تذكر مستثمرو وول ستريت الأسبوع الماضي أن الابتكارات التكنولوجية عادة ما تكون مصحوبة بطفرات مالية، وأن كل طفرة مالية، مهما عظم شأنها، لا بد أن يأتي عليها وقت تواجه فيه تكلفة رأس المال، وهو ما تسبب في أحيان كثيرة سابقة في حدوث أزمات مالية ضخمة.
وتراجعت أسهم شركات التكنولوجيا الأسبوع الماضي بصورة كبيرة، ولم يكن سبب التراجع منتجا خيب الآمال، ولا نموذجا للذكاء الاصطناعي أخفق في أداء مهمته، وإنما كان تقريرا جديدا عن التضخم في الولايات المتحدة، التي يعرف القاصي والداني أنها ما زالت تعاني من ارتفاع غير معتاد في الأسعار، بدأ منذ ما يقرب من 6 سنوات.
وأظهرت البيانات الصادرة في واشنطن استمرار ارتفاع معدل التضخم، فتعززت المخاوف من أن يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية إلى زيادة تكلفة تمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، في وقت أثقلت فيه الديون كاهل كثير من شركات القطاع.
أصبحت إنفيديا واحدة من أهم مصادر التمويل فيما يعرف باسم "اقتصاد الذكاء الاصطناعي"، وحلت محل المصارف وأسواق السندات في كثير من الأحيان، ما جعل البعض يطلق عليها اسم "بنك إنفيديا الوطني الأول، أو البنك المركزي للذكاء الاصطناعي"
وإثر ذلك، تراجع مؤشر رئيسي لأسهم أشباه الموصلات بنسبة 4.3% يوم صدور البيانات، لتبلغ خسائره نحو 12% في الأسبوع الذي واصلت أسهم القطاع بنهايته تراجعها للجلسة الثامنة على التوالي، في أطول سلسلة خسائر منذ عام 2008 (ذروة الأزمة المالية العالمية).
ولم تقتصر الخسائر على الأسواق الأمريكية، بل امتدت إلى ما وراء المحيط الهادئ، حيث هوى مؤشر بنك غولدمان ساكس لأسهم الشركات الآسيوية المنتجة لمعدات الذكاء الاصطناعي بنسبة 11%، في أكبر تراجع أسبوعي له منذ منتصف يوليو/تموز الماضي.
وكانت شركة كورويف (CoreWeave) الأمريكية، التي ترتبط بشراكة وثيقة وإستراتيجية مع عملاق الرقائق إنفيديا (Nvidia) في قلب العاصفة. وكورويف من شركات الحوسبة السحابية الناشئة، أو ما يعرف بـ "السحابة الجديدة "، التي تؤجر قدرات الحوسبة للشركات والمؤسسات.
وهوت أسهم كورويف يوم الأربعاء (14 أكتوبر/تشرين الأول) بنسبة 15.5%، بينما قفزت عوائد ديونها مقتربة من 15%، وهو مستوى لا يفرض عادة إلا على المقترضين القريبين من التعثر! وأنهت الشركة الأسبوع بخسارة بلغت 25% من قيمتها السوقية، وسط تصاعد المخاوف بشأن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
ومع اقتراب عوائد سندات الخزانة الأمريكية من 5.1%، وبلوغ أسعار النفط 110 دولارات للبرميل، شرعت الأسواق في مراجعة تسعير مخاطر المقترضين الأضعف في صناعة الذكاء الاصطناعي. ولم تذهب تلك المراجعات بعيدا، حيث انتهى بها المطاف عند الشركة التي اعتبرت محور هذه المنظومة بأسرها، وهي شركة إنفيديا، عملاق صناعة الرقائق، وأكبر شركة في العالم حاليا من حيث القيمة السوقية.
ولم تسلم إنفيديا من موجة البيع التي ضربت الأسواق الأسبوع الماضي، إذ أغلقت أسهمها يوم الأربعاء عند 221.30 دولارا، منخفضة بنسبة 3.16%، لتبلغ قيمتها السوقية 5.51 تريليون دولار، ثم واصلت التراجع في اليوم التالي. ولم تكن العلة في قوة وحجم أعمال الشركة أو قدرتها على تحقيق الأرباح، وإنما في أوضاع عملائها المالية.
