41 دقائق
أسماك معلبة وأجهزة راديو يدوية.. كيف تستعد الدول للحرب والكوارث؟
السبت، 24 أكتوبر 2026
مع تزايد المخاوف من اندلاع صراعات مسلحة واتساع نطاق الكوارث الطبيعية، لم تعد الاستعدادات للطوارئ مسؤولية الحكومات وأجهزة الدفاع المدني وحدها، بل أصبحت تشمل الأسر والأفراد أيضا.
فمن تخزين المواد الغذائية والمياه إلى تجهيز حقائب الإخلاء والاحتفاظ بوسائل اتصال بديلة، تتجه دول عديدة إلى مطالبة مواطنيها بالاستعداد لاحتمال تعطل الخدمات الأساسية لأيام أو أكثر.
وتستعرض صحيفة "غارديان" البريطانية، في تقرير أعده أجيت نيرانجان، مراسل شؤون البيئة في أوروبا، إرشادات الاستعداد للأزمات في مجموعة من الدول، من بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى الولايات المتحدة ودول الشمال الأوروبي وأستراليا والهند.
ويشير التقرير إلى أن هذه التوصيات باتت أكثر انتشارا في ظل تفاقم الظواهر المناخية المتطرفة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد مخاطر الهجمات الإلكترونية وأعمال التخريب التي قد تؤثر في البنية التحتية وشبكات الإمداد.
وتشترك هذه الإرشادات في هدف أساسي، هو تمكين السكان من تدبير احتياجاتهم الضرورية خلال الفترة الأولى من الأزمة، مع احتمال تأخر المساعدات أو تعطل وسائل الدفع والاتصالات والنقل. لكن المدة التي يُنصح بالاستعداد لها تختلف من دولة إلى أخرى، تبعا لطبيعة المخاطر والقدرات الوطنية.
وفي بريطانيا، التي اتخذها التقرير منطلقا للمقارنة، أطلقت الحكومة حملة "كن مستعدا"، تدعو الأسر إلى الاحتفاظ بمؤن غذائية ومياه تكفي 3 أيام، إلى جانب مصابيح ووسائل اتصال بديلة، استعدادا لاحتمال انقطاع الخدمات الأساسية.
في فرنسا، تصف السلطات الساعات الـ72 الأولى من وقوع الأزمة بأنها فترة حاسمة، وتوصي المواطنين بالاحتفاظ بحقيبة طوارئ جاهزة يمكن حملها سريعا إذا استدعت الظروف مغادرة المنزل.
وينبغي أن تضم الحقيبة الغذاء والمياه والأدوية والنقود، إلى جانب نسخ من الوثائق المهمة ومفاتيح إضافية للمنزل والسيارة، وحتى بعض الألعاب لملء الوقت أثناء الانتظار.
ولا تقتصر الإرشادات الفرنسية على التجهيزات المادية؛ إذ تشدد أيضا على متابعة الأخبار الرسمية عبر التلفزيون والراديو، والتواصل مع أفراد الأسرة، وتجنب الشائعات والمعلومات المضللة.
كما تدعو إلى تعزيز التضامن الاجتماعي والتطوع في منظمات الحماية المدنية، باعتبار أن تماسك المجتمع عنصر مهم في مواجهة الأزمات.
الرسالة الأساسية أن الاستعداد المسبق، من دون هلع أو تخزين مفرط، يمكن أن يعزز قدرة الأفراد والمجتمعات على الصمود عندما لا تسير الأمور على النحو المعتاد
كانت السلطات في ألمانيا الغربية تشجع الأسر منذ ستينيات القرن الماضي على الاحتفاظ بمؤن تكفي 14 يوما. وخُفّضت التوصية لاحقا إلى 10 أيام، فيما دعت إرشادات صدرت في أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى تحقيق هذا الهدف حيثما أمكن، مؤكدة أن توفير احتياجات 3 أيام فقط يمثل مساعدة مهمة.
وبحسب استطلاع أجرته مؤسسة "يوغوف" لصالح وكالة الأنباء الألمانية في يناير/كانون الثاني، فإن ما يقرب من نصف الألمان لا يمتلكون حتى الحد الأدنى الموصى به من المؤن.
وتوصي الإرشادات الألمانية باختيار أطعمة طويلة الصلاحية يمكن تناولها دون طهي، وأخرى لا تحتاج إلى وقت طويل لإعدادها، حتى لا تنفد إمدادات الوقود سريعا إذا تعطل الغاز أو الكهرباء. وتشمل القائمة أيضا راديو يعمل بالطاقة الشمسية أو بتدوير مقبض يدوي، وقائمة ورقية بأرقام الهواتف المهمة، ومخزونا مناسبا من الأدوية.
في الولايات المتحدة، أُطلقت حملة وطنية للاستعداد للطوارئ في عام 2003، وتدعو المواطنين إلى وضع خطة مسبقة، انطلاقا من احتمال ألا يكون أفراد الأسرة في مكان واحد عندما تقع الكارثة.
وتوصي الإرشادات بتوفير نحو 3.8 لترات من المياه يوميا لكل شخص، للشرب والاستخدامات الصحية، إلى جانب صافرة لطلب المساعدة، وقناع للغبار، وأغطية بلاستيكية يمكن استخدامها للمأوى.
