ساعة واحدة
فاتورة الطاقة: هكذا تسعى مصر إلى تعويض ارتفاع أسعار النفط والغاز بالبحث عن معادن جديدة
الجمعة، 8 مايو 2026

تشهد مصر تحركاً متسارعاً لإعادة توجيه سياساتها الاقتصادية نحو قطاع التعدين، في محاولة لاحتواء الارتفاع المستمر في فاتورة الطاقة التي بلغت مستويات قياسية خلال الفترة الأخيرة. ويأتي هذا التوجه في ظل ضغوط متزايدة على موارد النقد الأجنبي، بالتزامن مع تراجع إيرادات تقليدية مثل قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج.
وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة حزمة من الإجراءات تشمل تنفيذ أول مسح جيولوجي شامل منذ 4 عقود، إلى جانب تعديلات تشريعية لتسهيل عمليات التنقيب، وخطط لطرح مئات المناطق الاستثمارية أمام شركات التعدين المحلية والدولية. وتستهدف هذه التحركات زيادة إنتاج الذهب والمعادن الاستراتيجية وتعظيم العائدات منها خلال السنوات المقبلة.
كما تراهن القاهرة على ربط قطاع التعدين بملف الطاقة، من خلال توظيف عوائد المعادن في تقليل الاعتماد على الوقود المستورد، ودعم التوسع في الطاقة المتجددة. وتُطرح هذه الاستراتيجية كمسار مزدوج يجمع بين تخفيف الضغط على الموازنة وتعزيز موقع مصر في سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحيوية.
تعددت القرارات التي اتخذتها الحكومة المصرية مؤخراً بهدف التشجيع على التنقيب عن المعادن المختلفة، بدءاً من تنفيذ أول مسح جغرافي لمناطق التعدين لأول مرة منذ 40 عاماً، مروراً بتقديم تسهيلات إلى شركات التنقيب ومحاولة تقنين التنقيب الشخصي وغير المشروع، ونهاية بالتخطيط لطرح عشرات المناقصات للتنقيب عن الذهب والمعادن في مناطق متفرقة.
وتهدف هذه القرارات إلى الاستفادة من المعادن غير المكتشفة بعد، بما يساهم في تعزيز عائدات العملة الصعبة، خاصة مع فاتورة الطاقة التي تصاعدت مؤخراً بعد أن سجلت 20 مليار دولار سنوياً قبل اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران.
وقال مصدر حكومي مطلع إن مصر تخوض مفاوضات شاقة لجذب شركات عالمية تعمل في مجال التعدين والتنقيب عن الذهب، مع تخصيص ميزانية تصل إلى ملياري دولار لدعم مشروعات التنقيب، وتستهدف زيادة إنتاج الذهب بحلول عام 2028 إلى نحو مليون أونصة بدلاً من 600 ألف أونصة هذا العام.
وتستهدف الخُطط الحكومية، وفق المصدر الحكومي الذي صرح لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، قطع الطريق على تصدير المعادن وتوظيفها في التصنيع المحلي، خاصة الفوسفات والرمال السوداء، لرفع قيمتها المضافة.
بينما لفت إلى أن الهدف الرئيسي يظل تقليص فاتورة الطاقة التي تواجه مأزقاً مع تراجع عائدات العملة الصعبة نتيجة ركود حركة الملاحة في قناة السويس، وكذلك تراجع عائدات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج، بالتزامن مع قفزات مستمرة في أسعار النفط.
ولا تستهدف مصر تعزيز استكشافات المعادن لتعويض ما فقدته من عائدات العملة الصعبة فقط، لكنها تأتي في إطار خطط استراتيجية لتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري والاتجاه نحو الطاقة المتجددة، إذ تعد المعادن ضرورة لا غنى عنها بالنسبة لتكنولوجيات الطاقة المتجددة مع وجود خطط طموحة للاعتماد على المصادر المتجددة بنسبة تصل إلى 42% من الطاقة الكهربائية.
