نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً موسعاً يتناول أحد أكثر الملفات حساسية في سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، وهو ملف إعادة بناء الجيش السوري، بعد قرار حلّ القوات المسلحة القديمة التي ارتبط اسمها بالقمع والانتهاكات على مدى خمسة عقود. ويعرض التقرير كيف تحوّل هذا الملف إلى التحدي الأكبر أمام الحكومة الجديدة، في بلد ما يزال منقسماً سياسياً ومجتمعياً، ويعاني إرثاً ثقيلاً من الحرب والعنف الطائفي.
ويركّز التقرير على طبيعة الجيش الذي يجري بناؤه اليوم، مشيراً إلى اعتماد القيادة الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، على دائرة ضيقة من المقاتلين السابقين في الفصيل الثوري الذي قاده، على حساب ضباط منشقين أكثر خبرة. كما يسلّط الضوء على آليات التجنيد والتدريب، التي تشمل تعليماً دينياً وتشدداً انضباطياً، مقابل ضعف في التدريب العسكري الاحترافي، وغياب واضح لتمثيل الأقليات الدينية والعرقية.
وفي قراءته للتداعيات المستقبلية، يحذّر التقرير من أن بناء جيش على أساس الولاء والعقيدة، لا على أساس الكفاءة والتعددية، قد يعمّق الانقسامات الداخلية، ويقوّض الثقة مع الأقليات، ويعقّد جهود دمج قوات سوريا الديمقراطية. كما يطرح تساؤلات حول قدرة هذا الجيش على التحول إلى مؤسسة وطنية جامعة، تحمي السلم الأهلي وتمنع تكرار دوامات العنف، في ظل غياب عقيدة عسكرية حديثة قائمة على القانون والمواطنة.
يعرض موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذا التحقيق ضمن تحليل التوجه الغربي بالنسبة للملفات الأمنية في سوريا وما يتصل بإعادة بناء مؤسساتها، ولا يعتبر ذلك تبنياً للأفكار التي وردت في التحقيق أو لتوجهات الصحيفة بالنسبة للملف السوري.
فيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذا التحقيق:
عندما وصل الثوار في سوريا إلى سدة الحكم قبل عام من الآن، كان أول ما فعلوه هو تسريح جميع قوات الجيش في البلد بعد أن استُخدموا كأدوات للقمع والوحشية على مدار خمسة عقود من حكم بشار الأسد وعائلته.
والآن، أصبح أكبر تحد يجابه الحكومة الوليدة يتمثل بإعادة بناء تلك القوات، لما لذلك من دور حاسم في توحيد هذا البلد الذي مايزال مقسماً.
ولكن حتى يتسنى لحكام سوريا الجدد القيام بذلك، أصبحوا يسيرون على هدي دليل عمل يشبه دليل العمل الذي اعتمدوه أيام تأسيسهم لحكومتهم، والتي اعتمد فيها الرئيس أحمد الشرع على دائرة ضيقة متماسكة من الموالين.
ولذلك يحابي تسلسل القيادة في الجيش السوري الجديد المقاتلين السابقين في الفصيل الثوري الذي كان الشرع قائده، بل ويمكن أن يقدمهم على من يحملون خبرة أكبر، وذلك بحسب ما ذكره معظم الجنود والقادة والمحللون. كما لا يوجد أي تمثيل بعد للأقليات الدينية في هذا الجيش، على الرغم من تنوع سوريا دينياً وعرقياً، وتعرضها لموجات عنف طائفي خلال هذا العام.
تؤسس وزارة الدفاع السورية لبعض أساليب التدريب نفسها التي اعتمدها الفصيل الثوري السابق الذي رأسه أحمد الشرع، ويشمل ذلك التعليم الديني. إذ بالاعتماد على تلك الأساليب، أصبحت هيئة تحرير الشام أقوى فصيل بين الفصائل التي حاربت نظام الأسد خلال فترة الحرب السورية.
أجرت صحيفة نيويورك تايمز مقابلات مع أكثر من عشرة جنود وقادة ومجندين جدد في سوريا، فتحدث هؤلاء عن التدريب العسكري كما تكلموا بصراحة عن مخاوفهم إزاءه، وقد تحدث جميعهم تقريباً بعد أن اشترطوا إخفاء أسمائهم، وذلك لأن وزارة الدفاع تحظر على الجنود الحديث إلى وسائل الإعلام.
منع التدخين في الجيش
ذكر عدد من الجنود والقادة وكذلك المحللين بأن بعض القواعد التي تتبعها الحكومة لا علاقة لها بالجاهزية العسكرية، والقيادة الجديدة تعنى بتفاصيل أمور معينة، مثل منع التدخين بين الجنود خلال فترات مناوبتهم، أما بالنسبة إلى النواحي الأخرى، فيبدو التدريب بعيداً كل البعد عما يحتاجه الجيش الحديث بحسب رأي العساكر.
