10 دقائق
من الزيدية إلى الحوثية.. كيف تحول الإحياء المذهبي إلى تنظيم سلطوي في اليمن؟
الخميس، 5 نوفمبر 2026

لم تكن العلاقة بين الزيدية والحوثية، كما تتناولها دراسة الباحث أحمد الزرقة، علاقة امتداد مذهبي مباشر، ولا علاقة قطيعة كاملة بين مذهب تاريخي وحركة سياسية وعسكرية معاصرة. فبين هذين التفسيرين تتحرك الدراسة، محاولة الكشف عن الكيفية التي انتقلت بها جماعة خرجت من بيئة الإحياء الزيدي في صعدة إلى تنظيم مسلح، ثم إلى سلطة أمر واقع أعادت تشكيل المؤسسات والمجتمع حول مفاهيم الولاية والاصطفاء والولاء.
وتنطلق الدراسة التي تحمل عنوان "من الزيدية إلى الحوثية: المذهب، الإحياء والتنظيم السلطوي في اليمن" من أن الصراع الذي تعالجه ليس في جوهره صراعا بين الزيدية وغيرها من المذاهب، وإنما بين فكرة الدولة الجمهورية القائمة على المواطنة، وفكرة الإمامة المستعادة القائمة على الاصطفاء. ولهذا ترفض اختزال الحوثية في المذهب الزيدي، كما ترفض فصلها عن السياق التاريخي والفكري الذي استمدت منه عناصر مشروعها السياسي.
ويقدم الباحث في دارسته التي صدرت في كتاب عن دار الناسك بالولايات المتحدة الأمريكية مفهوم "إعادة التركيب الانتقائي" لتفسير هذا التحول. فالحديث ليس عن استعادة الحوثيين جميع عناصر التراث الزيدي والهادوي، بل عن اختيار مفاهيم محددة منه، وإعادة تنظيمها داخل بنية حديثة للتعبئة والقيادة والحكم. وتشمل هذه المفاهيم الولاية، والاصطفاء، وشرط البطنين، والقيام بالسيف، وما يرتبط بها من تصورات للشرعية السياسية.
وبهذا المعنى، تتناول الدراسة الحوثية باعتبارها عملية تحويل لرأس المال الرمزي والمذهبي إلى أدوات تنظيمية وسلطوية، انتقلت عبر مراحل متعاقبة من الإحياء إلى التعبئة، ومن التعبئة إلى التمرد المسلح، ومن التمرد إلى السيطرة على مؤسسات الدولة.
تضع الدراسة التمييز بين الزيدية والحوثية في مقدمة بنائها التحليلي. فالزيدية، في تناول الباحث، مذهب ديني وتراث علمي ومجال اجتماعي وسياسي متنوع، بينما تمثل الحوثية تنظيما حديثا أعاد توظيف بعض عناصر ذلك التراث لبناء مشروع للسلطة.
وترفض الدراسة التعامل مع المناطق التي عرفت تاريخيا بالانتماء إلى المذهب الزيدي باعتبارها كتلة مذهبية متجانسة. فقد شهدت هذه المناطق وجودا شافعيا وإسماعيليا وبهريا، كما عرفت انتقالات مذهبية وفكرية نحو السلفية والإصلاحية والإخوانية، فضلا عن الانخراط في التيارات القومية واليسارية والناصرية والبعثية والأحزاب المدنية.
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية في تفسير نشأة الحوثية وصعودها؛ لأن الجماعة، وفقا للدراسة، لم تكن التعبير الطبيعي والوحيد عن سكان هذه المناطق، ولم تحظ بإجماع مذهبي أو جغرافي يتيح اعتبارها ممثلا لهم.
بل إن بعض أشد معارضي الحوثيين خرجوا من البيئة الزيدية والهاشمية نفسها. ومن ثم، فإن قراءة الصراع بوصفه مواجهة بين الزيدية وغيرها تحجب الانقسامات والاختلافات داخل المجال الزيدي، كما تمنح الحوثية صفة تمثيلية لا تقرها الدراسة.
وفي المقابل، لا ترى الدراسة أن هذا التنوع ينفي الصلة بين الحوثية والتراث الهادوي. فالحركة نشأت في بيئة إحياء زيدي، واستفادت من مفاهيم دينية وسياسية موجودة في ذلك التراث، لكنها أعادت ترتيبها بما يخدم مشروعها التنظيمي والسلطوي.
