5 دقائق
مجزرة الدجيل.. القضية التي قادت صدام حسين إلى حبل المشنقة
الخميس، 5 نوفمبر 2026

صدام حسين في قاعة المحكمة يوم صدور حكم الإعدام بحقه في 5 نوفمبر 2006 - غيتي
من محاولة اغتيال صدام حسين في الدجيل عام 1982 إلى إدانته عام 2006، مسار حملة قمع طاولت السكان والعائلات والبساتين، ومحاكمة أحاط بها الجدل.
في الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2006، أصدرت المحكمة الجنائية العراقية العليا حكمًا بالإعدام شنقًا حتى الموت بحق الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، في واحدة من أشهر المحاكمات التي تابعها العالم. وجاء الحكم على خلفية قضية الدجيل، التي تعود إلى عام 1982، حين تعرض موكبه لمحاولة اغتيال في البلدة الواقعة شمال بغداد، أعقبتها حملة انتقام واسعة طاولت مئات السكان.
بعد عشرين عامًا على صدور الحكم، تعود القضية بوصفها الملف الذي قاد إلى إعدامه، من بين ملفات الجرائم المرتكبة خلال حكمه.
وعلى الرغم من الجرائم التي ارتكبها النظام خلال سنوات حكمه، من إعدام المعارضين السياسيين وقمع الانتفاضة الشعبانية إلى حملة الأنفال وقصف حلبجة بالأسلحة الكيميائية، فإن قضية الدجيل كانت أول قضية يصدر فيها حكم بحقه أمام المحكمة الجنائية العراقية العليا.
تعود الأحداث إلى عام 1982، خلال الحرب العراقية الإيرانية، عندما زار صدام حسين الدجيل في محافظة صلاح الدين، شمال بغداد. وكانت البلدة ذات طابع ريفي، يعتمد سكانها على الزراعة والتجارة المحلية، وتشتهر ببساتينها وأشجار النخيل.
وتستعيد حلقة برنامج "تقريبًا" عن الدجيل تفاصيل الزيارة، وتضعها في سياق العلاقة المتوترة بين النظام وحزب الدعوة، الذي حظر النظام الانتماء إليه ولاحق أعضاءه. وبحسب رواية الحلقة، حلقت مروحيات فوق البساتين قبل الزيارة بثلاثة أيام تحت عنوان مكافحة الآفات الزراعية، في إطار الاستعدادات الأمنية.
ودخل صدام البلدة في موكب كبير، وتوجه إلى مركز الشرطة ثم إلى المدينة القديمة والجامع، والتقى عددًا من السكان وزار بعض العائلات في منازلها، وفق الرواية التي يعرضها البرنامج. لكن مشاهد الاستقبال والهتافات وحدها لا تكفي للحكم على مواقف السكان، في ظل سياسات النظام القمعية.
بعد انتهاء الزيارة، تعرض موكب صدام لإطلاق نار وسط البساتين، في محاولة لاغتياله. ولم يصب بأذى، فيما اندلعت مواجهات بين المسلحين والقوات المكلفة بحمايته.
وبحسب حلقة "تقريبًا"، بدل صدام السيارة التي كان يستقلها، وقرر العودة إلى الدجيل بدل التوجه إلى أحد المقرات الأمنية. وهناك اجتمع بأعضاء حزب البعث، قبل أن يصعد إلى سطح مستوصف صحي ويلقي خطابًا أمام الأهالي.
وفي الخطاب الذي تستعيده الحلقة، طمأن صدام الحاضرين إلى سلامته، وقال إن منفذي العملية أفراد محدودون لا يمثلون سكان البلدة. غير أن مغادرته الدجيل أعقبتها حملة أمنية واسعة شارك فيها جهاز المخابرات، الذي كان يرأسه أخوه غير الشقيق برزان التكريتي.
غادر صدام الدجيل مجددًا، لكن الأحداث لم تنتهِ عند هذا الحد، إذ بدأت بعدها حملة أمنية واسعة قادها برزان التكريتي، الأخ غير الشقيق لصدام ورئيس جهاز المخابرات آنذاك.
شاهد | تقريبًا: قضية الدجيل
طوقت الأجهزة الأمنية البلدة وبساتينها، واتسعت الاعتقالات لتشمل رجالًا ونساء وأطفالًا. وتشير رواية الادعاء التي وثقتها هيومن رايتس ووتش إلى اعتقال نحو 800 شخص، تعرض عدد غير محدد منهم للتعذيب، قبل نقل مئات إلى النفي الداخلي في جنوب العراق.
ويروي برنامج "تقريبًا" تفاصيل عن التعذيب وظروف الاحتجاز، بينها شهادة عن أم اعتقلت مع رضيعها، وتعذر عليها إرضاعه، ثم توفي في الاحتجاز بعد رفض توفير الحليب له. وتورد الحلقة كذلك روايات عن تعذيب أفراد من العائلات أمام أقاربهم، وضرب أمهات بحضور أطفالهن.
