2 أيام
أثرياء الحرب في غزّة... حين تتحوّل الكارثة إلى سوقٍ للربح - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

على أطلال ركام الحرب، لم يتغيّر وجه غزة فقط، أو نمط الحياة اليومي القاسي فيها، بل تمّت إعادة تشكيل الاقتصاد نفسه وطبقات المجتمع داخله. فقدت آلاف الأسر مصادر دخلها ومدّخراتها ومنازلها، متجرعةً مرارة النزوح والتشرد والفقر المدقع.
في المقابل، ظهرت فئات جديدة استطاعت تحقيق أرباح طائلة من اقتصاد الحرب، مستفيدةً من ندرة السلع، وصعوبة إدخالها، وارتفاع الطلب عليها، وانتشار الوسطاء والسوق السوداء.
ولعلّ هذه الظاهرة التي يمكن وصفها بـ"ثراء الحرب"، لا تعني بالضرورة أنّ كل من حقّق دخلاً خلال الحرب أصبح ثرياً، أو استفاد من ارتفاع الأسعار لتحقيق ثراء غير مشروع، لأنّ السوق الغزّية المضطربة تواجه مخاطر كبيرةً في نقل السلع وتأمينها وتخزينها، عدا عن تكاليف التنسيقات لإدخالها بأرباح خيالية.
لكن المشكلة تكمن عندما يتحول تخزين هذه السلع واحتكارها والمضاربة فيها، نتيجة الندرة واستغلال حاجة الأفراد، إلى وسائل لتحقيق أرباح استثنائية، على حساب مجتمع يعيش تحت خط الفقر والنزوح وتفاقم معدلات البطالة.
تشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، في تقرير أصدرته نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، إلى أنّ اقتصاد غزّة انهار في عام 2024، حيث قضت الحرب على 69 عاماً من التنمية البشرية، في أشدّ أزمة اقتصادية سُجّلت في القطاع على الإطلاق.
ويذكر التقرير أنّ نسبة البطالة بلغت في القطاع 80%، بينما انتقل سكانه البالغ تعدادهم 2.3 ملايين نسمة إلى ما دون خط الفقر.
وبحسب تصريح سابقة لوكيل وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، رياض البيطار، نقلاً عن تقديرات أممية خلال عام 2025، أنّ الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة تبدو أكثر سوءاً، حيث تجاوزت معدلات الفقر 90% بين السكان، بالتزامن مع انهيار شبه كامل للأنشطة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة.
في خضم هذه البيئة المنهارة، تشكّلت طبقات وفئات اجتماعية جديدة، استفادت من اقتصاد الحرب، وأعادت توزيع الثروة داخل المجتمع بطريقة قسرية، معلنةً مظاهر البذخ وسط أطنان من الركام.
يقول الإعلامي يوسف فارس في حديثه إلى رصيف22، عن هذه المظاهر: "هناك شريحة في غزة لا تعيش الحزن والهمّ العام وغير مأزومة مادياً ولا تكترث لهموم الناس اليومية، لأنّ همومها بعيدة كثيراً عن هموم المجتمع".
يضيف فارس: "الحرب والفوضى نمّتا تجارة هذه الفئة وثرواتها، وأصبح حديثهم عن ثروات بملايين الدولارات، في تجارة سحت وربا قائمة على مضاعفة هامش الربح إلى 1،000%".
ويتابع مستنكراً: "هذه الفئة لا تتوانى في استعراض البذخ في حياتها وحفلاتها الرخيصة ومهرجانات زفاف الترف غير المبرّر، لذلك لا بدّ من حدّ لهذه المظاهر البعيدة عن قيمنا الوطنية".