ومن هنا تقوم أطروحة الباحث على الجمع بين الاستمرارية والانقطاع: استمرارية في بعض مفاهيم الشرعية والولاية، وانقطاع في الأشكال التنظيمية ووسائل التعبئة وممارسات الحكم.
تعود الدراسة إلى تاريخ الزيدية والهادوية لفهم الأسس الفكرية التي أعادت الحوثية توظيفها.
وتتناول نشأة الإمامة الزيدية في اليمن، والتطور الذي ارتبط بالهادي يحيى بن الحسين، وما ترتب عليه من بناء نظرية سياسية تحدد شروط الإمامة ومصادر مشروعيتها.
ويحتل "شرط البطنين" موقعا مركزيا في هذه القراءة. والمقصود به حصر أهلية الإمامة العليا في المنتمين إلى ذرية الحسن والحسين، ابني علي بن أبي طالب وفاطمة بنت النبي محمد.
وتوضح الدراسة أن هذا الشرط لم يكن يعني إغلاق جميع مجالات النشاط العلمي أو الاجتماعي أو الوظيفي أمام غير الهاشميين، لكنه جعل سقف السيادة السياسية العليا مرتبطا بالنسب.
فقد أمكن لغير المنتمين إلى البطنين تحقيق مكانة علمية واجتماعية وتولي وظائف مختلفة، بينما بقيت الإمامة، وفق النظرية التي تدرسها، محصورة في دائرة نسبية محددة.
ويتعامل الباحث مع هذا التمييز باعتباره مفتاحا لفهم العلاقة بين السلطة والاصطفاء؛ إذ لا تصبح الشرعية السياسية العليا ناتجة عن الاختيار العام وحده، وإنما ترتبط بشرط سابق يتعلق بالأصل والنسب.
وتتتبع الدراسة أيضا شروط العلم والدعوة والخروج في النظرية الإمامية، وتبحث في موقع القوة المسلحة ضمن إنتاج الشرعية السياسية.
ولا تتناول هذه المسائل باعتبارها موضوعات فقهية منفصلة عن التاريخ، بل باعتبارها مفاهيم كانت لها تطبيقات سياسية، ثم عادت بعض عناصرها إلى الظهور في الخطاب الحوثي المعاصر.
لا تكتفي الدراسة بعرض نظرية الإمامة، بل تتوقف عند الاعتراضات التي نشأت داخل المجال الزيدي على بعض أسسها، وخصوصا ما يتعلق بحصر السيادة السياسية في النسب.
وتبرز في هذا السياق حالتا المطرفية ونشوان الحميري، باعتبارهما نموذجين للاعتراض الداخلي على السقف الذي وضعته الهادوية السياسية للإمامة.
وتعرض الدراسة ما تعرضت له المطرفية من إقصاء ديني وسياسي، وتتناول انتقال الخلاف معها من المجال الفكري والفقهي إلى اتهامات بالتضليل والتكفير، وصولا إلى العنف والاستئصال.
كما تستحضر موقف نشوان الحميري ضمن تاريخ الاعتراض على احتكار الإمامة، لتبين أن الجدل حول النسب والحق في الحكم لم يكن صراعا بين الزيدية وخصوم خارجيين فحسب، وإنما كان حاضرا داخل البيئة الفكرية والاجتماعية نفسها.
وتستخلص الدراسة من هذه الحالات أن النظرية السياسية التي تحصر السلطة العليا في فئة محددة يمكن أن تحول الاعتراض على هذا الحصر إلى نزاع على الشرعية، لا إلى مجرد اختلاف فقهي.
ومن خلال هذا المسار التاريخي، تفسر الدراسة الوظائف التي أداها العنف في بعض مراحل الهادوية السياسية، بوصفه وسيلة لتأسيس السلطة، وإزاحة المنافس، وتصنيف الخصوم، وتعبئة الأنصار، وتأمين الموارد.
وتربط الدراسة بين هذه الوظائف وبين تصورها للتحول الحوثي اللاحق، مع التمييز بين التنظيم المعاصر والأشكال التاريخية للإمامة.
تخصص الدراسة مساحة لتفكيك العلاقة بين المذهب والجغرافيا والنسب، وتوضح أن هذه العناصر ليست متطابقة.
فالانتماء إلى منطقة عرفت تاريخيا بالزيدية لا يعني بالضرورة الانتماء إلى تيار سياسي إمامي، كما أن الانتماء إلى أسرة هاشمية لا يعني تأييد الحوثيين، ولا يترتب على الانتماء المذهبي موقف سياسي واحد.
