ليريح حافظ الأسد رأس دكتاتوريته، عمد إلى تحويل مواطنيه إلى رعايا، وما إن تحقق ذلك -في الثمانينات- حتى أخذ يتعامل معهم كقصّر معرّضين للطيش لولا عناية "الأب القائد"، الذي رسخ جهده لبناء مزرعة لهم، ليست سعيدة لكنها منتظمة وآمنة وممتلئة بالممنوعات، مما حجبهم عن التفاعل مع الهواء الطبيعي، سواء أكان سليماً أم ملوثاً.
ينتمي نظام الأسد إلى عالم المعسكرين، اللذين تربع الاتحاد السوفييتي على رأس أحدهما، وحوله أركانه من الدول الشيوعية الأعضاء في "حلف وارسو" عدو "الناتو" ونظيره، وفي الدرجة الثالثة تأتي دول يسارية من العالم الثالث، بأنظمة اشتراكية ديمقراطية شعبية، منها سوريا.
والحق أن حافظ الأسد، رغم مهارته في الإبحار بين أمواج السياسة الدولية، افتقد عالمه الأليف هذا بعد انهياره في التسعينات، فغصّ بانفتاح الفضاء الإعلامي، الذي اضطره إلى الإيعاز لأجهزة أمنه بغض النظر عن الانتشار البطيء لأطباق الاستقبال التي تلتقط الاختلاف عبر القنوات الفضائية، وتعكّر عندما سمع بالإنترنت، حتى فكر في منعه، قبل أن يوكل إدارة الأمر لولده باسل، ثم لبشار خليفته على البلاد والعباد.
غير أن حديثنا هنا ليس عن الحرية بل عن أحد منتجاتها الجانبية أو أعراضها الثانوية في العقود الأخيرة، وهو الأصولية التي شهدت ازدهاراً في الديانات السماوية الثلاث المعروفة، وإن ظلت السمعة الأبرز للأصولية الإسلامية، السنّية والشيعية.
تصدّت، للتعامل مع الأصولية، ثلاثة أنماط من العلمانيات إن جاز التعبير؛ الأميركية والأوربية الغربية والسوفييتية، ولظروف خاصة بالولايات المتحدة؛ مسيحيتها الإنجيلية وأعداد وأنواع اليهود فيها، سمحت للأصوليات بحرية الانتظام وحتى الاعتزال في تجمعات خاصة، والدعاية، طالما لم يتحول تشددها النظري إلى أعمال يعاقب عليها القانون.
صحيح أنه حارب إسلاميين بشراسة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، لكن هؤلاء كانوا أقرب إلى التكوين الشرعي العام في البلاد، مصاغاً في حركية "إخوانية" وطائفية "طليعية" من دون تغيير في الأصول..
أمّا أوربا الغربية، منبت العلمانية المدرسية، فظلت أكثر حذراً رغم اضطرارها إلى التعايش مع أصوليات، غالبها إسلامي، نشأت بين الأجيال اللاحقة للمهاجرين، المتمرسين بالمساس بحدود القوانين حتى أقصاها، أما العلمانية السوفييتية فقد اعتادت، منذ جذرها الستاليني وحتى تمظهرها البوتيني الحالي في روسيا، على عدم الاكتراث بالتمييز بين الأفعال والأقوال والأفكار، وألِفت، ولا سيما في طبعتها الأصلية التي نسخ منها حافظ الأسد، حملات التجريف والاستئصال التي لا تقتصر على "الإرهابيين" بل على كل من قد يصبح مثلهم في المستقبل.