برغم أنّ عضو المجلس الوطني الفلسطيني، الدكتور تحسين الأسطل، يُلقي بأسباب نشوء هذه الظاهرة على الاحتلال الذي يعلم أنّ إجراءاته ضد غزة تقود إلى هذه المعضلة، إلا أنه لا يغفل دور بعض الفصائل الفلسطينية في إذكائها، قائلاً: "للأسف، وقفت بعض الفصائل الفلسطينية متفرجةً خلال الحرب أمام مظاهر البذخ والثراء غير المشروع. أكثر من ذلك، ساهمت في التغطية عليه وتعزيزه، والصمت عمن يشاركون فيه عبر شبكة من المصالح الخفيّة والمعلنة".
ويضيف الأسطل في حديثه إلى رصيف22: "على امتداد عمر الثورة الفلسطينية، بدءاً من ثورة 1936، مروراً بالانتفاضة الأولى التي لم تكن فيها أي حكومة أو سلطة أو قوة شرطيّة، ثمّ لاحقاً انتفاضة الأقصى، لم نشهد مثل هذه المظاهر الشاذّة".
يستعرض الأسطل، التناقض الصادم بين مجتمعين يعيشان في بقعة جغرافية صغيرة، أحدهما يرزح تحت الحرب والمجاعة، والآخر يعيش في جزيرة معزولة حياة بذخ، ويتساءل: هل نحن أمام فوضى اقتصادية عابرة أم تواطؤ صامت بين سلطة الأمر الواقع وبعض التجار؟
ويحذّر القيادي الفلسطيني من مغبّة استمرار هذه المظاهر مستقبلاً، قائلاً إنّ "هذه الفجوة في بنية المجتمع لن تُوظّف لإفشال المشروع الوطني وإقامة الدولة فحسب، بل في تنفيذ المخطط المعلن للاحتلال بالتهجير والتطهير العرقي".
ويوضح الأسطل أنّ حلّ الأزمة الراهنة لا يكون جزئياً، بل يبدأ بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وتمكين الحكومة الفلسطينية من أداء دورها الكامل في فرض القانون وتحقيق العدالة.
ويشدّد على أنّ استعادة الثقة بالنظام السياسي ليست شعاراً، بل هي شرط للبقاء، يتحقّق حين يشعر المواطن بوجود سلطة واحدة مسؤولة تحاسِب وتُحاسَب.
اقتصادياً، يرى الكاتب والباحث المتخصص في الاقتصاد الفلسطيني، أحمد أبو قمر، أنه من الطبيعي في أي حرب ظهور طبقة تغتني من ويلات الحرب وظروفها الإنسانية، سواء بطرق مشروعة أو غير مشروعة، مؤكداً أنّ هذه الظاهرة تندرج ضمن اقتصاديات الحروب والأزمات؛ إذ إنّ هناك طبقات من أصحاب الأموال قبل الحرب تم سحقها، في مقابل بروز طبقات أخرى كوّنت ثراءً فاحشاً.
وبحسب حديثه إلى رصيف22، كثير من مظاهر هذا الثراء جاءت نتيجةً للاحتكار والابتزاز وبيع المساعدات وجمع التبرعات والسرقات. "ندرة البضائع كانت سبباً في اكتناز بعض التجار للسلع، فعلى سبيل المثال، خلال أوقات المجاعة، ارتفع سعر كيلو السكر بأكثر من 7 آلاف في المئة"، يضيف.
ولا يغفل أبو قمر سياسات الاحتلال ونهجه في إذكاء هذه الظاهرة وإنمائها، عبر سياسة حصر إدخال البضائع ضمن عدد محدود من التجار الذين يتلاعبون بالسوق ويحتكرون السلع، قائلاً: "في البداية كانوا ثلاثة تجار، ليصل عددهم حالياً إلى 13 تاجراً، منحهم الاحتلال حق التنسيقات لإدخال البضائع بأسعار فلكية، حيث وصل تنسيق إدخال الشاحنة التجارية الواحدة إلى أكثر من مليون شيكل في بعض الأحيان".
ويستعرض أبو قمر القطاعات التي ساهمت في إنماء أثرياء الحرب، وأهمها القطاع المصرفي الذي انتمى بشكل كامل إلى السوق السوداء، وما يُعرف بسياسة "التكييش"، عبر بيع النقود الورقية والكاش بأسعار جنونية.