وتستعرض الدراسة التحولات التي شهدتها المناطق الزيدية بعد قيام الجمهورية، وما ارتبط بها من تغيرات اجتماعية وفكرية وحزبية.
وقد أتاحت هذه التحولات حضور تيارات دينية وسياسية متعددة، وفتحت المجال أمام تنافس تصورات مختلفة للدولة والهوية والشرعية.
وفي ضوء ذلك، ترى الدراسة أن الحوثية لم تنشأ في فضاء مغلق، وإنما في مجتمع عرف التعدد والاختلاف، ثم سعت الحركة إلى إعادة تنظيم قطاعات منه حول منظومة خاصة للانتماء والطاعة والقيادة.
ويصبح التمييز بين الجغرافيا الزيدية والحوثية ضروريا أيضا لفهم طبيعة الصراع الذي رافق صعود الجماعة؛ لأن بعض القوى والشخصيات التي واجهتها تنتمي إلى المجال التاريخي نفسه الذي خرجت منه.
ولهذا ترفض الدراسة السردية التي تجعل صعود الحوثيين نتيجة طبيعية لتأييد مذهبي أو مناطقي شامل، وتبحث بدلا من ذلك عن العوامل التنظيمية والسياسية والاجتماعية التي أتاحت لهم توسيع نفوذهم.
تنتقل الدراسة من التاريخ المذهبي إلى التحولات السياسية التي شهدها اليمن مع قيام الجمهورية اليمنية عام 1990، وما صاحبها من انفتاح على التعددية الحزبية.
وفي هذا السياق تتناول ظهور حزب الحق، بوصفه إحدى صور العمل السياسي التي شاركت فيها شخصيات تنتمي إلى البيئة الزيدية والهادوية.
وتولي الدراسة أهمية خاصة لبيان "الولاية العامة" الصادر عام 1990، والذي بدا أنه يفتح المجال أمام تصور للولاية يرتبط بالكفاءة والاختيار، بدلا من حصرها في شرط النسب.
وتمثل هذه اللحظة، في بناء الدراسة، محاولة للتكيف مع النظام الجمهوري وقواعد العمل السياسي الحزبي.
غير أن الباحث لا يعتبر هذا التحول قطيعة فكرية راسخة مع التصورات الإمامية السابقة، بل يفسره باعتباره تكيفا فرضته الظروف السياسية، ولا سيما الحاجة إلى نفي اتهامات السعي إلى إعادة الإمامة عن حزب الحق.
ويستند في ذلك إلى المقارنة بين بيان عام 1990 والوثيقة الفكرية والثقافية لعام 2012، وإلى ملاحظة أن عددا من الموقعين على البيان الأول عادوا إلى توقيع الوثيقة اللاحقة.
ومن هذه المقارنة تستخلص الدراسة أن التحول الظاهر نحو الكفاءة والاختيار لم يتحول بالضرورة إلى مراجعة نهائية لفكرة الاصطفاء.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها لأن الدراسة تجعلها واحدة من لحظات الانتقال بين التكيف مع النظام الجمهوري وإعادة إحياء التصورات التي تربط الشرعية السياسية بالنسب والولاية.
تحتل "الوثيقة الفكرية والثقافية" لعام 2012 موقعا محوريا في الدراسة، باعتبارها إحدى الوثائق التي تكشف طبيعة التحول في التصور الحوثي للقيادة والشرعية.
ويقارن الباحث بينها وبين بيان الولاية العامة لعام 1990، ليبين الاختلاف بين لحظة بدا فيها التكيف مع النظام الجمهوري ممكنا، ولحظة أعيد فيها تأكيد مفاهيم الاصطفاء والهداية في آل البيت.
وترى الدراسة أن الوثيقة اللاحقة أعادت تثبيت مرجعية للشرعية تتجاوز الاختيار السياسي العام، وتربط القيادة بمفاهيم دينية ونسبية.
ولا تتعامل مع هذا التحول باعتباره مجرد تغيير في العبارات، بل بوصفه مؤشرا على انتقال من العمل الحزبي الذي يقر ظاهريا بقواعد المنافسة الجمهورية إلى بناء تنظيم يستند إلى تصور خاص للولاية والطاعة.
وتربط الدراسة هذه الوثيقة بموروث الهادوية السياسية وبالقراءة الجارودية، التي تمنح القيام بالسيف مكانة في تصور الإمامة.
