لم يكن العثور على أطنان عدة من معدن اليورانيوم الطبيعي في موقع سوري غير معلن عنه، مجرد اكتشاف لمادة نووية تعود إلى مرحلة سابقة، بل أعاد فتح واحد من أكثر الملفات غموضاً في تاريخ البرنامج النووي السوري.
فبعد نحو عقدين على عملية "البستان" الإسرائيلية، والتي دمّرت موقع الكِبر في دير الزور، يعود الملف النووي السوري إلى الواجهة، بعدما أبلغت السلطات الحالية في دمشق، الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوجود مواد نووية لا تزال داخل سوريا.
يأتي ذلك بعد سنوات من التفتيش والتحقيق اللذين أجرتهما الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عهد نظام الأسد، وبعدما بدا أنّ ملف المواد المرتبطة بالبرنامج النووي السوري السابق قد طُوي، قبل أن يكشف الإعلان السوري الأخير أنّ جزءاً من هذا الإرث لا يزال قائماً.
ويتجاوز الجدل دمشق والوكالة الدولية للطاقة الذرية. وجود مواد نووية داخل سوريا يحيي الذرائع الإسرائيلية المرتبطة بالمخاوف من تاريخ البرنامج النووي السوري، ما قد يدفع تل أبيب إلى استغلال أيّ مؤشرات على نشاط نووي سوري والادعاء أنه قضية أمن قومي.
في بداية آب/ أغسطس الماضي أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، عن العثور على بضعة أطنان من المواد النووية في موقع سوري غير معلن، بعد أن أبلغت دمشق الوكالة بوجودها، داعيةً إيّاها إلى معاينة الموقع وأخذ عيّنات منه، ولم تعلن حتى الآن عن كمية دقيقة للمواد أو تركيبها بشكل نهائي.
حول المؤشرات على وجود أطنان عدة من اليورانيوم الطبيعي في سوريا من الناحية النووية، يوضح نائب رئيس هيئة المحطات النووية المصرية سابقاً والخبير في شؤون الطاقة والطاقة النووية، الدكتور علي عبد النبي، أنّ ذلك لا يعني بحد ذاته وجود سلاح نووي أو حتى وجود يورانيوم مخصّب، "لأنّ وجود أطنان من اليورانيوم الطبيعي هو مؤشر بنيوي قوي على وجود خطط أو بنية تحتية كانت تستهدف تشغيل برنامج نووي؛ إما عبر التخصيب أو عبر تغذية مفاعل".
ويضيف عبد النبي في حديثه إلى رصيف22، أنّ "معدن اليورانيوم الطبيعي يُعدّ المادة الأساسية لمدخلات دورة الوقود، سواء لتلقيم أجهزة الطرد المركزي، بعد تحويله إلى غاز سادس فلوريد اليورانيوم UF6، للوصول إلى اليورانيوم المخصّب، أو لاستخدامه كوقود مباشر لمفاعلات الماء الثقيل والغرافيت".
ويؤكد الخبير المصري أنّ "الجزم الفني بنوعية وكيفية ذلك النشاط السابق يتطلب دائماً معرفة الشكل الكيميائي، وهل هو خام أو 'كعكة صفراء' أو مركّب كيميائي مكرّر، أو معدن، كما يحتاج إلى تحليل للجزيئات لإثبات المعالجة البشرية ورصد أي آثار لنواتج تفاعل أو تخصيب".
وبحسب البيان المشترك الصادر عن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفائيل غروسي، ووزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني، في 18 آب/ أغسطس الماضي، كانت سوريا قد أبلغت الوكالة في 17 تموز/ يوليو 2026، بوجود مواد نووية في موقع لم يكن معلناً عنه سابقاً، فيما أجرت الوكالة عملية تحقّق أولية من المادة، وأكدت أنها ستواصل إجراءات التحقق منها تمهيداً لإخضاعها للضمانات.
ويرى عبد النبي أنّ الذي لا نستطيع قوله حتى الآن، هو أنّ سوريا كانت تمتلك قنبلةً نوويةً، وأنها كانت تمتلك أطناناً عدة من اليورانيوم المخصّب، وأنّ هذه الأطنان كانت وقود مفاعل الكِبر، مرجّحاً أنّ الاستنتاج الأكثر تحفّظاً أنّ هناك الآن مخزوناً كبيراً من اليورانيوم الطبيعي مرتبطاً بإرث نووي سوري غير معلن، وهذا يمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية مادةً ملموسةً يمكن أن تساعدها في إعادة بناء ما حدث في البرنامج النووي السوري السابق.
