شهر واحد
هل فقدت أوروبا موقعها في سوريا أم ما تزال تملك أوراقا للعودة؟
الخميس، 19 فبراير 2026
في تحليل نشرته مؤسسة كارنيغي تتساءل الباحثة بيانكا شبيدل عمّا إذا كانت أوروبا قد ابتعدت فعليًا عن المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد، في وقت عززت الولايات المتحدة وتركيا وقطر والسعودية مواقعها بسرعة وحزم. فعلى الرغم من تعهدات مالية أوروبية بمليارات اليوروهات وقربها الجغرافي واحتضانها أعدادًا كبيرة من اللاجئين السوريين، ما يزال الاتحاد الأوروبي غائباً عن صياغة الترتيبات السياسية والمؤسسية للمرحلة الجديدة. ويرى التحليل أن أوروبا لا تفتقر إلى الموارد أو النفوذ المعياري، بل إلى التنسيق الاستراتيجي والمرونة المؤسسية، مؤكدًا أن مشاركتها المشروطة في إعادة الإعمار قد تكون فرصتها الأخيرة لترجمة التزاماتها المالية إلى نفوذ جيوسياسي فعلي، قبل أن يتحول تهميشها إلى أمر واقع.
يعرض موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذه المادة ضمن إطار دراسات الملفات المعنية بإعادة إعمار سوريا وانفتاحها على العالم من جديد، من دون أن يعتبر ذلك تبنياً لموقف المؤسسة الناشرة ولا تماهياً مع رأي الباحثة.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
خلال السعي الكبير لتحقيق نفوذ في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد، تخلف الأوروبيون عن الركب بشكل ملحوظ، فقد لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في ذلك المسار بفضل قوتها الممتدة خارج حدودها الإقليمية. أما تركيا وقطر فحصدتا ما قدمتاه من دعم عسكري وسياسي للرئيس السوري الجديد أحمد الشرع على المدى الطويل. في حين سارعت السعودية لاتخاذ إجراءات سعت من خلالها لتعزيز مكانتها مستفيدة من نفوذها على المستويين: المالي والرمزي.
أما الاتحاد الأوروبي، فعلى الرغم من قربه الجغرافي، وموارده الاقتصادية، واستقباله لما يربو عن مليون وثلاثمئة ألف من اللاجئين واللاجئات السوريين، فمايزال غائباً عن المفاوضات التي ترسم مستقبل مؤسسات هذا البلد.
وحري بالاتحاد الأوروبي ألا ينحو بهذا الاتجاه، فالأوان لم يفت بعد على العودة إلى ساحة المنافسة، لأن الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأعضاء فيه لديها الكثير لتقدمه إلى سوريا، إذ تمتلك تلك الدول التي تتبع للاتحاد أوراق قوة وإمكانات في سوريا تفوق بكثير ما تظهره أو ما قد وظفته في ذلك البلد حتى الآن.
غياب التنسيق الاستراتيجي
بوسع نقاط القوة المعيارية التي تتمتع بها أوروبا أن تقدم قيمة حقيقية للمؤسسات، على الرغم من تراجع أهمية إمكاناتها الاستثمارية مقارنة بغيرها من الجهات الفاعلة، إلا أن الظرف لا يسمح بتفعيل تلك الاستثمارات إلا من خلال المشاركة بعملية إعادة الإعمار مع التركيز على حقوق الملكية وآليات العدالة الاجتماعية.
بعد أن تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم نحو مليارين وخمسمئة مليون يورو (أي ما يعادل ثلاثة مليارات دولار) لسوريا خلال الفترة ما بين 2025-2026، أعلن الاتحاد مؤخراً عن حزمة مالية جديدة تبلغ قيمتها نحو 620 مليون يورو (ما يعادل 735 مليون دولار) ستقدم خلال الفترة ما بين 2026-2027 لتشمل المساعدات الإنسانية، والتعافي المبكر، ودعم العلاقات بين الطرفين. ولكن على الرغم من أهمية ذلك، ماتزال تلك المساعي مشتتة من دون تنسيق استراتيجي. فقد خلص التقييم المرحلي الذي يجريه الاتحاد الأوروبي والذي يعرف باسم أداة الجوار والتنمية والتعاون الدولي، والذي يمثل الإطار الأساسي الذي يعتمده هذا الاتحاد تحت اسم (أوروبا العالمية) ليقدم مبلغاً قدره 79.5 مليار يورو (ما يعادل 94.2 مليار دولار) كمساعدات في مجال التنمية والتعاون، إلى أن نهج التمويل والتنسيق يتسم "بمرونة غير كافية" وبأن: "نهج أوروبا كفريق لم يرق لمستوى التوقعات".