ومن خلال المقارنة بين الوثيقتين، تتضح إحدى النتائج الأساسية للبحث: أن الحوثية لم تستعد المؤسسات التاريخية للإمامة كما كانت، وإنما أعادت توظيف منطقها السياسي داخل تنظيم معاصر.
تنتقل الدراسة إلى حسين بدر الدين الحوثي ودوره في تحويل الإحياء المذهبي إلى مشروع حركي يقوم على التعبئة والتنظيم.
وتتناول خطاب "المسيرة القرآنية" بوصفه إحدى الأدوات الرئيسية لهذا التحول، وتستند إلى محاضرات حسين الحوثي التي عرفت باسم "الملازم"، باعتبارها مصدرا أساسيا لفهم الأفكار التي قامت عليها الحركة.
وفي هذه المحاضرات، كما تقرأها الدراسة، تتداخل مفاهيم القرآن والولاية والمظلومية والجهاد والعداء لأمريكا وإسرائيل، لتكوين خطاب يتجاوز التعليم الديني إلى تحديد موقع الجماعة وخصومها وطبيعة الصراع الذي تخوضه.
وتشير الدراسة إلى أن مفردات مثل "المسيرة القرآنية" و"الهوية الإيمانية" و"الصرخة" و"المستكبرون" و"العدوان" و"المنافقون" ليست مجرد تعبيرات خطابية، بل تؤدي وظائف تتصل بالتعبئة والفرز وإنتاج الشرعية.
فالخطاب يحدد صورة الجماعة عن نفسها، ويقدم تفسيرا للصراع، ويضع معايير للانتماء والولاء، ويعيد تعريف العلاقة بين القيادة والأتباع.
وفي هذا السياق، تصبح "الصرخة" أكثر من شعار سياسي، إذ تتعامل معها الدراسة باعتبارها علامة للانتماء وآلية للفرز والتعبئة.
كما يتحول الخطاب الديني إلى أداة لبناء وعي تنظيمي مشترك، لا إلى مجرد وسيلة لنشر أفكار مذهبية.
وتربط الدراسة بين هذا التحول الفكري وبين الانتقال التدريجي من النشاط الثقافي والتعليمي إلى المواجهة المسلحة، ثم إلى بناء تنظيم يتمتع بقدرات على التعبئة والانتشار والسيطرة.
تتبع الدراسة المسار الذي انتقلت خلاله الحركة من النشاط المرتبط بالإحياء الزيدي و"الشباب المؤمن" إلى الصراع المسلح مع الدولة اليمنية.
ولا تقدم هذا الانتقال باعتباره حدثا مفاجئا، وإنما بوصفه نتيجة مراحل متراكبة من النشاط الفكري والتنظيمي والتعبوي.
ففي البداية، ارتبط النشاط بمواجهة ما اعتبرته أوساط الإحياء الزيدي تراجعا في حضور المذهب وتأثيره، في ظل صعود تيارات دينية وسياسية أخرى.
ثم تطور النشاط إلى خطاب أكثر مواجهة للنظام السياسي، وإلى بناء تنظيم أخذ يتجه نحو العمل المسلح.
وتتناول الدراسة الحروب الست التي دارت بين الدولة والحوثيين، ابتداء من عام 2004، حين اندلعت المواجهة الأولى وانتهت بمقتل حسين بدر الدين الحوثي في سبتمبر من العام نفسه.
وتضع هذه الحروب ضمن المسار الذي ساعد على انتقال الحركة من تنظيم محدود إلى قوة عسكرية وسياسية أوسع نفوذا.
وتولي الدراسة أهمية لتداخل العوامل السياسية مع المواجهة العسكرية، فلا تختزل نشأة الصراع في الخلاف المذهبي وحده.
كما تتناول التحولات التي شهدتها الحركة بعد مقتل مؤسسها، وصولا إلى بروز عبد الملك الحوثي بوصفه مركز القيادة.
وبذلك تقدم الحروب الست باعتبارها مرحلة في عملية التحول التنظيمي، سبقت التوسع اللاحق والسيطرة على العاصمة صنعاء.
تخصص الدراسة مبحثا لعلاقة الحركة الحوثية بالرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وحزب المؤتمر الشعبي العام، وتعرضها باعتبارها علاقة مرت بأربع مراحل: الرعاية والتسامح، ثم العداء المسلح، فالتحالف التكتيكي، وأخيرا وراثة المؤسسات.