إلى جانب ذلك، يشير المتخصص في الاقتصاد الفلسطيني، إلى بروز قطاع الوقود وغاز الطهي والسوق السوداء فيه، والسولار باعتباره قطاعاً حيوياً، فضلاً عن قطاع الأغذية الذي نما من خلال بيع المساعدات في وقت المجاعة بأسعار مضاعفة، وحقّق البعض من خلال ذلك ثراءً غير مشروع.
ويبيّن أبو قمر الدور الخفيّ لشبكة المصالح الاقتصادية التي كان لها أثر بالغ في نمو ظاهرة ثراء الحرب، إذ ارتبط بعض التجار وأصحاب النفوذ بشبكات تسعى إلى تحقيق الثراء عبر عائلات داخل القطاع، أو تتساوق مع مخططات الاحتلال، أو ضمن شركات عربية، لخلق اقتصاد موازٍ.
أما عن دور الرقابة والمساءلة، فيذكر أبو قمر أنه لا يوجد أي دور، مع غياب حكومي واضح للرقابة على التجار الذين أسّس بعضهم لثراء وبذخ فاحش، بالإضافة إلى بعض المبادرين في العمل الإغاثي.
يقول أستاذ علم النفس في الجامعات الفلسطينية، يعقوب الأسطل، إنّ مظاهر ثراء الحرب هي إحدى نتائج التحولات الاجتماعية والاقتصادية لسنوات الإبادة الجماعية، وتسمّى "فئة الظل" أو "رأسمالية الحرب"، وقد ظهرت بسبب غياب مؤسسات الدولة الرقابية والرادع الاجتماعي.
ويشير في حديثه إلى رصيف22، بأن غياب القيم أدى إلى تزايد التوجه نحو الطمع والاحتكار في السلع والخدمات في القطاعات الحيوية، وهو المحرّك لبعض التجار وكبار المزارعين والمبادرين وملّاك المطاعم والمقاهي وصالات الأفراح ومخازن السلع التموينية، وإلى أنّ هذه الطبقة تحاول تبرير ثرائها والتداخل مع المجتمع، من خلال فتح مشاريع اقتصادية وعبر إقامة حفلات افتتاح بحضور نخب مجتمعية ورعاية أنشطة خيرية وإنسانية، كي يبدأ المجتمع بتقبّلها باعتبارها المنقذة له.
ويبيّن الدكتور يعقوب أنه خلال الحرب، تآكلت الطبقة الوسطى التي كانت تمثّل فئة الأكاديميين والموظفين العموميين وصغار التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة، وقد تلاشت ودخلت في تعداد الفقراء، لصالح بزوغ فئة أثرياء الحرب، التي تمثّل فئةً قليلةً في عدد الأفراد لكن تأثيرها كبير في التحكم في الاقتصاد.
ونتيجةً لغياب الضبط الداخلي والقيم المجتمعية، تراجعت قيم التضامن والتكافل، لأنّ العلاقة برأي الأسطل هنا عكسية، بمعنى أنه كلما غابت القيم زاد التفكك والانهيار والمفاضلة والمشكلات الاجتماعية، وفُقدت ثقة الأفراد بالمجتمع.
Loading ads...
بيدَ أنّ الحل كما يؤكد الدكتور يعقوب، لا بدّ أن يكون جماعياً، ويكمن في استرجاع دور الأسرة والعشائر عبر مبادرات ترمّم هذا الصدع، من خلال تكوين لجان رقابة وحماية مجتمعية كالتي ظهرت خلال وقت المجاعة لتأمين شاحنات المساعدات. ولا يبدو أنّ تعافي غزّة يكمن في بناء الحجر أو في تقديم الخدمات لسكّانها كما في السابق فحسب، بل في بناء مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي يعيد هيكلة المجتمع ومؤسساته، وفق سوق أكثر عدالةً يُمنع فيه اقتصاد الحرب من إعادة بناء نفسه فوق الركام.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