أهمية المشاركة الأوروبية
خلال أزمة اللجوء التي ظهرت عام 2015 وما بعدها، استقبلت أوروبا كثيراً من المواطنين السوريين من أصحاب العلم والكفاءات، إلا أن بعض الدول الأعضاء ماتزال تنظر إلى اللاجئين السوريين وكأنهم مجرد عبء لا مفر من التخلص منه في أقرب وقت ممكن. غير أن عمليات الإعادة السريعة قد تحرم الاتحاد الأوروبي من جني "الثمار الاقتصادية والاجتماعية والثقافية" المترتبة على مسارات الاندماج، وهذا لا يخدم المصالح الأوروبية ولا السورية. كما كشفت المعطيات على الأرض بأن البنية التحتية للبلد تعرضت لدمار شديد وأضرار جسيمة، وأصبح تسعون في المئة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر، وإلى جانب الدمار المادي، مايزال انعدام الأمن والاستقرار منتشراً خارج دمشق.
أما التحديات التي يواجهها العائدون من السوريين والسوريات فتكشف وبكل جلاء عن مواضع الأهمية البالغة للمشاركة الأوروبية. فالنزاعات على الممتلكات بعد مرور عقد ونيف على النزوح داخلياً والحرب الدموية يخلق تهديدات مباشرة بتجدد النزاع، في حين يُوجد الانهيار الاقتصادي والتنازع على حقوق الملكية الشروط الملائمة لظهور فوارق اجتماعية ظالمة تهدد العملية الانتقالية بسوريا.
وهنا تكمن الميزة التنافسية لأوروبا، لأن المشاركة الأوروبية في تأسيس سجلات الملكية وتنظيم المساعدات قانونياً ووضع آليات لحماية العائدين والعائدات لن تعزز نفوذها فحسب بل أيضاً توفر بنية تحتية لنشر الاستقرار وترسيخه بما يشد أزر العملية الانتقالية في البلد على المدى البعيد. ولن تتحقق تلك الشراكة الفعالة إلا عبر التعاون مع الحكومة السورية، وذلك من خلال تقديم موارد مهمة لإعادة إعمار سوريا مشروطة ببناء المؤسسات تحت رقابة الاتحاد الأوروبي.
ومن دون التوصل إلى حل بالنسبة لهذه الشروط المسبقة الثلاثة المعنية ببناء المؤسسات، والتي تشمل آليات التنسيق، وحشد الدعم المالي، والإشراف على العمليات، لن تتمكن أوروبا من ترجمة هذه الفرص إلى نفوذ استراتيجي، بل ستستمر في معاناتها من الضعف التنافسي مقارنة بتركيا واستراتيجيتها التي تجمع ما بين الجانب العسكري والاقتصادي أو ما حشدته دول الخليج من موارد.
أثر تنافس القوى الفاعلة في سوريا على أوروبا
تحصد تركيا اليوم ثمار ما قدمته من دعم عسكري وسياسي للرئيس السوري الحالي أحمد الشرع وفصائل المعارضة. وبما أن أنقرة تحركت بسرعة وحزم بعد سقوط النظام، لذا فإنها اليوم تسهم في رسم شكل المشهد السوري على الصعيد الأمني وعلى صعيد الطاقة ضمن عملية إعادة إعمار سوريا.
كما رسخت دول الخليج نفوذها هي أيضاً، حتى من دون التزام تركيا بذلك على المدى الطويل، فقد ربطت السعودية وقطر تعهداتهما بإعادة الإعمار بمعايير الحوكمة والإصلاحات في مجال حكم القانون والتي وضعت خصيصاً لتحمي استثماراتها. وهذه الأطر المؤسساتية لابد لها أن ترسم مسار سوريا لعقود قادمة، إضافة لما لها من تأثير كبير على الخاصرة الجنوبية لأوروبا.
الدور الأوروبي المُنتظر
ولذلك يجب على المفوضية الأوروبية تعيين منسق رفيع لسوريا، بحيث يتم تكليفه بتوحيد الاستجابات المشتتة بين صناديق التنمية الأوروبية والخدمات الدبلوماسية، والبنك الاستثماري الأوروبي. كما أن تشكيل مجموعة عمل معنية بإعادة إعمار سوريا تنطوي على مشاركة إلزامية لكل الدول الأعضاء بوسعه أن يمنع ظهور سياسات متناقضة متعارضة يمكن أن تقوض مصداقية هذا الاتحاد.