وفي المرحلة الأولى، تضع الدراسة نشاط الإحياء الزيدي و"الشباب المؤمن" ضمن سياسة صالح في موازنة القوى الدينية والسياسية بعضها ببعض، ولا سيما في مواجهة التيارات السلفية وحزب الإصلاح.
وتستشهد بمنح حزب الحق حقيبة الأوقاف عام 1997، بعد خروج الإصلاح من التحالف الحكومي، وبانتخاب يحيى بدر الدين الحوثي عضوا في مجلس النواب ضمن كتلة المؤتمر الشعبي العام عام 2003.
وتشير إلى وجود روايات متباينة بشأن مدى الدعم الذي قدمه نظام صالح للحوثيين في تلك المرحلة، مع التمييز بين التسامح السياسي والرعاية المباشرة.
ثم انتقلت العلاقة إلى المواجهة المسلحة، مع تصاعد خلافات النفوذ وجمع الزكاة، وتزايد معارضة حسين الحوثي للنظام وتحالفه مع الولايات المتحدة.
وجاءت حروب صعدة لتجسد مرحلة العداء، قبل أن تتغير الحسابات السياسية في أعقاب أحداث عام 2011.
وتفسر الدراسة التحالف اللاحق بين صالح والحوثيين باعتباره تحالفا تكتيكيا ارتبط بالصراع على السلطة وبخصوم الطرفين المشتركين، لا باتفاق مذهبي أو فكري.
وقد أتاح هذا التحالف للجماعة، بحسب الدراسة، الاستفادة من شبكات نفوذ ومؤسسات وقوى كانت مرتبطة بالنظام السابق، في سياق تقدمها نحو صنعاء.
لكن التحالف لم يستمر؛ إذ انتقلت العلاقة إلى الصراع، وانتهى المسار الذي تتبعه الدراسة بإزاحة صالح ووراثة جانب من مؤسسات الدولة وشبكات السلطة.
وتستخلص الدراسة من هذه العلاقة أن صعود الحوثية لا يمكن تفسيره باعتباره انتصارا مذهبيا خالصا؛ فقد أسهمت في تمكينها تحالفات مع قوى جمهورية، قبل أن تعمل على إزاحتها وإعادة ترتيب السلطة.
تمثل السيطرة على صنعاء عام 2014 نقطة تحول رئيسية في الدراسة.
ففي هذه المرحلة، لم تعد الحوثية مجرد حركة تعبئة أو تنظيم مسلح ينازع الدولة سلطتها، وإنما أصبحت قوة تتحكم في مؤسسات قائمة وتعيد تشكيل وظائفها وعلاقاتها الداخلية.
وتصف الدراسة هذه العملية بمرحلة "التمكين"، التي اتجهت خلالها الجماعة إلى بناء منظومة للحكم تعتمد على القيادة المركزية، والولاء التنظيمي، وإعادة توزيع النفوذ داخل أجهزة الدولة.
وتبحث في إزاحة القوى التي ساعدت الجماعة على الوصول إلى السلطة، وفي إدخال عناصر جديدة إلى بنية الحكم، بما يعزز ارتباط المؤسسات بالقيادة الحوثية.
كما تتناول دور شبكات النسب والمصاهرة في بناء التحالفات وتوزيع النفوذ، ولا تختزل هذه الشبكات في الانتماء المذهبي وحده.
فبحسب الدراسة، أسهمت العلاقات الاجتماعية والسياسية في ربط البيت الحوثي بمراكز القوة، عبر حدود المذهب والمنطقة.
ولهذا تعتبر أن تفسير التمكين الحوثي يقتضي دراسة العلاقات بين النخب وشبكات المصالح، إلى جانب دراسة الأفكار والمعتقدات.
وفي هذا السياق تقدم الدراسة مفهوم "الهاشمية السياسية" لتفسير منظومة تربط بين الحق في القيادة، وشبكات الولاء، وإعادة إنتاج الامتياز داخل مؤسسات الدولة.
ولا تقصد بذلك أن جميع الهاشميين ينتمون إلى الحوثية أو يؤيدونها، بل تتناول بنية سلطوية محددة توظف النسب والولاء في تنظيم السلطة.
تتناول الدراسة انتقال مفاهيم الولاية والطاعة من الخطاب إلى الممارسة التنظيمية.
وتبرز في هذا السياق وظيفة المشرفين، الذين يمثلون إحدى أدوات ربط المؤسسات بالقيادة، وإعادة ترتيب العلاقات داخل أجهزة الدولة.