خلال الربيع الماضي، وعند وصول ثائر سابق عمره 30 عاماً لتلقي التدريب في شمالي محافظة حلب، أبلغه المدربون مع نحو 1400 متطوعاً جديداً في الجيش بأن التدخين ممنوع، وذكر هذا الثائر السابق بأن المدربين فتشوه وصادروا علب سجائر كان قد أخفاها في سترته.
دفع هذا المنع عشرات المجندين لترك التدريب على الفور، وطرد كثيرون بسبب تجاهلهم لهذه القاعدة، بحسب ما أخبرنا الثائر السابق، وهو شاب نحيل بقي يدخن طوال حديثه إلينا في مدينة مارع التابعة لمحافظة حلب. وبعد مرور ثلاثة أسابيع، لم يتخرج بعد التدريب سوى 600 متطوع على حد زعمه، وهذا ما أثار دهشته.
ويخبرنا بأن جوانب أخرى للتدريب أثارت استغرابه، فقد خصصوا الأسبوع الأول من التدريب للتعليم الديني، وكان من ضمن ذلك محاضرة حول مولد النبي صلى الله عليه وسلم امتدت لساعتين ونصف.
في حين ذكر الجنود والقادة بأن التدريب الديني يعبر عن عقيدة المسلم السني المحافظ، والمقصود بها تلك التي انتهجها الفصيل الثوري السابق الذي رأسه أحمد الشرع، أي هيئة تحرير الشام، عند وصوله إلى السلطة في إدلب، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة هذا الجيش على تقبل الأقليات الدينية والعرقية ضمن صفوفه، ومدى تعبيره عن تنوع سوريا.
الاعتماد على الثقات
بعد أن اشترط عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث إلى الإعلام، ذكر مسؤول في وزارة الدفاع السورية بأن الحكومة لم تقرر إن كانت ستسمح للأقليات بالتطوع في الجيش، إلا أن إقصاء الأقليات يهدد بتوسيع التوترات الطائفية في سوريا، بعد أن اندلعت مرات عديدة على شكل موجات أسفرت عن عنف دموي خلال العام الماضي.
وهكذا، وبدلاً من الالتفات لمن يحملون أكبر خبرة، وبينهم الآلاف من العساكر المنشقين عن نظام الأسد، أصبح قادة سوريا يعتمدون على دائرة ضيقة من الرفاق الثقات ممن كانوا معهم في هيئة تحرير الشام وذلك لقيادة الجيش الجديد وتشكيل صفوفه، وذلك بحسب ما ذكره عدد من العساكر والقادة والمتطوعين.
بعد إلغاء التجنيد الإجباري الذي كان أكثر شيء يكرهه الناس أيام حكم نظام الأسد، أخذ الجيش الجديد يجند متطوعين وحدد مؤهلات تسمح لهم بالتطوع ومن بينها أن يكون المتطوع حاصلاً على شهادة الدراسة حتى الصف التاسع، إلى جانب اللياقة البدنية والإلمام بالقراءة.
غير أن الجنود الذي حاربوا إلى جانب الثوار في الحرب السورية أصبحوا ضمن صفوف الجيش تلقائياً، حتى وإن لم يستوفوا الشروط كلها، وذلك بحسب ما ذكره عدد من الجنود والقادة.
يعلق على ذلك عصام الريس، وهو مستشار عسكري كبير لدى مركز إيتانا البحثي السوري، والذي تحدث بدوره إلى عدد كبير من الثوار السابقين الذين انضموا للجيش الحالي، فيقول: "إنهم يأتون بقائد من هيئة تحرير الشام لم يحصّل حتى شهادة الصف التاسع ويجعلونه مسؤولاً عن كتيبة، ومؤهله الوحيد هو موالاته لأحمد الشرع".
ويخبرنا الريس بأن هؤلاء الذين يتم تعيينهم بتلك الطريقة يفتقرون إلى التعليم العسكري الرسمي وكذلك إلى الانضباط، إذ كغيرهم من مقاتلي معظم الفصائل الثورية الأخرى، أمضى الثوار السابقون التابعون لهيئة تحرير الشام سنوات طويلة أكسبتهم خبرة في حرب العصابات إلى أن دحروا ديكتاتورية الأسد، أي أن أغلبهم لم يكن ضابطاً في أي جيش رسمي تتبع له فروع أخرى مثل البحرية والجوية والمشاة ويتمتع بتسلسل قيادة صارم، كما لا يمتلك هؤلاء المعرفة التي يمكن الاستفادة منها عند إعادة بناء الجيش، ولهذا يعقب الريس بالقول: "تكمن قوة الجيش في انضباطه، فحفظ القرآن لن يفيدك، بل يجب أن تكون قادراً على القتال".
يبدأ معظم الجنود والقادة اليوم بمرحلة تدريب أساسية تمتد لثلاثة أسابيع، ويستثنى من ذلك كل من حارب إلى جانب هيئة تحرير الشام التي كان الشرع قائدها، إلا أن هذا التدريب لا يزود المتدرب بأي مهارات عسكرية برأي الريس، بل إنهم من وجهة نظره: "يحاولون تعليمهم طريقتهم في التفكير".
