29 دقائق
“مكتوبة تحت أتون القصف!”.. روائي غزّي يحول العشق إلى “سلاح ثوري” ضد الفناء
الإثنين، 28 سبتمبر 2026

غزة – في غزة حيث صار الموت فيها احتمالا لحظيا، اختار الروائي سعيد أبو غزة أن يكتب عن الحب، وبينما يغلب على الكتّاب والصحافيين توثيق قصص الفقد والنجاة والدمار، يذهب أبو غزة في روايته الرسائلية الوجدانية "رسائل ممنوعة " إلى مساحة أخرى من مقاومة الموت لأجل البقاء وحماية الذاكرة العاطفية من المحو والإبادة.
اختار أبو غزة أن يكتب عن الحب، ولم يبحث في "رسائل ممنوعة " عن مهرب من حرب الإبادة الإسرائيلية بقدر ما حاول استعادة ما تهدمه الحرب في الذاكرة، والحميمية، والقدرة على الحلم والأمل.
يكتب أبو غزة في ظروف استثنائية، فهو يقيم وسط قطاع غزة المدمر والمحاصر، ويقول -للجزيرة نت- إنه يكتب لتحويل التجربة الإنسانية تحت القصف إلى مادة أدبية تتجاوز اللحظة الراهنة. ورواية "رسائل ممنوعة " هي المولود الأدبي الثالث عشر في مسيرته الأدبية، والخامس الذي ينشره على وقع جرائم الإبادة.
في "رسائل ممنوعة " يستعين أبو غزة بفن الرسائل ليحكي قصة بطلي الرواية كمال ووصال، وهما زوجان يفصل بينهما غياب مفاجئ يفتح الباب أمام الشك والانتظار والانكسار.
يكتب الزوج لزوجته الغائبة رسائل لا تصل إليها، مثقلا بالعتاب والاشتياق والاتهام، قبل أن يفارق الحياة مكلوما من دون أن يعرف حقيقة ما جرى لها.
تظهر الحقيقة لاحقا. الزوجة لم تهرب ولم تخنه، وإنما أودعت مصحة نفسية في مدينة بعيدة بسبب مرض مفاجئ ألم بها. وعندما تعود تجد رسائل زوجها، فتبدأ من جهتها كتابة رسائل إلى روحه الراحلة، تستعيد فيها ذكريات الحب وترد على ما كتبه إليها، لتتحول الرواية إلى حوار مؤجل بين عاشق مات وأرملة وصلت متأخرة.
تنقسم الرواية إلى قسمين، الأول بعنوان: "بوح رجل مكلوم "، ويضم رسائل كمال خلال فترة غياب زوجته، فيما يحمل القسم الثاني عنوان "ذكريات أرملة عاشقة "، ويقدم رسائل وصال بعد وفاة زوجها.
ولا يقدم صاحب "رسائل ممنوعة " الرسائل بوصفها مراسلات تقليدية، بل يوظفها لبناء رواية كاملة من وجهتي نظر، تتحرك بين الحاضر والذاكرة، وبين ما يعتقده الإنسان حقيقة وما تكشفه الوقائع لاحقا.
"في غزة نحن لا نكتب العشق ترفا، ولا نغازل الحبيبة هروبا من هول القصف، بل نكتب ونحن في عين العاصفة لأننا ندرك أكثر من غيرنا أن الحب هو المعادل الموضوعي الوحيد للموت "، بهذا يفسر أبو غزة الفكرة التي ولدت منها روايته "رسائل ممنوعة ".
وبرأيه فإن الكتابة في هذا السياق تتحول إلى محاولة لاستعادة الإنسان من بين ركام الحرب، ويقول "حين نكتب عن العشق، فإننا نمارس فعلا ثوريا بامتياز؛ نعلن أننا أحياء، وأننا نرفض أن نكون مجرد أرقام في نشرات الأخبار أو هياكل عظمية تحت الأنقاض ".
يبدو الحب في رواية أبو غزة أكثر من قصة رومانسية؛ فهو وسيلة لمواجهة الفقد، ومحاولة للإمساك بما تبقى من الحياة حين تصبح احتمالات الغياب أكبر من احتمالات اللقاء.
