية لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات.
بالتوازي مع الجدل المتصاعد حول عودة شخصيات موالية للنظام المخلوع إلى بعض المناطق السورية، بدأ عدد من الناشطين في ريف حماة العمل على تتبع وتوثيق الأشخاص الذين قاتلوا في صفوف قوات النظام والميليشيات المرتبطة بها خلال سنوات الثورة، عبر جمع الصور والمقاطع المصورة والمعلومات المتعلقة بهم، ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويقول ناشطون إن هذه التحركات جاءت نتيجة شعور متزايد داخل الأوساط الشعبية بأن ملف المحاسبة يسير ببطء شديد، وإن كثيراً من الأشخاص المتورطين في الانتهاكات عادوا إلى بلداتهم أو يحاولون إعادة تقديم أنفسهم داخل المجتمع، من دون أي مساءلة فعلية أو حتى اعتراف علني بما ارتكب خلال سنوات الحرب.
وقال أبو صطيف خطاب، وهو ناشط سياسي وإعلامي من ريف حماة، لموقع "تلفزيون سوريا"، إنه عمِل طوال سنوات الثورة ضمن مراصد ميدانية كانت تتابع تحركات قوات النظام المخلوع والطائرات الحربية، موضحاً أنه كان يوثق بشكل مستمر صور ومقاطع العناصر والقيادات التي شاركت في العمليات العسكرية ضد بلدات المعارضة في ريف حماة وإدلب.
وأضاف خطاب أن ظاهرة "التشبيح" في ريف حماة الشمالي بدأت تتوسع بشكل واضح اعتباراً من عام 2014، بعدما دفع النظام المخلوع باتجاه تشكيل مجموعات محلية موالية له، وتجنيد أبناء القرى والبلدات ضمن ميليشيات مرتبطة بالأجهزة الأمنية أو بالقوات الرديفة، قبل أن تتضاعف أعداد المنتسبين إليها بعد سيطرة قوات النظام المخلوع على مناطق المعارضة حتى عام 2018.
وأوضح أن كثيراً من هؤلاء قاتلوا ضمن تشكيلات متعددة، من بينها "الفرقة 25 مهام خاصة" التي كان يقودها الضابط في جيش النظام المخلوع سهيل الحسن، إضافة إلى مجموعات مرتبطة بالفيلق الخامس المدعوم روسياً، مشيراً إلى أن كثيراً من الأهالي ما يزالون يحتفظون بذاكرة مباشرة عن الأشخاص الذين شاركوا في الاقتحامات أو القصف أو عمليات الاعتقال والتشبيح داخل مناطقهم.
ويرى خطاب أن حالة الغضب الموجودة اليوم ترتبط بشعور شريحة واسعة من السوريين بأن العدالة لم تتحقق بعد، وأن ملف الانتهاكات يجري التعامل معه ببطء أو بتسويات اجتماعية لا تراعي حجم المأساة التي عاشها طيف واسع من السوريين، وقال: "هناك احتقان كبير داخل المجتمع، والناس تريد معرفة من قاتل ضدها ومن ارتكب الانتهاكات بحقها، كثيرون يرفضون فكرة أن يعود هؤلاء وكأن شيئاً لم يحدث، أو أن يندمجوا مجدداً داخل المجتمع من دون أي محاسبة".
وأضاف أن عدداً من الناشطين باتوا يعتبرون توثيق أسماء وصور المقاتلين الموالين للنظام المخلوع جزءاً من "حفظ الذاكرة" ومنع طمس الانتهاكات، خصوصاً في ظل غياب مسار واضح للعدالة الانتقالية أو وجود آليات رسمية لمحاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات، وأشار خطاب إلى أن بعض الناشطين الذين يعملون على فضح شخصيات موالية للنظام المخلوع يواجهون ضغوطاً وملاحقات، سواء داخل سوريا أو خارجها، لافتاً إلى أن مؤسسات كثيرة ما تزال تدار بموظفين وقضاة وإداريين من المرحلة السابقة، الأمر الذي يجعل ملف المحاسبة أكثر تعقيداً وحساسية.
ويقول ناشطون إن جزءاً كبيراً من الجدل الدائر اليوم لا يتعلق فقط بالرغبة في الانتقام أو التصعيد، بل بالخوف من أن يؤدي تجاوز هذا الملف أو التعامل معه بصيغة التسويات السريعة إلى تكريس شعور الضحايا بأن ما تعرضوا له خلال سنوات الثورة يمكن أن ينسى بسهولة، من دون اعتراف أو محاسبة أو حتى إنصاف معنوي لعائلات القتلى والمعتقلين والمهجرين.
Loading ads...
وفي ظل غياب مسار واضح للعدالة الانتقالية في سوريا، يبدو أن ملف التعامل مع الموالين للنظام المخلوع سيبقى واحداً من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمعات المحلية، خصوصاً في المناطق التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الثورة السورية، فبين دعوات "طي الصفحة" والرغبة في الحفاظ على السلم الأهلي من جهة، وإصرار كثير من الضحايا وعائلاتهم على ضرورة المحاسبة وعدم تجاهل ما جرى من جهة أخرى، تتسع الهوة داخل مجتمعات ما تزال تعيش آثار تلك الفترة الثقيلة، وتبحث حتى اليوم عن صيغة توازن بين العدالة والمصالحة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