وفق المصدر الحكومي المطلع، فإن الحكومة المصرية تستهدف توظيف إيرادات تصدير الذهب، والمستهدفة هذا العام بنحو 9 مليارات دولار، في سداد جزء من فاتورة استيراد الغاز والمازوت لمحطات الكهرباء، والتي تتجاوز مليار دولار شهرياً في أوقات الذروة.
فيما لفت إلى أن الحوافز الأخيرة التي أقرتها الحكومة لتشجيع التنقيب تستهدف تسريع تدفق رؤوس الأموال الأجنبية لسداد تكاليف التشغيل والبحث وضمان استعادة أكثر من 2 مليار دولار جرى ضخها مؤخراً للتنقيب عن المعادن، وأنه كلما زادت وتيرة التنقيب تسارعت تدفقات رؤوس الأموال.
وتضيق الحكومة المصرية الخناق على أي خلل من الممكن أن يؤدي إلى تراكم مديونياتها لشركات البترول العالمية، بعد أن بلغت خلال عامين 6 مليارات دولار قبل أن تقلص الفجوة إلى 700 مليون دولار من المزمع سدادها بنهاية الشهر المقبل.
وذكر مصدر "عربي بوست" أن الخطط المصرية لا تستهدف فقط التنقيب عن الذهب، الذي تقدر احتياطاته غير المكتشفة في الصحراء الشرقية بنحو 300 مليون طن، لكنها أيضاً تركز على ما يتم وصفه بـ"المعادن الاستراتيجية"، والتي تحظى باهتمام دولي واسع في تلك الأثناء مثل الكوارتز، والرمال البيضاء، والنحاس.
وتدخل هذه المعادن في تصنيع الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، وهو ما يقلل تكاليف إنشاء محطات الطاقة المتجددة، وبالتالي يقلل الحاجة إلى حرق الغاز والمازوت لإنتاج الكهرباء، وفي النهاية ينعكس ذلك بشكل غير مباشر على تقليص فاتورة استيراد الطاقة.
فيما تسعى مصر للاستفادة من أزمة الأسمدة العالمية، التي تسببت في مضاعفة أسعارها مقارنة بأسعارها محلياً، إذ تركز بشكل أساسي على مشروعات التنقيب عن الفوسفات وتوجيهه إلى شركات ومصانع إنتاج الأسمدة.
وتستهدف الحكومة المصرية توفير مليارات الدولارات من وراء هذه الصناعة، خاصة أنها قلصت مؤخراً معدلات الحصول على الأسمدة المدعمة لصالح مزيد من تحرير أسعارها محلياً، ومن ثم التشجيع على التوسع في التصدير إلى الخارج.
وأشار المصدر الحكومي المطلع في تصريحه لـ"عربي بوست" إلى أن الخطط المصرية تستهدف الحصول على عوائد تمثل 6% من الناتج القومي المحلي بدلاً من 1% في الوقت الحالي، ما يمنح الموازنة مرونة أكبر في التعامل مع تقلبات أسعار الطاقة العالمية دون تحميل الخزانة العامة أعباءً إضافية.
تستعد مصر لإطلاق مزادات أمام شركات التعدين المحلية والدولية في أكثر من 200 منطقة بحلول عام 2030، أغلبها في الصحراء الشرقية. ومن بين هذه المناطق 27 منطقة استثمارية لاستكشاف الذهب ومعادن أخرى مثل الفوسفات، والحديد، والكوارتز، وسوف تبدأ أعمال التنقيب فيها خلال الأشهر المقبلة وقبل نهاية هذا العام.
وأشار المصدر الحكومي إلى أن هناك 11 موقعاً آخر في مناطق متفرقة في شمال وشرق الدولة المصرية لاستكشاف الرمال السوداء، والتي تعد أحد أبرز الكنوز غير المستغلة حتى الآن، إلى جانب مواقع لاستكشاف "الإلمنيت" و"الزركون" المستخدمين في صناعات الطائرات والصواريخ، إلى جانب الصناعات عالية التكنولوجيا.