فالمسألة، وفق التحليل، لا تقتصر على تغيير المسؤولين أو السيطرة على المواقع الإدارية، وإنما تشمل إنشاء مستويات من الإشراف والرقابة التنظيمية تتداخل مع الهياكل الرسمية.
وتصبح المؤسسات بذلك جزءا من منظومة أوسع لإنتاج الولاء وضبط الأداء وتحديد مواقع النفوذ.
وتتناول الدراسة التعليم والإعلام باعتبارهما من أكثر المجالات ارتباطا بهذا التحول.
فالمدرسة، في قراءة الباحث، تتيح إدخال مفردات الولاية والجهاد والعدو والشهادة في عملية التنشئة، بينما يسهم الإعلام في صياغة رواية موحدة للأحداث والصراعات.
وتتوقف الدراسة عند دور إعلام "المسيرة" ودائرة الثقافة القرآنية في توحيد لغة الخطاب وتحديد صورة الخصم وتقديم الخلاف السياسي باعتباره اختبارا للانتماء والولاء.
كما تتناول الدورات الثقافية والخطب والشعارات والزوامل بوصفها أدوات لإعادة تشكيل المجال الاجتماعي حول مفاهيم القيادة والطاعة.
وتكتسب "الهوية الإيمانية" أهمية خاصة في هذا السياق، إذ ترى الدراسة أنها تنقل الخلاف السياسي إلى مجال التقييم الأخلاقي والديني، بحيث يصبح الاعتراض على الجماعة قابلا للتفسير باعتباره نقصا في الوعي أو تأثرا بما تسميه الجماعة "الحرب الناعمة".
ولا تنفصل هذه الأدوات عن علاقة التنظيم بالقبيلة والعلماء والمجتمع المدني، إذ تتناول الدراسة محاولات إعادة توظيف هذه البنى ضمن منظومة التعبئة والضبط.
لا تقصر الدراسة تحليل السلطة الحوثية على العقيدة والتنظيم، بل تنتقل إلى الموارد المالية والاقتصادية التي تساعد على استمرارها.
وتتناول ما تسميه "اقتصاد السلطة"، وتبحث في الجمع بين أدوات الجباية الحديثة والمفاهيم المالية المستمدة من التراث الفقهي.
وتحدد ثلاثة مسارات رئيسية للموارد: الضرائب والجمارك التي تدار بأدوات الدولة، والجباية الدينية المرتبطة بالخمس، والمصادرات القضائية.
وتتوقف الدراسة عند إنشاء الهيئة العامة للزكاة في مايو 2018، باعتبارها خطوة نحو مركزية التحصيل والتوزيع ونقل اختصاصات كانت مقررة للسلطات المحلية.
ثم تتناول تعديل اللائحة التنفيذية لقانون الزكاة عام 2020، الذي أدخل الخمس على المعادن والموارد الطبيعية بنسبة 20 في المئة، ووزع الحصيلة على ستة مصارف، خصص أربعة منها لبني هاشم، وفقا لما تعرضه الدراسة من نصوص وتقارير.
وتعتبر الدراسة أن أهمية الخمس في هذا السياق لا تقتصر على كونه موردا ماليا، بل تكمن في ربط جزء من توزيع الموارد بالنسب من خلال نص تنظيمي.
وهنا يظهر، في تفسير الباحث، انتقال مفهوم الاصطفاء من مجال الشرعية السياسية إلى المجال الاقتصادي.
كما تتناول الدراسة موارد الموانئ والمشتقات النفطية ونقاط الجباية، وتستند إلى تقارير دولية ودراسات اقتصادية في عرض تقديراتها، مع التمييز بين الأرقام التي تستند إلى مصادر منشورة والتقديرات التي لا تتوافر لها بيانات مدققة.
وتربط بين اتساع التحصيل المالي وبين أزمة الرواتب، مشيرة إلى انقطاع رواتب نحو 1.2 مليون موظف منذ عام 2016، وما ترتب على ذلك من آثار في العلاقة بين السلطة والموظفين.
وتخلص إلى أن الأجر والمساعدة والموارد المالية يمكن أن تتحول إلى أدوات للفرز وإعادة توزيع النفوذ.
وفي هذه النقطة تحديدا، تربط الدراسة بين الاقتصاد والتنظيم، إذ لا تعود السلطة مجرد خطاب عن الولاية والشرعية، وإنما تصبح منظومة تتحكم في المال العام وقواعد توزيعه.
تتناول الدراسة العلاقة بين الحوثية والنموذج الإيراني من زاوية فكرية وتنظيمية، مع إبقاء التفاصيل الجيوسياسية والعسكرية خارج نطاقها الأساسي.