وبهذه الطريقة حال الأسد بين رعاياه وبين التأثر بتيار عريض كان ينتشر في العالمين العربي والإسلامي، وهو السلفية الحركية والجهادية، صحيح أنه حارب إسلاميين بشراسة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، لكن هؤلاء كانوا أقرب إلى التكوين الشرعي العام في البلاد، مصاغاً في حركية "إخوانية" وطائفية "طليعية" من دون تغيير في الأصول، أما عندما نشأت السلفية الإصلاحية، ثم الجهادية، فكان قد أتم تسوير البلاد، وتكفلت أجهزة مخابراته بمعالجة من تبقى من مجموعات صغيرة تأثرت بالريح القادمة من الخارج عبر شقوق السيديات والإنترنت.
ونتيجة لذلك تكيّف السوريون، في العمق وإلى درجة خطرة، مع أن الفوارق بين الأفعال والأقوال والأفكار ليست ذات بال، وشاعت بينهم الدعوات إلى اجتثاث "الحاضنة" أياً تكن، وصولاً إلى مدنييها ونسائها وأطفالها، في مناسبات الانتقام والتوتر غير القليلة، خاصة منذ عقد ونصف. ومن هنا بدت فكرة التعايش مع وجود متطرفين، لم تنتقل أفكارهم إلى حيز التطبيق، كقادمة من عالم آخر.
لكن هذا العالم الآخر كان مثلنا، يرى أن الانتقال من المعتقدات إلى الارتكاب مجرد درجة بديهية لا داعي لانتظار حدوثها، وأن الوقاية تعني العلاج، وأنه لا بأس من زج الجميع في السجون، بأحكام متفاوتة، معتنق المذهب وملغم العبوة، قبل أن يتبيّن له أن هذا غير عادل لأنه يحاسب الناس على أفكارهم، مهما كانت تبدو كارثية لآخرين، ويحملهم على تحويلها إلى أفعال ما داموا سيدفعون الثمن على كل حال، فضلاً عما تتركه سجون الأنظمة من آثار جسيمة دافعة إلى المزيد من التطرف بعد التعرض للإهانات والتنكيل.
وهل كانت مكونات "الإسلام الشامي"، العقيدة الأشعرية والمذاهب الأربعة والطرق الصوفية، وليدة الشام أم حصيلة انتقال الأفكار وتلاقحها في العالم الإسلامي؟
بعد تخلخل البنى الصلبة للحداثة يسير العالم باتجاه تقبّل تنوع لا نهائي. وما لم تدفع الأفكار يافعاً إلى إطلاق النار في مدرسته، أو جماعة دينية على ممارسة طقس دموي أو انتحار جماعي؛ فإن مهمة أجهزة الأمن هي المراقبة الذكية بالاستعانة بالتقنيات، لا بالدولاب والشبح والكرسي الألماني.
وبالعودة إلى سوريا، التي كُسرت حدودها منذ العام 2012، فقد أصبحت تأثيرات "الخارج الإسلامي" جزءاً من واقع البلاد، ولم يعد من المجدي القول بأن هذا التيار "دخيل" على "الإسلام الشامي" ما دام قد وجد له أتباعاً، ليسوا قليلين، بين السكان، وهل كانت مكونات "الإسلام الشامي"، العقيدة الأشعرية والمذاهب الأربعة والطرق الصوفية، وليدة الشام أم حصيلة انتقال الأفكار وتلاقحها في العالم الإسلامي؟
يبدو هذا خبراً سيئاً للأسدية، وقد تبيّن أنها أعمق فينا حتى من نزوعها القمعي وطموحها الشمولي. وأن تأثيرها لا يقف عند حدود من يسمّون "فلول" النظام، بل يصل إلى قطاعات وأفراد من أعتى معارضيه.
Loading ads...
لم يسحق حافظ الأسد أعداءه من المتمردين الإسلاميين فقط، ولا سجن خصومه السياسيين العديدين فحسب؛ بل قنّن بصرامة كل أشكال التعبير ذات التأثير، بما فيها الديني. لكن تلك كانت جنة زائفة أفاق منها السوريون ليجدوا في قلوبهم أحقاداً وكراهيات كثيرة لا تمكن معالجتها بالتعامي والتجاهل كما كان سائداً طوال نصف قرن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