وبحسب ما يقول، "الكمية وحدها لا تثبت وجود نشاط نووي سابق، فأطنان عدة من اليورانيوم الطبيعي يمكن أن تكون مادةً أوليةً مشروعةً في دورة الوقود النووي، ولذلك فإنّ مجرد وزنها لا يخبرنا كيف استُخدمت، ولا يعني اكتشافها اكتشافاً لأطنان عدة من مادة لصنع قنبلة نووية، لكنه أكثر دلالةً من العثور على خام يورانيوم عادي، لأنّ تحويل اليورانيوم إلى فلز يتطلب معالجةً صناعيةً، ولأنّ هذا الشكل من الوقود يتوافق من حيث المبدأ مع نوع المفاعل الذي اشتبهت الوكالة بأنّ سوريا كانت تبنيه في الكِبر. أما إثبات طبيعة النشاط، فيحتاج إلى تحليل المادة كيميائياً ونظائرياً".
أما مصدر كمية اليورانيوم المعثور عليها، فيبقى أكثر الملفات التي تحتاج إلى تدقيق علمي، خصوصاً مع تعدّد الفرضيات حول منشئه وارتباطه بالبرنامج النووي السوري السابق، أو بإيران.
يشير عبد النبي، وفق المعطيات المعلنة حتى الآن، إلى أنه لا يرى "أساساً علمياً كافياً لترجيح أنها ذات مصدر إيراني، لذلك من المهم معرفة البصمة النووية والكيميائية للمادة، وليس نسبة التخصيب فحسب. والأهم، مطابقة هذه الخصائص مع عيّنات أو مواد ذات منشأ معروف".
وينبّه إلى أنّ الوكالة الدولية للطاقة الذرية إذا وجدت أنّ بصمة المادة تتطابق مع مواد معروفة المصدر من إيران، تصبح فرضية النقل من إيران أكثر قوةً. أما إذا كانت البصمة متوافقةً مع مواد سورية أو مع سلسلة توريد أخرى، فستتجه النتيجة في اتجاه مختلف.
من الناحية العلمية، يعتقد عبد النبي أنه "لا يمكن استبعاد الخيار الإيراني، لكن التقييم الاستخباراتي وتاريخ البرنامج النووي السوري يرجّحان بشكل أكبر مصادر أخرى، وتحديداً مخزون المفاعل السوري السرّي السابق (مفاعل الكبر/ دير الزور)، المزوّد بتكنولوجيا من كوريا الشمالية، أو يورانيوم طبيعي مستخلص محلياً من الفوسفات".
وكان ملف الأسلحة الكيميائية قد شهد مساراً دولياً مختلفاً، بعدما قدّمت دمشق إعلانها الأول عن برنامجها الكيميائي إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في تشرين الأول/ أكتوبر 2013، لتبدأ لاحقاً عملية التحقق والإزالة والتدمير تحت إشراف المنظمة والأمم المتحدة.
ووفق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أُزيلت الأسلحة الكيميائية التي أعلنت عنها سوريا ودُمّرت خارج الأراضي السورية تحت إشراف دولي.
لكن ما أُعلن عنه آنذاك لم يغلق الباب أمام احتمال بقاء جزء من الترسانة خارج نطاق التسليم، وهو ما يعيد طرحه الخبير العسكري السوري العميد أحمد رحال، في سياق اليورانيوم المكتشف اليوم، إذ يؤكد في حديثه إلى رصيف22، "أنّ النظام السابق برغم الصفقات والترتيبات التي جرت بشأن أسلحته، لم يكن قد سلّم كل ما كان بحوزته"، مشيراً إلى أنه "كان يبرّر عدم الوصول إلى بعض المناطق بأنها مناطق ساحلية أو خطرة".
كما يتحدّث رحال، عن نقل أسلحة ومواد إلى لبنان وإيران وإخفائها في مواقع سرّية. وبحسب روايته، أدّى ذلك إلى تسليم نحو 50% فقط من الترسانة التي كانت موجودةً لدى النظام السابق.
وحول أطنان اليورانيوم المكتشفة حديثاً، يربط الخبير العسكري مصدرها بالموارد الطبيعية السورية، ولا سيّما الفوسفات، مستشهداً بما قرأه عن غنى الفوسفات السوري بنسب جيّدة من اليورانيوم.
وفي تطور يضيف بعداً جديداً إلى الجدل حول مصير المواد النووية المكتشفة في سوريا، نقلت "رويترز" أنّ دمشق تتجه إلى إبقائها داخل الأراضي السورية، مع إخضاعها لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في صيغة تجمع بين الاحتفاظ بالمادة داخل البلاد واستمرار الرقابة الدولية عليها.
ويرى الخبير الأمني والإستراتيجي، محسن الشوبكي، في حديثه إلى رصيف22، أنّ الإبقاء على المادة داخل سوريا تحت إشراف صارم من الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد يكون الحلّ المرحلي الأكثر واقعيةً، لأنه "يحقّق توازناً بين السيادة السورية ومتطلبات الرقابة الدولية. فخضوع المادة للضمانات لا يعني انتقال ملكيتها إلى الوكالة، وإنما يعني إخضاعها للجرد والتحقق والرقابة وفق الاتفاقات والالتزامات القائمة، وليس اتخاذ قرار منفرد بنقلها إلى خارج البلاد".
