ساعة واحدة
نساء العراق بين العنف والصمت.. لماذا تخشى المعنّفات الإبلاغ عن المعتدين؟
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

لم تكن تلك المرة الأولى التي تصادف فيها الأربعينية آمال محمود رقم الطوارئ الموحّد (911) في إعلان تلفزيوني أو إذاعي أو على لافتة في الشارع، لكنها قررت أخيراً اتخاذ خطوة ترددت فيها سنوات طويلة، عبر الإبلاغ عن تعرّضها للعنف الأسري.
آمال، التي تحملت على مدى ثلاثة عقود أصنافاً مختلفة من التعنيف النفسي والجسدي على يد زوجها الذي يكبرها بعشرين عاماً، شعرت بأنها لم تعد قادرة على الاستمرار، خصوصاً بعدما أصبحت أمّاً لتسعة أبناء لا تريد أن يروها منهكة ومكسورة.
لكن قرارها التبليغ عن زوجها، الذي أُجبرت على الزواج منه بعد وفاة والديها، لم يكن نهاية معاناتها، بل بداية فصل جديد أكثر قسوة.
تقول آمال إنها اضطرت إلى التنازل عن الشكوى التي قدمتها إلى مديرية العنف الأسري، بعدما عجزت عن توثيق الإصابات والكدمات خلال المهلة المطلوبة، كما لم تحصل على تقرير طبي يثبت تعرضها للعنف، الأمر الذي أضعف موقفها القانوني ودفعها في النهاية إلى الرضوخ للضغوط والتراجع عن الشكوى.
تشبه قصة آمال قصص كثير من النساء العراقيات اللواتي يتخوفن من الإبلاغ عن العنف الأسري، ليس بسبب صعوبة الوصول إلى الجهات المختصة، بل خوفاً مما قد يحدث بعد تقديم الشكوى.
وفي التاسع من كانون الثاني/يناير 2025، أطلقت وزارة الداخلية العراقية مشروع الرقم الموحّد للطوارئ (911) عبر مديرية الاستجابة والسيطرة، بهدف توحيد أرقام الطوارئ المختلفة ضمن نافذة واحدة.
كما جرى إنشاء عشرات محطات الاستجابة الفرعية في مختلف المحافظات، ما جعل تقديم البلاغات أكثر سهولة من الناحية العملية، ولا سيما بالنسبة إلى النساء.
لكن سهولة الإبلاغ لا تعني بالضرورة ضمان الحماية، إذ تكشف الوقائع عن عقبات عديدة تواجه المبلّغات بعد تقديم الشكاوى.
تحيط بعملية الإبلاغ مخاطر متعددة، أبرزها احتمال معرفة الشخص المعنِّف بتقديم الشكوى قبل وصول الحماية إلى الضحية، فضلاً عن البيروقراطية وتأخر الإجراءات القانونية والأمنية.
كما يؤدي غياب بعض آليات الحماية الفورية، وصعوبة إثبات حالات العنف، وعدم إمكانية التبليغ من قبل أطراف أخرى في كثير من الحالات، إلى جعل الشكوى خطوة قد ترتد سلباً على الضحية.
وترى المحامية والناشطة الحقوقية مروة عبد الرضا أن أسباب عزوف النساء عن الإبلاغ تنقسم إلى جانبين: مجتمعي وقانوني.
وتقول إن المجتمع العراقي ما زال ينظر في كثير من الأحيان إلى شكوى المرأة ضد زوجها أو أحد أفراد أسرتها باعتبارها خروجاً على الأعراف والتقاليد، ما يضع المشتكية تحت ضغوط اجتماعية كبيرة.
وتلفت عبد الرضا إلى أن غياب الخصوصية الكافية في التعامل مع شكاوى العنف الأسري، إلى جانب كثرة الإجراءات والروتين الإداري، يؤديان إلى إطالة أمد التقاضي.
كما تؤكد أن آليات الإثبات المعتمدة ما زالت تقليدية، إذ تحتاج بعض القضايا إلى شهود أو أدلة يصعب تأمينها، ما يضع النساء أمام تحديات إضافية لإثبات تعرضهن للعنف.
وتوضح المحامية أن النساء المبلّغات يواجهن أيضاً أعباء مالية، إذ تتطلب الإجراءات القانونية في كثير من الأحيان أجور نقل أو الاستعانة بمحامٍ.
وغالباً ما تكون النساء اللواتي يتعرضن للعنف في وضع اقتصادي هش، الأمر الذي يجعل الوصول إلى العدالة أكثر صعوبة.
وتشدد على أهمية نشر الوعي القانوني بين النساء، وزيادة عدد المحققات في مديريات العنف الأسري، وتدريبهن على التعامل مع الضحايا.
في ظل هذه التحديات، تتزايد المطالبات بتشريع قانون الحماية من العنف الأسري في العراق. وعلى الرغم من اكتمال التعديلات الخاصة بمسودة القانون، فإن المشروع ما زال يراوح مكانه منذ نشر مسودته من قبل رئاسة الجمهورية في أيلول/سبتمبر 2019، من دون أن يقرّه مجلس النواب حتى الآن.
وتقول الناشطة في مجال حقوق المرأة إسراء سلمان إن مسودة القانون تمثل الحد الأدنى المطلوب لحماية الأسرة العراقية.
وتؤكد أن القانون لا يستهدف حماية النساء فقط، بل يشمل الرجال والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة، ويوفر مظلة قانونية لجميع أفراد الأسرة.
وترى سلمان أن حملات التشكيك بالقانون أسهمت في عرقلة إقراره، من خلال تصويره على أنه يتعارض مع قيم المجتمع أو يسمح بممارسات مرفوضة اجتماعياً.
وبحسب ناشطات وجهات حقوقية، فإن الحاجة إلى القانون تزداد في ظل ارتفاع معدلات العنف الأسري، لكنه يواجه عراقيل سياسية متواصلة.
وتضيف سلمان أن إهمال مشروع القانون خلال السنوات الماضية، مقابل المضي في تشريعات أخرى مثيرة للجدل، عزز الشعور بالإحباط لدى المدافعين عن حقوق النساء.
كما تؤكد أن المطالبة بإقرار قانون الحماية من العنف الأسري تنسجم مع مبادئ الدستور العراقي، ولا تتعارض معها.
ألغى مجلس النواب العراقي في دورته الحالية لجنة المرأة والأسرة والطفل، وأحال ملفاتها إلى لجنتي القانونية وحقوق الإنسان. ورغم وجود محاولات من بعض النواب لإعادة طرح مشروع القانون على جدول الأعمال، فإن فرص إقراره لا تزال محدودة.
Loading ads...
ووفقاً لمصادر نيابية، فإن القوى الرافضة للقانون ما زالت أكثر تأثيراً من الجهات الداعمة له، ما يجعل تشريع القانون في المدى المنظور أمراً غير مضمون، ويُبقي آلاف النساء أمام خيارات محدودة في مواجهة العنف الأسري.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