وتختلف توصيات تخزين الغذاء بين الولايات؛ إذ تكتفي بعض الإرشادات في كاليفورنيا ببضعة أيام، بينما تتجاوز المدة أسبوعين في هاواي.
كما تشدد الحملة على توزيع المستلزمات بين المنزل ومكان العمل والسيارة، ومراجعة محتوياتها سنويا لتتلاءم مع تغير احتياجات الأسرة.
عززت دول الشمال الأوروبي خططها للطوارئ منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، مع تركيز خاص على احتمال اندلاع صراع مسلح وتعطل البنية التحتية.
في فنلندا، توصف المؤن المنزلية، بما فيها مصادر الطاقة الاحتياطية ومستلزمات النظافة، بأنها أساس مفيد لمواجهة طيف واسع من الأزمات. وتوصي السلطات بتوفير احتياجات 3 أيام على الأقل، مع التحذير من التخزين المفرط الذي قد يحرم الآخرين من السلع الضرورية.
وتستفيد البلاد كذلك من احتياطيات إستراتيجية كبيرة من الحبوب، صُممت لتوفير الغذاء للسكان لمدة تصل إلى 9 أشهر إذا انهارت سلاسل الإمداد أو تعطل الإنتاج المحلي.
أما السويد، فتدعو مواطنيها إلى تعزيز القدرة على الاعتماد على أنفسهم لمدة أسبوع على الأقل، في إرشادات تشمل الحرب والأوبئة والظواهر الجوية المتطرفة.
ومن النصائح العملية تجميد زجاجات المياه، التي يمكن أن تساعد في الحفاظ على برودة الطعام إذا تعطل المجمد، ثم استخدامها للشرب بعد ذوبان الجليد. وإذا توقف المرحاض عن العمل، تقترح الإرشادات استخدام أكياس بلاستيكية للتخلص من الفضلات وتغطيتها بنشارة الخشب.
وفي النرويج، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الكهرباء لتدفئة المنازل، يُنصح السكان بتخزين الملابس الدافئة وأكياس النوم والشموع، والتأكد من نظافة المواقد والمداخن.
كما تشدد السلطات على الاستعداد لانقطاع الإنترنت وشبكات الهاتف المحمول وأنظمة الدفع الإلكتروني. وتتوفر الإرشادات النرويجية بـ30 لغة، في محاولة لتوسيع نطاق وصولها إلى السكان.
وتقدم الدانمارك مثالا محددا على المؤن المقترحة لشخص واحد خلال 3 أيام، تشمل 500 غرام من الخبز المقرمش، و300 غرام من الماكريل المعلب بصلصة الطماطم، و300 غرام إجمالا من الحمص والفاصولياء الحمراء، و500 غرام لكل من المكرونة والحبوب، إلى جانب 1.5 كيلوغرام من الخضراوات المعلبة و100 غرام من المكسرات وبعض الزيت النباتي.
في أستراليا، توصي معظم السلطات بتوفير مؤن تكفي من 3 إلى 7 أيام، بينما توصي هيئة الصحة في ولاية نيو ساوث ويلز بالتخطيط لاحتياجات قد تمتد إلى أسبوعين.
وتشدد الإرشادات على مراعاة ظروف الرضع والحوامل وكبار السن والمرضى، فضلا عن الاستعداد لحرائق الغابات، بما في ذلك تقليم النباتات المحيطة بالمنازل، وارتداء قبعات عريضة الحواف وأقنعة تنفس للحد من استنشاق دخان الحرائق.
أما الهند، فتوصي إرشادات المركز الوطني لمكافحة الأمراض بتحديد المخاطر التي تهدد المنطقة السكنية ومعرفة الأماكن الآمنة المناسبة لكل نوع من الكوارث.
وتشمل القائمة تخزين المياه والغذاء لـ3 أيام على الأقل، واختيار الأطعمة التي لا تحتاج إلى تبريد أو طهي طويل، إلى جانب مصباح يعمل بالبطاريات، وأقراص الكلور لتنقية المياه، ودليل للإسعافات الأولية وحبال سميكة. كما تدعو الإرشادات الأسر إلى إجراء تدريبات على الإخلاء مرتين سنويا، محذرة من أن تغير المناخ قد يزيد تواتر الكوارث وشدتها.
وتعكس هذه التجارب، وفق ما يستعرضه تقرير "غارديان"، توجها نحو جعل الاستعداد للطوارئ جزءا من مسؤولية المجتمع بأكمله، لا الأجهزة الرسمية وحدها.
فوجود مخزون منزلي مدروس، وخطة واضحة للتواصل والإخلاء، ووسائل بديلة للإضاءة والحصول على المعلومات، قد يساعد الأسر على تجاوز الأيام الأولى من الأزمة، ويمنح السلطات وقتا لتوجيه المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجا.
Loading ads...
ولا تعني هذه التوصيات أن وقوع الحرب أو الكارثة بات حتميا، بل إنها تستند إلى احتمال تعطل الخدمات والإمدادات في ظروف استثنائية. وتبقى الرسالة الأساسية أن الاستعداد المسبق، من دون هلع أو تخزين مفرط، يمكن أن يعزز قدرة الأفراد والمجتمعات على الصمود عندما لا تسير الأمور على النحو المعتاد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




