من لحظة ذكرى زواج حميمة ومليئة بالرومانسية، إلى لحظة تتحول لاحقاً لنقطة ارتكاز حول حدث طارئ ومربك يقتحم المساحة الزوجية الخاصة. هذا هو مدخل فيلم "ربشة" تأليف وإخراج المخرج الشاب محمد مكي، وإنتاج مشترك بين صناع وحكاية استديو، والذي افتتح في صالات السينما السعودية بتاريخ 9 أبريل.
تبدأ أحداث الفيلم من موقع تصوير واحد، حيث يعيش الزوجان "فيصل" (يقوم بدوره الممثل عزيز الغرباوي) و"نهى" (تقوم بدورها الممثلة نجلاء عبدالله) داخل فيلا صغيرة، يبدأ الزوجان احتفاليتهما بوعود مستقبلية لحياة مشتركة سعيدة، ويتبادلان الهدايا، حيث يهدي فيصل زوجته نهى إسوارة ثمينة، بينما تهديه نهى بندقية صيد، تنتقل اللقطة التالية إلى مشهد تعليم نهى لفيصل كيفية استخدام البندقية، وفي لحظة إعجاب واضحة بمهارتها، تخبره أن والدها هو من علّمها ذلك.
يبدأ الإخفاق الأول للحبكة من هذا المشهد، إذ تمنح المقدمة للمشاهد توقعاً عالياً حول حضور البندقية لاحقاً في انحراف درامي معاكس سواء عبر تصعيد مفاجئ، أو تحول حاد في طبيعة العلاقة، غير أن هذا الخيط يُترك معلقاً، دون أن يعود بوظيفة توازي حضوره الأول، ما يجعل المقدمة تمنح الفيلم وعداً درامياً أكبر من الحدث الذي يسلكه لاحقاً.
تخرج الزوجة بعد ذلك إلى الصيدلية لشراء اختبار الحمل، في توقيت ما تزال فيه أجواء الاحتفال قائمة، خروجها هنا يبدو أقرب إلى حل وظيفي لتمهيد دخول الحدث التالي، حيث يصل صديق فيصل "ريان" (يقوم بدوره صالح بن زين) بشكل مباغت، طالباً مساعدة فيصل في إدخال امرأة فاقدة الوعي إلى المنزل، هنا يبدأ المسار الأساسي للفيلم، مع وجود امرأة ممدة على الأرض، تفرض على الشخصيات إعادة ترتيب سلوكها داخل مساحة محدودة.
يكتشف فيصل أن هذه المرأة الغائبة عن الوعي هي إحدى صديقاته القديمات، يتردد بين القبول والرفض، قبل أن يرضخ بدافع خبرته الطبية، حتى تصل زوجته إلى المنزل في هذا الوقت الحرج، من هنا تتواتر الأفعال عبر سلسلة من الإخفاء والتنقل داخل الغرف، من الحمام إلى غرفة النوم، ثم إلى زوايا أكثر ضيقاً، يدخل الفيلم في حالة من التوتر المتصاعد، حيث تتقاطع مشاعر الفرح بإعلان حمل نهى، مع وصول والدتها التي تقوم بدورها الممثلة اماني جميل، بالإضافة إلى وجود امرأة مطلقة و صديقة سابقة داخل المنزل، ومعه احتمالات متعددة تتعلق بالفضيحة، والسيطرة، واستدعاء الماضي.
يتضح هنا توظيف كلمة "ربشة" والتي تعني الفوضى المفاجئة وخروجها عن السيطرة من هذا المشهد، نحن أمام فيلم يحمل حبكة قائمة على وجود شخص غريب بشكل سري داخل غرفة نوم مع الزوج، وهذه الحبكة الجذابة بقابليتها العالية للمعالجة، سبق وأن قدمتها السينما مراراً على مدى عقود، خاصة مع محدودية الفضاء، وتقارب الشخصيات، وإمكانية بناء إيقاع متصاعد يعتمد على الحركة الدقيقة، والصوت، وتبدل مواقع الشخصيات داخل المكان، كل عنصر داخل هذا النوع من البنية يتحول إلى عامل ضغط، وكل تفصيلة صغيرة يمكن أن تدفع الحدث خطوة إضافية نحو الذروة، هل حدث هذا مع فيلم اليوم؟.