وتشير إلى وجود تأثر بالنموذج الإيراني، ولا سيما في مركزية القيادة ومفهوم الولاية وبعض أشكال التعبئة والتنظيم.
لكنها تميز بين الاستلهام الفكري والبنيوي، وبين التبعية التنظيمية المباشرة.
فالتشابه في بعض التصورات أو الممارسات لا يعني، في منهج الدراسة، أن الحوثية استنسخت النموذج الإيراني كاملا.
وتبحث في الفروق بين الإمامة الزيدية التقليدية، التي تقوم على إمام حاضر تتوافر فيه شروط العلم والدعوة والخروج، وبين أنماط القيادة المركزية التي تطورت داخل الجماعة الحوثية.
وتولي أهمية لموقع عبد الملك الحوثي، الذي يجمع تدريجيا بين المرجعية والقيادة السياسية والتنظيمية.
كما تتناول خطابات الولاية والبيعة، وما ارتبط بها من إشارات إلى المرجعية الإيرانية، بوصفها قرائن على تحولات في مفهوم الشرعية.
وتشير الدراسة إلى أن القيادة الحوثية لم تستورد بالضرورة البنية الفقهية والمؤسسية لولاية الفقيه بصورتها الإيرانية، وإنما أعادت تكييف بعض عناصرها داخل إطارها الخاص.
وفي ضوء ذلك، تعتبر أن العلاقة بين الحوثية وإيران لا تختزل في التطابق المذهبي أو التنظيمي، وأن تحديد درجة الارتباط المباشر يحتاج إلى دراسة مستقلة تتجاوز حدود البحث.
تتناول الدراسة موقع عبد الملك الحوثي بوصفه أحد أبرز مظاهر التحول في بنية القيادة.
وتقارن بين صورة الإمام في النظرية الزيدية التقليدية، الذي يرتبط حضوره بالدعوة والخروج وإمكان منازعة شرعيته، وبين صورة القائد الحوثي الذي يتواصل مع أتباعه عبر الشاشات، ويحيط بموقعه قدر من الاحتجاب والوساطة التنظيمية.
وتقر الدراسة بأن للاحتجاب أسبابا أمنية يمكن فهمها في ضوء تاريخ المواجهات والاغتيالات، لكنها ترى أن المسألة لا تتوقف عند هذا الاعتبار.
فقد نشأت، في تحليلها، منظومة خطابية وطقسية تنظم العلاقة بين القائد والجمهور، من خلال الخطب المتلفزة والمناسبات والشعارات وأشكال إعلان الولاء.
وتتوقف عند الألقاب التي يستخدمها إعلام الجماعة، ومنها "السيد القائد" و"علم الهدى"، باعتبارها جزءا من بناء صورة القيادة.
ومن هنا تتناول الدراسة التحول من إمام تقليدي يرتبط حضوره بشرعيته إلى قيادة مركزية تتعزز مكانتها من خلال الوسائط التنظيمية والرمزية.
وترى في هذا التحول أحد أوجه الانقطاع بين الحوثية والزيدية الكلاسيكية، رغم استمرار توظيف مفاهيم الولاية والاصطفاء.
تعود الدراسة في مباحثها الأخيرة إلى السؤال الذي انطلقت منه: هل الحوثية امتداد للزيدية أم انقطاع عنها؟
وتقدم إجابة تقوم على التمييز بين مستويات مختلفة من الاستمرارية والانقطاع.
فعلى مستوى البنية العميقة للشرعية، ترى استمرار عناصر تتعلق بحصر السيادة العليا في الاصطفاء والولاية.
وعلى مستوى التنظيم والقيادة، ترى تحولات مهمة في مصادر الشرعية ووسائل ممارستها، وفي العلاقة بين القائد والأتباع والمؤسسات.
ولهذا ترفض وصف الحوثية بأنها استمرار خطي للهادوية، كما ترفض اعتبارها قطيعة كاملة معها.
وتضعها ضمن عملية "إعادة التركيب الانتقائي"، التي تجمع بين الاحتفاظ بعناصر من التراث وإعادة توظيفها في بنية جديدة.
فالحوثية، في هذا التفسير، لا تستعيد الإمامة القديمة بمؤسساتها وصورتها التاريخية، لكنها تستعيد بعض منطقها السياسي، وتدمجه في أدوات حديثة للتنظيم والإعلام والتعبئة والحكم.