يذكر أن الحكومة وقعت اتفاقاً مبدئياً مع تركيا من أجل تدريب الجيش وتطويره، كما ذكر قتيبة إدلبي مدير قسم الشؤون الأميركية لدى وزارة الخارجية السورية، غير أن ذلك الاتفاق لا يتضمن تزويد الجيش بالسلاح أو العتاد العسكري ويعود ذلك للعقوبات الأميركية التي ما تزال مفروضة على سوريا بحسب ما ذكره إدلبي.
وقبل كل ذلك، يمكن القول إن عدم سيطرة الجيش على قواته وضعف انضباط الجنود أسهما في اندلاع عنف طائفي في البلد، وهذا ما قوض علاقة الحكومة بالأقليات، إذ ذكرت منظمات حقوقية بأن قوات تتبع للحكومة أو موالية لها تورطت في بعض أعمال القتل.
من بين القادة القلائل من ذوي الرتب الرفيعة في الجيش السوري الجديد، والذين لم ينضموا بحياتهم إلى هيئة تحرير الشام، قابلنا العميد علي عبد الباقي الذي تحدث إلينا من مكتبه بدمشق، وقال إنه لو كان محل الشرع، لأسس جيشاً جديداً متبعاً طريقته نفسها، وأضاف: "إنهم لن يخاطروا بالتعامل مع أشخاص لا يعرفونهم". يذكر أن هذا العميد رأس فصيلاً ثورياً آخر أيام الحرب.
الترقية بموجب الولاء
ذكر ضابط انشق عن قوات الأسد الجوية والتحق بالجيش السوري الجديد اليوم بأن المعيار الأساسي للترقية في هذا الجيش هي الولاء، ونتيجة لذلك، أصبحت رتب المقربين من الشرع ومن كانوا عناصر في فصيله الثوري أعلى من رتب ضباط عسكريين سابقين يتفوقون عليهم بالخبرة في أغلب الأحيان، وأضاف بأن معظم من يرأسون كتيبة القوات الجوية الجديدة في سوريا اليوم لا يعرفون التسلسل الهرمي للرتب العسكرية، ولكن بعد أن اشتكى هو وغيره من الضباط، عينوا قائداً يتمتع بمؤهلات أفضل، إلا أن ذلك لم يتم وفقاً للطبيعة التخصصية للقوات الجوية برأيه.
أخبرنا بعض القادة من ذوي الرتب الرفيعة بأن التعليم الديني ما هو إلا محاولة لخلق حالة تماسك من خلال الدين والإيمان الذي يشترك به العساكر، أي أنه ليس وسيلة لفرض عقيدة معينة على المجندين الجدد.
يمثل السنة غالبية في سوريا، وكذلك بالنسبة للثوار الذين أطاحوا بنظام الأسد، في حين تنتمي عائلة الأسد للطائفة العلوية التي تعتبر فرعاً من فروع المذهب الشيعي، كما استأثر العلويون في السابق بالرتب الرفيعة في الجيش السوري.
حذر قائدان آخران من السماح للأقليات -وخاصة العلويين والشيعة- بالانضمام للجيش بعد حرب أهلية دموية شابتها تبعات طائفية، لأن ذلك برأيهم أشبه برمي عود ثقاب على برميل بارود.
بيد أن قلة من القادة عارضوا هذه الفكرة، إذ رأوا بأن تشكيل جيش يعبر عن تنوع سوريا بوسعه أن يبني الثقة مع الأقليات كما يسهم في منع وقوع أي عنف طائفي.
ثم إن وصول الموالين للشرع إلى مناصب قيادية في الجيش يصعب مسألة اندماج قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادات الكردية في ذلك الجيش، بما أن تلك القوات تحكم معظم أنحاء شمال شرقي سوريا، وتتمتع بتسلسل هرمي متين للقيادة. إذ طوال أشهر، دخلت قسد المدعومة أميركياً في مفاوضات مع الحكومة السورية بشأن دمج قواتها ضمن الجيش، إلا أن تلك المفاوضات لم تحرز أي تقدم.
كما حذر بعض الجنود أيضاً من افتقار التدريب الذي تلقوه لأي تركيز على قوانين الحرب، باستثناء التوصيات التي قدمت للمجندين حول تجنب تعميم ما ارتكبه أفراد قلائل من جرائم على جميع الأقليات.
يعلق على ذلك عمر الخطيب وهو خريج حقوق وثائر سابق وقائد عسكري في محافظة حلب حالياً، فيقول: "يجب تخصيص فرقة في جيشنا لتركز على التوعية السياسية وعلى منع ارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب، لأن ذلك أهم من تدريبنا على العقيدة الدينية التي نعرفها".
Loading ads...
المصدر: The New York Times(link is external)
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