لم تكن شركة كورويف مجرد مشتر لرقائق إنفيديا، فقد كانت أيضا إحدى الشركات التي تستثمر فيها إنفيديا أموالها. ففي يناير/كانون الثاني الماضي، ضخت إنفيديا ملياري دولار في كورويف، فأصبحت ثاني أكبر مساهم فيها. وجاء ذلك استكمالا لاتفاق أبرم في سبتمبر/أيلول 2025، تعهدت بموجبه إنفيديا بشراء طاقات حوسبية غير مستغلة من كورويف بقيمة 6.3 مليارات دولار.
وعلى مدار الأشهر الأخيرة، وفي هدوء، أصبحت إنفيديا واحدة من أهم مصادر التمويل فيما يعرف باسم "اقتصاد الذكاء الاصطناعي "، وحلت محل المصارف وأسواق السندات في كثير من الأحيان، ما جعل البعض يطلق عليها اسم "بنك إنفيديا الوطني الأول، أو البنك المركزي للذكاء الاصطناعي .
لم يقتصر استثمار إنفيديا على كورويف، بل امتد إلى شركات منها "أوبن إيه آي "، و "أنثروبيك "، و "إكس إيه آي "، و "لامبدا "، فضلا عن تعهدها باستثمار ما يصل إلى 100 مليار دولار في أوبن إيه آي على مدى عدة سنوات.
يرى هوانغ أن الطلب على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سيظل يفوق المعروض من مكوناتها لسنوات مقبلة. وحتى المحللون المتشككون لا ينكرون حقيقة هذا الطلب، وإنما يتساءلون: هل تستطيع الشركات المقترضة تحقيق عوائد بالسرعة الكافية للوفاء بديونها، في ظل أسعار الفائدة السائدة؟
غير أن الخطوة الأهم، وإن لم يصدر بشأنها تأكيد رسمي، تحدثت عنها صحيفة وول ستريت جورنال ، حيث أشارت إلى أن إنفيديا تجري مباحثات لتقديم ضمانات تمويلية بنحو 250 مليار دولار، تمول بها أوبن إيه آي لاستئجار مشروع لمراكز بيانات في ولاية أوهايو الأمريكية، بقدرة كهربائية تبلغ عشرة غيغاوات.
من منظور اقتصادي، تؤدي إنفيديا حاليا دورا يشبه ما تؤديه البنوك المركزية حين تتباطأ أسواق الائتمان، إذ تسخر جدارتها الائتمانية لمصلحة مقترضين لا يستطيعون الحصول على التمويل بتكلفة ميسرة. فإذا ضمنت قرضا لأحد عملائها، أمكن لهذا العميل أن يقترض بأسعار فائدة أقرب إلى تلك التي تحصل عليها إنفيديا، بدلا من الأسعار المرتفعة التي تفرضها عليه الأسواق بسبب مخاطره الخاصة.
ومن ناحية أخرى، تقوم تعهدات إنفيديا بشراء طاقات الحوسبة غير المستغلة مقام عقود الخيارات، إذ تضع حدا أدنى لإيرادات عملائها، وتحول دون انهيارها إذا ضعف الطلب.
ولأن إنفيديا هي المورد الرئيسي للأصل الذي يجري تمويل شرائه، وهو رقائق الحوسبة المتقدمة، فقد أصبحت تتحكم، إلى حد بعيد، فيما يمكن تسميته "عملة اقتصاد الذكاء الاصطناعي "، وهي القدرة على الوصول إلى القوة الحاسوبية.
ويرفض جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لإنفيديا، القول بأن هذه العلاقات تشكل دائرة تمويلية مغلقة، تتدفق فيها الأموال من إنفيديا إلى عملائها، ثم تعود إليها في صورة مشتريات من رقائقها. وقد دافع عن صفقة كورويف، مؤكدا أن الأموال التي تستثمرها إنفيديا ليست إلا جزءا يسيرا مما تحتاج هذه الشركات إلى جمعه.
ويرى هوانغ أن الطلب على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سيظل يفوق المعروض من مكوناتها لسنوات مقبلة. وحتى المحللون المتشككون لا ينكرون حقيقة هذا الطلب، وإنما يتساءلون: هل تستطيع الشركات المقترضة تحقيق عوائد بالسرعة الكافية للوفاء بديونها، في ظل أسعار الفائدة السائدة؟
وهنا يوجد رأيان، فأما المتفائلون فيرون أن دور إنفيديا "هام ورائع "، بل قد يكون عاملا من عوامل استقرار القطاع. فالثورات الاقتصادية الكبرى، من السكك الحديدية إلى الكهرباء والاتصالات، لم تقم بنيتها التحتية بين عشية وضحاها، وإنما احتاجت إلى رؤوس أموال تصبر على طول الأجل الفاصل بين الإنفاق وجني الثمار.