وأطلقت مصر في 2019 المنطقة الاقتصادية الخاصة للمثلث الذهبي بهدف تطويرها، إذ تتضمن مشروعات تعدين وصناعات ذات قيمة مضافة، وتعد هذه المنطقة بين قنا وسفاجا والقصير من أغنى المناطق في مصر من حيث المعادن مثل الحديد، والنحاس، والذهب، والفضة، والجرانيت، والفوسفات، وتمثل نحو 75% من الموارد المعدنية للدولة.
وتضم مصر، وفق بيانات سابقة صادرة عن هيئة الثروة المعدنية، نحو 120 موقعاً معروفاً منذ أيام الفراعنة للذهب، تقع كلها بالصحراء الشرقية، حيث توجد رواسب الذهب ضمن صخور القاعدة في عدة أشكال، أهمها عروق المرو الحاملة للذهب في مناطق السد السكري، والقواطع النارية الحاملة للذهب في منطقة فاطيري، ونطاقات الحديد والشرائط الحاملة للذهب في منطقة وادي كريم، والرواسب الوديانية الموجودة في مناطق أم عليجة.
الأسبوع الماضي، وافق مجلس الوزراء المصري على مشروع قرار رئيس الوزراء بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون الثروة المعدنية، وتضمنت التعديلات السماح لملاك الأراضي بعقود مسجلة بطلب الترخيص لهم بالبحث عن الخامات الخاضعة للقانون في أراضيهم أو استغلالها، ويُمنح الترخيص بالبحث أو الاستغلال لمالك الأرض بشخصه، ويتم إعفاؤهم من الإيجار.
وحسب الوزارة، تضمنت التعديلات تيسيرات منها "خفض القيمة الإيجارية لمناطق البحث والاستكشاف بنسب تصل إلى 60% لتخفيف الأعباء المالية على المستثمرين خلال المراحل الأولى للمشروعات وتشجيع التوسع في أعمال البحث وزيادة فرص الاستكشاف".
كما أقرت تحديد مدة زمنية لا تتجاوز 30 يوماً لإصدار الموافقات والتنسيقات، بما يدعم تبسيط الإجراءات وتسريع وتيرة العمل، فضلاً عن السماح باستغلال أكثر من خام داخل منطقة الامتياز الواحدة، بما يحقق الاستفادة المثلى من الموارد التعدينية ويعزز الجدوى الاقتصادية للمشروعات.
وأكدت الوزارة أنه تم تعديل نسبة مساهمة هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية في المشروعات المشتركة لتصبح 10% بدلاً من 25%، بما يسهم في زيادة جاذبية الاستثمار وتشجيع ضخ استثمارات جديدة، كما شملت وضع إطار واضح لتحديد الإتاوات الخاصة بالخامات غير المدرجة مسبقاً، بما يحقق الشفافية ووضوح الالتزامات المالية للمستثمرين.
يأتي هذا النشاط بعد أن كشف الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر تستهلك منتجات بترولية بقيمة تقارب 20 مليار دولار سنوياً، بما يعادل نحو تريليون جنيه، موضحاً أن الجزء الأكبر من هذه المنتجات يذهب لتشغيل محطات الكهرباء وليس قطاع النقل كما هو شائع.
وأشار الرئيس المصري إلى أن الدولة تتحمل جانباً كبيراً من هذه التكلفة، محذراً من أن تحميل المواطنين السعر الحقيقي قد يرفع فاتورة الكهرباء إلى 4 أضعاف، دون تحقيق أرباح للدولة، في إشارة إلى حجم الدعم الضمني الذي تتحمله الموازنة.
في المقابل، تراهن الحكومة على تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، مستهدفة رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الطاقة بحلول 2030، مع إمكانية تجاوز هذا الهدف.
وبحسب خبير في التعدين، فإن التسهيلات الحكومية الأخيرة تستهدف تضييق الخناق على الاستكشاف غير الشرعي عن المعادن، وتهدف إلى تقاسم عوائد التنقيب وفرض نظام ضرائب يساهم في تعزيز الموازنة العامة للدولة. وفي الوقت ذاته، فهي تعمل على تحسين مناخ الاستثمار في التعدين، وتبسيط إجراءات التراخيص، وتقليل زمن الموافقات، وتوحيد جهة التعامل، وإدخال نظام طرح عبر المزايدات العالمية.