وتعتبر الدراسة أن هذا التحول بلغ ذروته بعد عام 2014، حين انتقلت الجماعة من موقع المنازع للسلطة إلى موقع الممارس لها.
تنتهي الدراسة إلى مجموعة من النتائج التي تتصل بالعلاقة بين المذهب والتنظيم والسلطة.
فهي تؤكد أن الزيدية ليست كتلة واحدة، وأن المناطق المحسوبة عليها تاريخيا عرفت تعددا مذهبيا وسياسيا واجتماعيا لا يمكن اختزاله في الحوثية.
وتخلص إلى أن الجماعة أعادت توظيف عناصر من التراث الهادوي، لكنها لم تصبح بذلك ممثلا طبيعيا للزيدية أو لسكان مناطقها.
كما ترى أن شرط البطنين أدى دورا تاريخيا في حصر السيادة السياسية العليا، وأن الاعتراض عليه كان جزءا من تاريخ الصراع داخل المجال الزيدي نفسه.
وتعتبر أن بيان الولاية العامة لعام 1990 مثل لحظة تكيف مع النظام الجمهوري، بينما جاءت الوثيقة الفكرية والثقافية لعام 2012 لتعيد تثبيت مفاهيم الاصطفاء والهداية في آل البيت.
وتخلص كذلك إلى أن الحوثية أعادت تركيب منطق الإمامة داخل مشروع حديث، يقوم على القيادة المركزية والتعبئة المسلحة وتنظيم الولاء.
وفي المجال السياسي، ترى أن صعود الجماعة لم يكن نتيجة إجماع مذهبي أو مناطقي، بل ارتبط بتحالفات مع قوى ونخب جمهورية، وبشبكات اجتماعية وسياسية ساعدت على فتح مؤسسات الدولة أمامها.
أما في المجال الاقتصادي، فتعتبر أن تنظيم الجباية والخمس وتوزيع الموارد يكشف انتقال مفاهيم الشرعية والامتياز إلى الممارسة المالية والمؤسسية.
وتربط الدراسة بين هذه المستويات جميعا لتفسير ما تسميه "الهاشمية السياسية"، باعتبارها بنية للسلطة تعيد إنتاج النفوذ عبر النسب والولاء والتنظيم، دون أن تكون نظاما نسبيا مغلقا بصورة مطلقة.
تختتم الدراسة بالعودة إلى فكرتها المركزية: أن فهم الحوثية يبدأ من البحث في الكيفية التي تحولت بها عناصر من التراث المذهبي والخطاب الديني والشعور بالمظلومية إلى أدوات للقيادة والولاء والحكم.
وتحدد خمسة موارد أساسية أعادت الجماعة تركيبها: المجال الجغرافي الزيدي المتعدد، والرأسمال الرمزي الهاشمي، والتراث العلمي الزيدي، والنظرية السياسية الهادوية، والخطاب الحركي الحديث.
ومن خلال الجمع بين هذه الموارد، نشأ مشروع لا يمثل الزيدية كلها، ولا ينفصل عن بعض عناصر تراثها، وإنما يسعى إلى إعادة تنظيم المجتمع والسلطة حول مفاهيم محددة للشرعية والطاعة.
وتؤكد الدراسة أن تحميل المذهب الزيدي مسؤولية المشروع الحوثي يمثل خطأ تحليليا؛ لأنه يمنح الجماعة صفة التمثيل الشامل التي تسعى إلى احتكارها.
وفي المقابل، فإن تجاهل الجذور الفكرية والرمزية التي استعانت بها الحركة يحجب آليات بناء مشروعها السياسي.
ولهذا لا تختار الدراسة بين الوصل والفصل، بل تقر بالأثر التاريخي والمذهبي دون أن تجعله دليلا على التمثيل، وتثبت الاختلاف التنظيمي والسياسي دون أن تدعي القطيعة الكاملة.
وتنتهي إلى أن البنية السلطوية التي تدرسها لا تقتصر على الأفكار والخطابات، بل تظهر في قواعد شغل الوظائف وتوزيع الموارد وإدارة المؤسسات والرواتب والمساعدات.
Loading ads...
وهنا تكتمل، وفق أطروحة أحمد الزرقة، عملية الانتقال من الإحياء المذهبي إلى التنظيم السلطوي: حين لا تعود الولاية مجرد مفهوم في التراث أو شعار في الخطاب، وإنما تصبح أساسا لتنظيم القيادة والولاء والموارد وممارسة الحكم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