وفي ذلك، تعد إنفيديا أقدر على تقدير مخاطر الذكاء الاصطناعي من المؤسسات المالية المتحفظة؛ ذلك أنها ترى حجم الطلبات، وتعلم من أحوال الصناعة ما لا يعلمه المقرضون من خارجها.
وأما المتحفظون فيستحضرون من التاريخ المالي عبرا لا ينبغي إغفالها. فتمويل الموردين لعملائهم يجعل إيرادات المورد مرهونة بالملاءة الائتمانية لهؤلاء العملاء، وقد يؤدي إلى تضخيم الطلب المعلن، كما يجمع المخاطر في ميزانية عمومية واحدة، تظن الأسواق أنها بمنأى عن الخسارة.
إذا كانت إنفيديا قد أصبحت، من حيث الواقع الاقتصادي، بمنزلة المقرض الأخير الذي تلجأ إليه الصناعة إذا ضاقت بها سبل التمويل، فإنها على خلاف البنوك المركزية، لا تستطيع إصدار النقود، ولا تملك أن تتصرف بمعزل عن حقوق مساهميها، أو أن تفرط في تمويل عملائها بضمان منتجاتها
وكانت لنا في صناعة معدات الاتصالات في مطلع الألفية آية، حين مولت شركات المعدات عملاءها، فلما عجز هؤلاء عن السداد وأفلس بعضهم، تهاوت معهم مبيعات الموردين ومستحقاتهم.
ويحذر منتقدو إستراتيجية إنفيديا من أن تشابك الاستثمارات وعلاقات الموردين والعملاء قد يرفع التقييمات السوقية فوق ما تبرره الأسس الاقتصادية، ويحجب عن المستثمرين حقيقة المخاطر المالية.
ثم إن الضمان ليس كالقرض؛ فالقرض مال يدفع ابتداء، أما الضمان فهو التزام بالسداد إذا عجز المدين الأصلي عن الوفاء. وقد تبدو هذه الالتزامات هينة الأثر في الميزانية العمومية، حتى إذا جاء يوم استحقاقها، بان ثقلها وعظم خطرها. وفي هذا، تتجاوز الطامة الكبرى إنفيديا وعملاءها إلى النظام المالي برمته!
ورصدت الأسواق استئثار مجموعة صغيرة من شركات الذكاء الاصطناعي بالنصيب الأكبر من القيمة السوقية للأسهم الأمريكية، الأمر الذي اعتبره البعض، بسبب تركزه حول رقائق إنفيديا ومراكز البيانات، نقطة ضعف للاقتصاد الأمريكي.
فإذا اجتمعت الأرباح ورؤوس الأموال ومخاطر الائتمان في ميزانيات عدد محدود من الشركات، فإن ما يصيب إحداها من اضطراب قد تمتد آثاره إليها جميعا، وما يبدأ كأزمة في شركة قد ينتهي بكارثة في قطاع بأكمله.
لا تخبرنا تراجعات الأسبوع الماضي بوصول طفرة الذكاء الاصطناعي إلى منتهاها، وإنما توضح، لمن يهمه الأمر، أن البنيان المالي لهذه الصناعة أصبح لا يقل أهمية عن بنيانها التكنولوجي.
وإذا كانت إنفيديا قد أصبحت، من حيث الواقع الاقتصادي، بمنزلة المقرض الأخير الذي تلجأ إليه الصناعة إذا ضاقت بها سبل التمويل، فإنها على خلاف البنوك المركزية، لا تستطيع إصدار النقود، ولا تملك أن تتصرف بمعزل عن حقوق مساهميها، أو أن تفرط في تمويل عملائها بضمان منتجاتها.
ويوم تقوم ساعة الأسواق، فإما أن تذكر إنفيديا بأنها كانت المؤسسة التي أعانت هذه الثورة التكنولوجية على عبور سنوات شح الائتمان، وحفظت مسيرة البناء حين أحجم المقرضون، أو أن يدرك المستثمرون أن الشركة التي حسبوها الأكثر أمانا في السوق، كانت في الوقت ذاته بابا تسللت منه المخاطر، وتحققت به رؤية المتشككين.
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