في "ربشة"، قدم مكي المعالجة على فكرة الإخفاء كمحور للحركة، وفكرة الثقة في العلاقات الزوجية كمحور في السيناريو، تنتقل شخصية "عائشة" التي تقوم بدورها الممثلة رهف إبراهيم بسلاسة وتلقائية مدروسة، بين أماكن مختلفة داخل المنزل، من الحمام إلى غرفة النوم، ثم إلى زوايا أكثر ضيقاً، خاصة مع كل انتقال محملاً بإمكانية الخطأ، وكل صوت قابلًا لأن يلفت الانتباه، غير أن هذا الإيقاع لا يستمر بالحدة ذاتها، ما يحدث فجأة داخل الفيلم أشبه بطابع المسلسلات العربية، إذ تتخلله فترات تتراجع فيها الحركة لصالح حوارات مطولة بين الشخصيات، تفتح مسارات تتعلق بالماضي، أو بالخلافات، أو بتفاصيل عاطفية لا ترتبط بشكل مباشر بما يحدث في اللحظة نفسها. ابطأت هذه الانتقالات من اندفاع الحدث، وأضعفت الشعور بالخطر القريب.
في أكثر من موضع، ينتقل المشهد من حالة توتر ثم حالة هدوء بشكل مبتور، فتبدو الأفعال وكأنها تسير في مسارات متوازية داخل البيت. يكفي القول أن حضور شخصية امرأة غريبة بخلاف الزوجة داخل المنزل وداخل الغرفة يفترض سلوكًا مشحونًا بالحذر المضخم، يظهر في نبرة الصوت، في حركة اليد، في طريقة الوقوف، في نظرة العين.
لقد تكرر التوقف والأريحية في ذروة التوتر الحركي، وهذا ما أثر على الإيقاع بشكل واضح، لحظة الإخفاء، التي تحمل طاقة عالية لم يتم استثمارها بشكل جيد من خلال "ريان" الشخصية الفكاهية الساخرة، بل خرج من المعادلة باكراً وبقي طوال الفيلم ينتظر في السيارة.
في المقابل يحافظ الممثل عزيز الغرباوي في تقديم الجمل الحوارية مع نبرة صوت فاترة، حتى في لحظات يفترض أن تحمل قدراً أعلى من الارتباك أو التوتر، الجملة تُقال، ثم تتبعها حركة متوقعة، نظرة، اقتراب، احتضان، وكأن العلاقة بين الفعل والكلمة محددة مسبقاً، ما يمنح المشهد انتظاماً واضحاً، لكنه يقلل من عنصر المفاجأة.
بينما تحمل شخصية "عائشة" حضوراً مختلفاً، حيث يرتبط وجودها بالحركة الصامتة، والانتقال الحذر، والتفاعل مع المكان بوصفه مساحة ضغط، تنقلات عايشة قائمة على الخوف من وصمة أخلاقية و قلقها على ابنها الذي يفترض أن تذهب إليه، وقد أجادت ذلك عبر تعبيرات وجهها في أكثر من مشهد، مما منح الفيلم لحظات أكثر تماساً مع فكرته الأساسية.
إذا ما انتقلنا إلى فكرة المكان الواحد، فإن الفيلم يمتلك مقومات الاشتغال عليها، من حيث توزيع الغرف، والممرات، والزوايا، واستخدام الأبواب والنوافذ، إلى جانب شريط الصوت الذي يتضمن ارتطامات، وحركات مفاجئة، وأصوات يمكن أن تحمل دلالات متعددة، هذه العناصر تظهر في أكثر من مشهد، وتُستخدم في خلق لحظات توتر آنية، لكنها تعود إلى مستوى ثابت دون تصعيد تدريجي.
كان من الممكن أن تتحول هذه التفاصيل إلى شبكة مترابطة، حيث تتراكم الإشارات الصغيرة لتخلق شعوراً متزايداً بالضغط، يدفع الشخصيات إلى اتخاذ قرارات أكثر حدة، غير أن توزيع هذه العناصر داخل الفيلم يأتي بشكل متقطع، فيفقد الترابط الذي يمنحها قوة أكبر.