والعشق في سياق الحرب بالنسبة للروائي أبو غزة، الذي آثر الصمود والبقاء على السفر ومغادرة غزة إثر اندلاع الحرب وعايش فصولها المأساوية الدامية، "إستراتيجية وجودية، ودرع روحي نتخذه لنحتمي به من شظايا العدم.. إنه فعل تحد صارخ، نقول به للعالم: نحن هنا، نحب، نبتسم، نتألم، ونبكي، لأننا بشر ".
وتستند الرواية إلى لغة شاعرية كثيفة، تتداخل فيها الرسائل مع "المونولوج " الداخلي والذكريات. ويصبح المكان الحميم، كالمنزل والشرفة والحديقة الصغيرة، فضاء لعالم كامل من الحب والانتظار، في مقابل عالم خارجي تحكمه الحرب والموت.
ومن خلال شخصيتي الزوجين كمال ووصال، يشتغل الروائي أبو غزة على ثيمات الفراق والوفاء والخيانة والأمل والألم، ويطرح سؤالا عن قدرة الحب على الصمود أمام سوء الفهم والغياب القسري والموت.
تستعيد "رسائل ممنوعة " أيضا شكلا أدبيا يكاد يتوارى في زمن الرسائل الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي؛ فالرسالة الورقية هنا ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما مساحة للاعتراف والبوح وتأجيل الكلام إلى ما بعد الغياب.
وفي هذا الجانب، يحاول صاحب "رسائل ممنوعة " إعادة الاعتبار إلى الرسالة بوصفها فعلا حميميا يحتفظ بالأثر، خصوصا حين يستحيل وصولها إلى صاحبها.
كل حرف يكتبه أبو غزة في زمن الحرب -هو برأيه- محاولة لمقاومة المحو والإبادة، ويقول: "نعم، نحن نبحث عن الحياة في دهاليز الموت، ونحتمي بدفء العشق لنصمد أمام برودة القتل والفقد.. كل حرف نخطه هو صرخة احتجاج ضد الركام، ومحاولة شجاعة لترميم ما تهدم في دواخلنا قبل منازلنا ".
وبهذا المعنى، لا تنفصل "رسائل ممنوعة " عن تجربة صاحبها خلال الحرب، لكنها لا تتحول أيضا إلى سرد للحرب وتداعياتها المباشرة، ويوضح أن "الحرب حاضرة في الخلفية بوصفها سياقا وجوديا، بينما يركز نص الرواية على ما تفعله القسوة بالإنسان من الداخل، وعلى حاجته إلى الحب والذاكرة والكتابة كي يحافظ على إحساسه بإنسانيته ".
"إننا نحب الحياة، ليس لأنها سهلة أو جميلة، بل لأنها الشيء الوحيد الذي نملكه في زمن الإبادة، والذي نحاول جاهدين انتزاعه من بين فكي الموت "، بهذا يختصر الروائي أبو غزة معنى وقيمة الكتابة على أصوات المدافع والصواريخ.
يأتي صدور "رسائل ممنوعة " ضمن تجربة روائي يواصل إنتاجه الأدبي في ظروف الحرب، لتصبح الرواية في جانب منها وثيقة وجدانية عن قدرة الإنسان على إنتاج المعنى وسط الانهيار. ويقول أبو غزة إن "العشق هو مساحتنا الخاصة التي لا يستطيع المحتل تدنيسها، وهو واحتنا الخضراء التي نزرع فيها بذور الأمل رغم شح المياه وكثرة الدماء.. نكتب العشق لنقول إن الذاكرة أقوى من النسيان، وأن الحب دائما أقوى من آلة الحرب ".
ورغم أن الرواية تنتمي إلى الأدب الرومانسي، فإنها تذهب أبعد من قصة حب بين رجل وامرأة؛ إذ تجعل من الفقد والانتظار والذاكرة أسئلة حول معنى البقاء، وما الذي يبقى من الإنسان بعد رحيله، وما إذا كان الحب قادرا على تجاوز الموت حين تعجز الكلمات عن الوصول في الوقت المناسب.
Loading ads...
"في غزة التي تحول فيها كل شيء إلى رماد، وكل ثانية إلى احتمال للمغادرة الأبدية، صدر هذا العمل كشهادة حية على أن الكلمة قد تكون سلاحا أشد فتكا من البارود، وأكثر صمودا في وجه الفناء.. رسائل ممنوعة هي صرخة حياة ضد العدم "، يقول الروائي أبو غزة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