وتكشف هذه الروايات عن امتداد العقاب إلى العائلات، فيما توثق التقارير الحقوقية الاحتجاز والتعذيب والترحيل القسري ضمن الجرائم التي تناولتها القضية.
أما الرقم 148 الذي ارتبط بالدجيل، فيشير إلى الرجال والفتيان الذين شملهم حكم محكمة الثورة بالإعدام عام 1984. وبحسب مراجعة هيومن رايتس ووتش لملف القضية، كان ما يصل إلى 46 منهم قد توفوا في الاحتجاز بين عامي 1982 و1984، وأعدم معظم الباقين عام 1985. لذلك لا يصح وصفهم جميعًا بأنهم أعدموا بعد المحاكمة.
ولم تقتصر العقوبات على الاعتقال والتعذيب والإعدام، إذ نقلت عائلات إلى معتقل صحراوي في جنوب العراق. وتتناول حلقة "تقريبًا" سنوات النفي في صحراء السماوة، وما رافقها من ظروف معيشية قاسية ووفاة محتجزين، بينهم أطفال، بسبب سوء التغذية وغياب الرعاية الصحية، بحسب الروايات التي تعرضها.
امتدت العقوبات إلى الأراضي الزراعية ومصادر رزق السكان، إذ جرفت مساحات واسعة من البساتين وصودرت أراض وهدمت منازل. وتظهر وثيقة عرضت خلال المحاكمة في يونيو/ حزيران 2006 جانبًا من ملف مصادرة الأراضي في الدجيل.
وثيقة عن مصادرة أراض في الدجيل عرضت خلال محاكمة صدام حسين في 13 يونيو 2006 - غيتي
وأدى تدمير البساتين ومصادرة الأراضي إلى فقدان أسر مصادر دخلها، فيما أضاف الاعتقال والنفي أعباء إلى الروابط العائلية والحياة الاجتماعية في البلدة. وتتناول حلقة "الدجيل.. المجزرة القانونية" من برنامج "كنت هناك" أحداث الحملة وانعكاسها لاحقًا على محاكمة صدام.
أثارت طبيعة العقوبات التي فرضها النظام أسئلة بشأن انتقال المسؤولية من منفذي إطلاق النار إلى سكان البلدة وعائلاتهم. وتعرض حلقة "تقريبًا" رواية عن عدد محدود من المهاجمين، في مقابل حملة شملت مئات الأشخاص.
لكن حجم السلاح المستخدم أو عدد المهاجمين لا يكفيان وحدهما لحسم هوية الجهة التي خططت للعملية. فحلقة "كنت هناك" تناقش دور حزب الدعوة في محاولة الاغتيال، بينما تقدم حلقة "تقريبًا" قراءة مختلفة لدرجة تنظيمها. وما توثقه القضية هو اتساع القمع ليشمل عائلات وأطفالًا وأراضي زراعية، متجاوزًا ملاحقة مطلقي النار.
بعد 23 عامًا من أحداث الدجيل، بدأت محاكمة صدام حسين في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2005. وشملت ثمانية متهمين، بينهم برزان التكريتي وعواد البندر، رئيس محكمة الثورة التي أصدرت أحكام الإعدام، وطه ياسين رمضان، نائب الرئيس السابق.
وفي 5 نوفمبر 2006، أصدرت المحكمة حكم الإعدام بحق صدام وبرزان والبندر، بعد إدانتهم بجرائم ضد الإنسانية. ثم أيدت هيئة التمييز الحكم بحق صدام في 26 ديسمبر/ كانون الأول، ونفذ إعدامه في 30 من الشهر نفسه.
واستند ملف القضية إلى شهادات ووثائق رسمية تناولت سلسلة القرارات والإجراءات بحق سكان الدجيل. غير أن المحاكمة نفسها واجهت انتقادات حقوقية جدية؛ إذ قالت منظمة العفو الدولية إنها شهدت تدخلات سياسية وقصورًا في ضمانات المحاكمة العادلة، فيما وثقت هيومن رايتس ووتش عيوبًا إجرائية وقانونية في سيرها وحكمها.
ولم تكن الدجيل القضية الوحيدة التي مثل فيها صدام أمام المحكمة. فقد بدأت محاكمته في ملف الأنفال في أغسطس/ آب 2006، قبل صدور حكم الدجيل، لكن إعدامه حال دون استكمال محاكمته شخصيًا في ذلك الملف.
Loading ads...
هكذا أصبحت الدجيل القضية التي قادت صدام حسين إلى حبل المشنقة. وبقي وراء الحكم ملف بلدة طاول القمع سكانها وبساتينها ومصادر عيشها، إلى جانب أسئلة عن قدرة المحاكمة على إنصاف الضحايا وتوثيق مسؤوليات النظام وفق ضمانات قضائية عادلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