كما لابد من تخصيص ميزانية لإعادة الإعمار بقيمة تتراوح ما بين 2-3 مليار يورو (ما يعادل 2.4 – 3.6 مليار دولار) من ضمن التمويل المخصص للتنمية حالياً، بما يوضح التزام الاتحاد ويوجه رسالة سياسية تفيد بأن أوروبا تأخذ سوريا على محمل الجد. ويجب تبسيط عمليات اتخاذ القرارات المعنية بالإفراج عن التمويل، إذ في الوقت الذي تحتاج الاستراتيجية الشاملة لقرار جامع، فإن التوصل إلى قرارات مرحلية للتنفيذ بناء على تقارير المراقبة والإشراف يمكن أن يتم اتخاذها بتصويت الأغلبية المؤهلة، بما يعجل من وتيرة الاستجابة مع إبقاء سيطرة الدول الأعضاء على التوجهات الاستراتيجية.
وفي الختام، ينبغي على الأوروبيين أن يضعوا يربطوا تقديم التمويل المعني بإعادة الإعمار في سوريا بشرط موافقة الحكومة السورية على تشكيل لجان إشراف مشتركة تعمل على إنشاء سجلات ملكية، وحماية العائدين والعائدات وتنفيذ مشاريع البنية التحتية. وهذه اللجان يمكن أن يترأسها شخصان أحدهما سوري والآخر أوروبي بمشاركة طرف مستقل ثالث، بحيث تقدم الحكومة السورية البيانات والمعلومات الخاصة بالعمليات، في حين يتحقق الاتحاد الأوروبي من صحة تلك البيانات عبر عمليات تفتيش مستقلة تتم في المواقع، ويقوم مدققون يتبعون لطرف ثالث بالتحقق من استيفاء المعايير المطلوبة، بحيث لا يجوز للبنك الاستثماري الأوروبي قبل عملية التحقق تلك أن يفرج عن الأموال المودعة في حسابات الضمان، وفي ذلك تحديد واضح لشروط قابلة للتنفيذ.
فرص واعدة في سوريا
ثم إن المصالح الجيوسياسية لأوروبا في سوريا، والتي تشمل نشر الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة والتعاون على مكافحة الإرهاب، وحفظ الأمن والنظام في حوض البحر المتوسط، تتجاوز حدود معالجة قضية الهجرة.
فسوريا المستقرة التي تخلصت من براثن شبكات أذرع إيران لابد لها أن تعيد رسم شكل الأمن في منطقة حوض المتوسط، لأن انهيار ممر التوريد لحزب الله وحماس والذي كان يخضع لإشراف ورعاية من الأسد وإيران، وتحول سوريا إلى دولة شريكة في محاربة الإرهاب، جعل من دمشق نقطة ارتكاز للنظام الإقليمي بشكل لابد له أن يؤثر على أمن أوروبا مباشرة.
كما أن احتمال دمج سوريا ضمن شبكات الطاقة في المنطقة والتي تشمل مشروعاً محتملاً لتطوير مسار خط الغاز بين قطر وتركيا يمر عبر سوريا، لابد أن يؤثر على أمن الطاقة في أوروبا، وبعيداً عن الطاقة، توفر سوريا ممراً تجارياً برياً مهماً يربط الأسواق الخليجية بالأوروبية عبر الأردن وتركيا. أما عملية إعادة إعمار سوريا بعد الأسد والتي قدرت تكاليفها بنحو 182 مليار يورو (ما يعادل 216 مليار دولار)، فتمثل فرصاً اقتصادية مهمة للشركات الأوروبية، في حال تمكنت أوروبا من تقديم نفسها كمنافس في هذا المضمار.
غير أن الخلل البنيوي يمنع الاتحاد الأوروبي من ترجمة هذه المصالح والالتزامات المالية المهمة إلى نفوذ استراتيجي، فالمسألة لا تتعلق بقدرة تلك الإصلاحات على حل تلك المشكلات، بل بقدرة أوروبا في التغلب على حالات الفشل في التنسيق قبل أن تصبح حالة التهميش في مجال المنافسة أمراً واقعاً لا مجال للرجوع عنه، ما يعني بأن لحظة إجراء إصلاحات في قطاع المؤسسات قد حانت الآن.
Loading ads...
المصدر: Carnegie Endowment
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