وشدد الخبير في حديثه لـ"عربي بوست" على أن التسهيلات الأخيرة تتيح مزيداً من حرية الحركة والمرونة أمام المستثمرين في فترات الاستكشاف والتنقيب، بل إن المستثمر أصبحت أمامه فرصة البحث عن أكثر من معدن في قطعة امتياز واحدة، كما أن التعديلات منحت فرصة أكبر للتنقيب الأهلي، الذي يقبع تحت أعين الحكومة وليس بعيداً عنها.
فيما أشار إلى أن منح مالك الأرض الحق في التقدم للحصول على ترخيص البحث أو الاستغلال بشكل مباشر يعد نقلة نوعية تشجع المستثمرين المحليين، الأمر الذي يخفف الأعباء المالية ويشجع على ضخ استثمارات جديدة.
وشدد على أن التسهيلات تمنح صلاحيات أكبر لهيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية في إنشاء شركات متخصصة أو المساهمة فيها، خاصة مع توجهها نحو طرح مناطق تعدين جديدة بنهاية هذا العام للتنقيب عن معادن استراتيجية، عبر منصة رقمية مدعومة ببيانات جيولوجية محدثة.
ومن المتوقع أن يتم تحديد هذه البيانات بدقة بعد إجراءات المسح الجيوفيزيائي الذي بدأ هذا العام، مع تقديم حوافز ضريبية وجمركية لجذب الاستثمارات وتعزيز نمو قطاع التعدين في مصر، خاصة أن الإجراءات الأخيرة تخدم بشكل أساسي تقليل مخاطر الاستثمار في استكشاف الذهب والمعادن.
وفي مارس/ آذار الماضي، وافقت الحكومة المصرية على إجراء مسح جوي لكل الأراضي بهدف تحسين دقة الاستكشافات التعدينية، وذلك لأول مرة منذ 40 عاماً، حيث قامت هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية بالتعاقد مع شركة "X-Calibur" لتنفيذ أعمال المسح الجوي الجيوفيزيقي الشامل لجميع أراضي مصر بإجمالي 6 مناطق جغرافية باستخدام أحدث التقنيات العالمية في هذا المجال.
ومن المقرر أن يتم المسح باستخدام أحدث الطائرات والتقنيات التابعة للشركة التي تم التعاقد معها، إلى جانب الاستعانة بطائرات هيئة المواد النووية الحكومية، وكذلك شركة درون تك، وهي شركة مصرية متخصصة في تكنولوجيا الطائرات دون طيار.
وذكر خبير في مجال التعدين أن نجاح الخطط الحكومية الطموحة لزيادة عائدات المعادن يتوقف على قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية، وهو أمر من الصعب أن ينجح ما دام لا توجد خرائط محدثة، وأن التعويل يبقى على قدرة المسح الجوي على تحديد دقيق لأماكن المعادن، ومن ثم تقوم هيئة الثروة المعدنية بطرح مناقصات لجذب الشركات الأجنبية.
وأشار الخبير المصري إلى أن الخطوات السابقة للحكومة بشأن تحويل الهيئة إلى كيان اقتصادي لا يرتبط مباشرة بالحكومة تمنحها مرونة وقدرة أكبر على جذب الاستثمارات اللازمة.
Loading ads...
التركيز المصري على التنقيب عن المعادن لا يجب أن يتركز فقط على الصحاري الشرقية، ولكن أيضاً هناك فرص واعدة بالصحراء الغربية، وهو أمر سوف يوضحه المسح الجوي، موضحاً أن اتجاه الحكومة المصرية نحو تسوية مديونيات شركات البترول يشجع أيضاً شركات التعدين على ضخ مزيد من الاستثمارات في عمليات الاستكشاف.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