لقد عكست التساؤل الدارج حول دراسة الممثل للنص وكيفية التعامل معه، لكن بعد سنوات من دوامة لا تنتهي في معالجة النص السينمائي السعودي، والقاعدة للأسف تغلب الاستثناء، يحضر السؤال العكسي: ماذا يصنع النص بالممثل وإلى أين يقوده؟ حدد النص في "ربشة" مسار الأداء، من خلال رسم شخصية فيصل على مرحلتين متباعدتين. في البداية يظهر كزوج متعاون، يميل إلى الهدوء، ويستجيب لمحيطه بمرونة، ثم ينتقل في الربع الأخير من الأحداث إلى سلوك يحمل حدة وسيطرة، و نهى الزوجة الهادئة القنوعة الرومانسية، ثم تظهر كـ"سوبر وومن" في الدقائق الأخيرة، دون وجود تأسيس كافٍ يربط بين الحالتين .
لقد وضع النص الممثلين في فسحة ضيقة بقيود مكبلة، يقدمون حواراتهم في كل مشهد بشكل منفصل وفق ما يملى عليهم، لا وفق ما يجب أن يكون عليه التقمص، النتيجة حضور تلقيني واضح يفتقر إلى التدرج الذي يمنح الشخصية عمقاً أكبر، إذ يتابع المتلقي التغيير المفاجيء، أكثر من كونه نتيجة لمسار تراكمي داخل الشخصية.
يمتد هذا الأثر إلى الإخراج، وتحديداً في المشاهد الرومانسية، يظهر التوقيت بين الجملة والفعل بشكل انفصالي، و نهاية الجمل بين الزوجين تقود إلى حركة محددة في توقيت الإلتفات، في لحظة الصمت، في الإقتراب الجسدي، ما يجعل بناء المشهد قابلاً للرصد، بدل أن يندمج داخل الإحساس العام، هناك الكثير من الوضوح السلبي الذي يضعف الإحساس بالعفوية.
تجلت أزمة سيناريو فيلم "ربشة" في ميل واضح إلى تكرار استدعاء الماضي كمحور رئيسي للحوار، حيث تنزلق الشخصيات إلى محاسبات غير محددة المعالم، عتابات مبهمة، وإشارات إلى أحداث سابقة دون تجسيدها درامياً، والسؤال الملح: هل أصبحت وظيفة الحوار أن يتحول الماضي إلى وسيلة جاهزة لتبرير السلوك بدل أن يكون عنصراً متداخلاً مع الحاضر؟ لقد ارتبطت هذه المعالجة أو هذا التوجه بنماذج درامية متجذرة في الذاكرة السينمائية المصرية في حقبة معينة، خاصة تلك التي تعتمد على المواجهات الكلامية لاستعراض تاريخ الشخصية السابق، هذه الحيلة في السيناريو، يلجأ إليها صناع السينما السعودية كوسيلة تفسير أكثر من كونه امتداداً للحظة.
وقد استثمرت هذا الأسلوب بالفعل بشكل مستهلك في جميع أنواعها، حتى في نوعي الكوميديا والفانتازيا، نحن أمام فيلم كما يعرف عنه صناعه "إثارة نفسية" يحمل بطلها الرئيسي النمط النرجسي السام، و المفارقة أننا لا نشعر بذلك لولا تردد الصفة على لسان بقية الشخصيات، هذا النمط السلوكي وغيره من الأنماط النفسية التي تصدح بها مؤخراً حسابات منصات التواصل الاجتماعي، لم يؤخذ مراجع منها أو من مصادر علمية عند تأسيس الشخصية إلا القشور مع اقتراب نهاية العمل، في حدث عنيف يحسم المسار، و مقدم كقفزة سريعة نحو الإغلاق.
Loading ads...
ضمن هذه القراءة، يظهر أن فيلم "ربشة" بدأ بفكرة تصاعدية كان بإمكانها أن تكون لاهثة، من خلال بناء إيقاع مشدود، وبأداء تمثيلي أكثر إتقاناً ودراسة للفعل وردة الفعل، المعالجة للأسف وزعت الإمكانات بين أكثر من اتجاه، وتخللت في المنتصف، ما ينتج عن تجربة تتحرك بين حالات متعددة، فاستمر الفيلم بملامسة كل فكرة قام بطرحها، دون أن يبلغ منها شيء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

النوم بكثرة خلال النهار قد يُخفي أمراضاً كامنة
منذ دقيقة واحدة
0