لكن مصير هذه الأطنان وفق الشوبكي، لن يكون على الأرجح مسألةً تقنيةً بحتةً أو قراراً سورياً منفرداً، بل قد يتشكل ضمن تفاهم سياسي وأمني أوسع، تؤدي فيه الولايات المتحدة دوراً مهماً بحكم حسابات منع الانتشار، فيما ستكون الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية حاضرةً بقوة بسبب تجربة إسرائيل السابقة مع مفاعل الكِبر ورفضها التاريخي لظهور أي قدرة نووية سورية محتملة.
ويشدّد الشوبكي على ضرورة التمييز بين التخزين والاستثمار، فمجرد تخزين اليورانيوم لا يعني وجود مشروع لإعادة إحياء برنامج نووي. الانتقال من امتلاك أطنان عدة من اليورانيوم الطبيعي إلى بناء برنامج نووي، وإن لأغراض سلمية، يحتاج إلى استثمارات ضخمة ومنشآت متخصصة وكوادر علمية وتقنية وخطط تمتدّ لسنوات طويلة، بالإضافة إلى بيئة سياسية مستقرة وتوافقات دولية معقّدة.
يطرح وجود اليورانيوم داخل سوريا، مسألتين قانونيتين منفصلتين هما مصدر المادة من جهة، وملكيتها ووضعها القانوني من جهة أخرى.
يوضح أستاذ القانون الدولي العام عامر الفاخوري، في حديثه إلى رصيف22، أنّ ارتباط المادة ببرنامج نووي سوري سابق أو ثبوت أنها جاءت من دولة أخرى مثل إيران، لا يحسمان تلقائياً ملكيتها.
ويضيف: "إذا ثبت ارتباطها ببرنامج نووي سوري غير معلَن، فإنّ القضية الأساسية تتعلق بمدى امتثال سوريا لاتفاق الضمانات، الذي يلزمها بإخضاع المواد النووية الموجودة على أراضيها أو الواقعة تحت سيطرتها للضمانات الدولية. وقد يفتح ذلك ملف عدم الإعلان عن مواد أو أنشطة نووية في السابق، خصوصاً أنّ الوكالة سبق أن خلصت إلى أنّ منشأة دير الزور التي دُمّرت عام 2007، كانت، بدرجة كبيرة من الاحتمال، مفاعلاً نووياً كان ينبغي الإعلان عنه".
أما إذا ثبت أنّ المادة إيرانية المنشأ، وفق فاخوري، فيجب تحديد كيفية انتقالها إلى سوريا وما إذا كان ذلك قد تمّ عبر عملية بيع أو نقل ملكية أو تعاون أو إعارة، لأنّ منشأ المادة لا يساوي ملكيتها القانونية.
ويؤكد الفاخوري أنّ دور الوكالة يتركز على تحديد مصدر المادة ومسارها واستخدامها وإخضاعها للضمانات، وليس الفصل في ملكيتها. وحتى الآن، لا يوجد دليل معلن وموثوق يثبت أنّ المادة المكتشفة جاءت من إيران.
يقول المتخصص في الشأن الإسرائيلي، عطا فرحات، إنّ إسرائيل لا تنظر إلى المواد النووية السورية باعتبارها بقايا مشروع قديم فحسب، بل تقرأها ضمن هواجسها الأمنية المرتبطة بإمكانية ظهور أي قدرة نووية مستقبلية في سوريا. ويستند هذا التوجه إلى سابقة مفاعل الكِبر في دير الزور، الذي دمّرته إسرائيل عام 2007، قبل أن تعلن رسمياً مسؤوليتها عن العملية عام 2018، عادّةً أنها هدفت إلى منع اكتمال المشروع النووي السوري.
ويضيف في حديثه إلى رصيف22، أنّ ظهور مواد مرتبطة بالبرنامج النووي السوري السابق يعيد تفعيل المنظور الإسرائيلي نفسه، إذ لا يتركز القلق فقط على قدرة هذه المواد على إنتاج سلاح في الوقت الحالي، وإنما على احتمال تطوّرها مستقبلاً إلى عنصر من عناصر القدرة الإستراتيجية السورية.
ويرى أنّ طبيعة السلطة والفصائل التي تشكّلت منها الحكومة الحالية تزيد من مستوى الحذر الإسرائيلي، وتدفع تل أبيب إلى التعامل مع الملف باعتباره قضيةً أمنيةً لا يمكن فصلها عن مستقبل النظام السوري وقدرته على ضبط المواد الموجودة على أراضيه.
Loading ads...
يبقى اليورانيوم المكتشف في سوريا ملفاً مفتوحاً، في انتظار ما ستكشفه عمليات التحقّق التي تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبين تمسّك دمشق ببقاء المادة تحت الرقابة الدولية، والمخاوف الإسرائيلية والقيود القانونية، يظلّ مصيرها النهائي مرتبطاً بما ستكشفه التحقيقات الدولية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






